■ النظام الدولي يشهد حالياً نقلة مِحورية تُعبِر عن نفسها عِبر الأزمات الإنسانية والسياسية، التي تنشأ داخل الأُمم وليس بالضرورة بينها، حتى وصِف القرن الواحد والعشرون بأنه عصر استثنائي، وأنه قرن النهايات القصوى، فهُناك تحول ثوري أمامنا، بدت تشهده منطقة الشرق الأوسط بوضوح أواخر عام 2010.
وإذا نظرنا إلى أهمية الفاعلين مِن غير الدول في تلك المنطقة بصفةٍ عامة، وفي المنطقة العربية بصفةٍ خاصة، يمكن القول إنه كلما كان لهذا النمط من الفاعلين دور في تطور المنطقة والتأثير في قضاياها الرئيسة، أثرت هذه التطورات أيضاً في شكل وطبيعة أدوار هؤلاء الفاعلين، إذ لم تعد حركات التحرر الوطني، مثل مُنظمة التحرير الفلسطينية، على سبيل المثال، هي النمط الوحيد السائد من الفاعلين من غير الدول في المنطقة، وإنما تولدت أنماط أُخرى نتيجة ديناميكيات التطور الداخلية في المنطقة، وداخل البُلدان العربية، إذ تنامت أدوار فاعلين آخرين من قبيل الحركات الإسلامية، مثل الحوثيين في اليمن، وجماعة الإخوان المُسلمين في مصر، وحزب الله في لبنان، وتنظم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف اختصاراً بـ(داعش)، وتنظيم «القاعدة» والتنظيمات المحلية الموالية له.. وهذا التحول المُستمر في طبيعة الفاعلين من غير الدول مُرتبط باختلاف طبيعتهم التنظيمية عن الدولة، وقدرتهم على التكيُف تنظيمياً وسياسياً مع التغيرات التي تطرأ في الدولة التي ينتمون إليها، وفي الإقليم الذي يعملون فيه.. فعلى سبيل المثال، حدد حزب الله اللبناني، في رسالته المفتوحة عام1985 مُهِمة الحزب بأنه يؤسس بنشأته نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، وإقامة النظام الإسلامي كونه يكفل العدالة للجميع، حتى بات هؤلاء الفاعلون مظهراً للتغيير الذي طرأ على المنطقة العربية مؤخراً وأصبحوا بدرجة أهمية دور الدولة.
إلى جانب ذلك نجد أنَّ حالة ما سُمي بـ«الثورات الشبابية والشعبية»، أو التي عُرِفت إعلامياً بـ«الربيع العربي»، كشفت عن عودة الفاعلين التقليديين في المنطقة على نحوٍ غير متوقع، ولكن هذه المرة بنشاطٍ مُختلف، إذ تزايد في تلك المُدة نشاط الشركات المُتعددة الجنسيات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات، مثل(فيسبوك) و(تويتر) اللتين لعبتا دوراً مُحرِكاً للثورات العربية، فأصبحت تلك الفواعل مُحرِكات للشعوب مِن أجل التغيير، بذلك يبدو أن الإسلاميين استفادوا من حداثة الغرب في ترسيخ ظهورهم عبر توظيف التقنيات الاتصالية في نشر أفكارهم… وكانت نقطة الفصل والمُشاركة هي مدى مصداقية أو قبول الإسلاميين للحكُم الراشد، الذي يدعمه النظام الدولي بِنظرة الغرب الغالبة عليه وهذا المفهوم يُراد بِه إِدراك مشروعية السلطة من طرف الشعب والمُشاركة في صنع القرار من المستويات كافة خدمةً للصالح العام.
وعند دراسة الحركات الإسلامية المُعاصرة وتفاعُلها مع النظام الدولي وأثرها فيه، دعونا نقول بأن العلاقة بين النظام الدولي والإسلام السياسي مُمثِلاً للحركات والتيارات الإسلامية كافة، سارت على غير ود خِلال حقب تاريخية طويلة. وكما يقول المُفكر الإستراتيجي الأمريكي مايكل شوير:»إنَّ التغيير الذي يحدث على النظام الدولي بصعود الإسلاميين، يكمن في العلاقة مع الغرب وإعادة النظر بالاستثمارات والمصالح، أما تزداد أو تقل أو تكون في غير صالح الدول المُنافِسة للغرب حالياً، وبالتالي فإن هيكلية النظام الدولي ستتغير، إما تزيد الفاعلين الأساسيين قوةً أو تكون وبالاً عليهم».
كذلك يسود العالم ترقب وحذر، لاسيما من الأطراف الفاعلة في هذا النظام لاحتمالية تأثيره على مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، فضلاً عن أنّ احتمالية ارتفاع أسعار النفط له انعكاسات على آليات النظام الدولي وهياكله خاصة في الجانب الاقتصادي، كما أن آثاراً أُخرى ستبرز ربما تزيد من حالة عدم الاستقرار في النظام الدولي بسبب صراع الإيديولوجيات بفعل صعود الإسلاميين وزيادة الهجرة التي تنعكس آثارها على الغرب، فضلاً عن ذلك فإن فكرة الدولة الموحدة ستواجه مُشكِلة في عدد من الدول لتظهر الفيدراليات أو الكونفيدراليات، أو دول مُتعددة الأقليات مع صعود العامل الثقافي والعرقي أو الديني أو المذهبي، وبالتالي سيشهد الإقليم الواحد تعددية في الأقاليم الجغرافية داخل الدول، كما في حالة السودان، كما أنَّ استنساخ الحالة ذاتها في النظام الدولي لآليات البروز يشجع آخرين للسعي على منوالهم في دول أُخرى مُهِمة ومُنافِسة للولايات المتحدة الآن كروسيا أو الصين في الأقليات الإسلامية الموجودة لديهم، وحتى الهند، فضلاً عن ذلك فإنَّ النظام الدولي طوال مُدة الحرب الباردة وإلى حين اندلاع الثورات كان يرمي إلى احتواء الثورات، الآن صار يتعاطى ويتفاعل معها.
والأهم من كُل ذلك أن تلك الثورات أو التغييرات جسدت فرصة ذهبية للعديد من القوى الكُبرى لتغيير هيكلية النظام الدولي، ومن تلك القوى روسيا الاتحادية التي بدت تقوم بالاضطلاع بِدور أقوى في منطقة الشرق الأوسط والتحول من سياسة الحياد السلبي إزاء قضايا المنطقة إلى سياسة المُبادرات. فروسيا عِبر تمسكُها بتأييدها لنظام (بشار الأسد) السوري، استطاعت وبجانبها الصين، أن تُجابه القوى الدولية الكُبرى الأُخرى برمتها، ونجحت في وقف استصدار أي قرار يدين ذلك النظام عن الانتهاكات التي يقوم بها في حق المواطنين السوريين، بل وفي إعاقة أي فرصة لتدخل دولي حقيقي في الأزمة. ومن المؤكد أن استمرار نجاح روسيا في تحدي القواعد التي يحاول القائد الحالي للنظام الدولي فرضها لإدارة علاقاته وتنظيمها، سيسهم في مزيد من تراجع وزن قائد النظام الدولي، ويمنح القوى الأخرى الصاعدة والمُنافِسة فرصة أكبر للمُشاركة في صنع هذه القواعد، وفي إدارة النظام الدولي.
وهُنا يمكن أن نلمح مصلحة روسية في تشكيل محور دولي جديد مُنافِس، يشمل الصين وتركيا وإيران وجنوب أفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية ورُبما بعض الأنظمة الجديدة في دول الربيع وحال النجاح في ذلك، ربما ستتعزز فرص تشكل هذا النظام الدولي مُتعدد الأقطاب. وفي هذا الصدد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين:»من سوريا يبدأ النظام العالمي الجديد». وتأسيساً على ما تقدم يمكن على نحوٍ عام القول؛ إن التغيرات التي تمر بها المنطقة العربية ستكون لها، على أقل تقدير، بصمة واضحة في عملية التغيير والانتقال التي يمر بها النظام الدولي. وبالمُقابل، فإنَّ قيام القطب العربي في إطار عالم مُتعدد الأقطاب يعني تحقيق القومية العربية التي هي التعبير السياسي عن وحدة الأُمة العربية. ونظراً للإمكانات الاقتصادية والسياسية والثقافية المُهِمة المتوفِرة في أرجاء الوطن العربي، فإن قيام القطب العربي يعني الحضور العربي الفاعل والفعال داخل النِظام العالمي المُتعدد الأقطاب، فقيام هذا القطب سيعني إلغاء التناقض بين الوطن العربي كإمكانية، وبين نفسه كواقع.
وحريٌ بِنا القول؛ إن العرب يمرون اليوم بمرحلةٌ تدعو إلى التفاؤل والحذر في آن، أما التفاؤل فمنبعه تمرد الشعوب العربية على الاستبداد بإشكاله المُختلِفة، الذي يُعد أهم أسباب تخلفهم وتفككهم، وبالتالي فإن تفكيكه خطوة ضرورية في إحداث النهضة المنشودة، ولكن تفكيك الاستبداد لا يكفي، فقد تفرز حركات التغيير العربية، حالةٌ من الفوضى والتشظي التي تؤدِي إلى مزيد من الاستبداد والتجزئة وهدر الموارد، إذا لم تتكاتف جميع شرائح المُجتمع من أجل الوصول بِها إلى بر الأمان، إذ تتم مُأسسة الحرية، والمضي في طريق النهضة المنشودة في ظل اندِماج المنطقة العربية في دائرة واسعة تُحقق لها كثيراً مِن المكاسب الأمنية والتنموية، التي لا يمكن أن تتحقق في ظل الكيانات الحالية. فالربيع العرب ولدَّ أملاً كبيراً وآفاقاً جديدة لتطور النظُم السياسية داخل البُلدان العربية، لكنه مع ذلك، لم يستطع حتى الآن، أن يُمهد الطريق أمام إقامة نِظام عربي أو إقليمي أكثر تماسُكاً واستقراراً وتعاوناً، بل طرح «آفاق إعادة الاصطفاف الإقليمي»، وإذا حدث وتعثر ذلك (الربيع) وتحولت الانتقالات السياسية إلى صِراع على السلطة والموارد، على خلفية الانقِسامات العرقية والدينية، فعندها يمكن أن تبرز إعادة اصطِفاف إقليمية طائفية، لاسيما أنَّ التغيرات التاريخية التي أتت بِها حركات التغيير العربي لا تبدو إنها قد حررت جامعة الدول العربية مِن سلبياتها وقصورها الذاتي، ذلك أن صحوتها التي جاءت بِفعل الانتفاضات الشعبية العربية، إنما تعكس على الأرجح صحوةٌ مؤقتةٌ، ولا تنبئ بتحول جذري في دور الجامعة، وقدرتها على الحركة والتأثير الحقيقي، بيد أن مواقف الجامعة تِجاه تِلك الحركات أو الثورات، على ما فيها مِن ايجابيات وسلبيات، أحدثت زخماً ينبغي استثماره مِن أجل دور أكثر فاعلية وإيجابية للجامعة في المُستقبل المتوسط والبعيد.
وفي كُل الأحوال، فسوف يكون مِن المُتعين على جامعة الدول العربية مُستقبلاً أن تتكيف مع اتجاهات الحكومات المُنتخبة شعبياً وفق إرادة حرّة أولاً، ومع الرقابة الشعبية العربية ثانياً، ومع مُشاركة شعبية عربية فاعِلة في أداء النِظام العــــربي ككُل ثالثاً، ووقتئذٍ فقط، سوف تصبح الجامِعة العــــربية في حال قوة ودينامكية. وبناءً عليه، فإن السعي الآن لإصلاح النظام العربي والمُحافظة على تماسكه البنيوي لإعادة مفهوم ذلك النظام نســـقاً قيّمياً وإقليمياً مُتكاملاً، غدا الآن من أولى موجبات العرب وضرورة لا بُد منها، والاستجابة لإرادة الأُمة في النهضة والتوحد ومقاومة مشاريع الإقليمية الجديدة واقتلاع جذورها.
فاليوم كُل المؤشرات تؤكد أن العالم العربي والإسلامي أصبح في الواجهة ومدفوعاً إلى المواجهة، لذا فإن الظروف الحالية تستلزم مِنا استخدام كُل وسائلنا ومؤسساتنا التي نرتجي مِنها الخير في إصلاح واقعنا بصورة حقيقية، بعد أن أمسى الإصلاح العِلاج الواقي لِكُل ما يتعرض له الوطن العربي مِن اختراق، حتى بات من الواجب الإمعان في مشروع إصلاحي شامل لمواكبة التطور الدولي، ويجب أن ينبع الإصلاح من الداخل يراعي خصوصيات المنطقة وظروفها واختلاف دولها ومستوى تطورها. فالديمقراطية تولد وتنمو وتختمر نفسياً وفكرياً وأخلاقياً في الداخل، ولا بُد من نضج واستقرار سياسي واجتماعي طويل للبدء بالتجربة الديمقراطية ذلك أن الأخيرة لا تزدهر في أجواء الاضطرابات.
واقتصادياً، وفي ضوء تزايد الاتجاه نحو التحررية الاقتصادية الإقليمية، الجديدة باتت الحاجة ماسة لأن يكون هناك تعاون وتنسيق عربي فاعل ومؤثر، وفي إطار تكتُل أو فضاء اقتصادي إقليمي عربي، يوفر الضمانة لحماية الاقتصادات الوطنية من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها بالعمل الانفرادي، وهذه مرحلة أولية لتحقيق التكامُل الاقتصادي العربي ثُم الوحدة الشاملة في المُستقبل، أي التدرج الوحدوي، خاصةً أن الوطن العربي يمتلك مُقومات مُشتركة لإقامة مثل هذا التكتل. وبمنظورنا فإن أفضل السبل لتحقيق التكامل العربي هو العمل الجاد من أجل بِناء القوة الذاتية الاقتصادية العربية جماعياً وإعادة هيكلة الاقتصادات العربية، بغية تقليل الاعتماد على الخارج واكتساب مزايا نسبية للتمكين من التصدير في عدد من القطاعات.
وبِما أن منطقة الشرق الأوسط تُعد مِن أكثر المناطق اعتماداً على أقاليم أُخرى لتوفير احتياجاتها الغذائية، وهناك ارتباط وثيق بين شبكات الموارد الطبيعية -المياه والطاقة والغذاء- مع أقاليم أُخرى، فإن هذا يجعل من الصعب تصور نموذج للإقليمية الجامدة أو المُغلقة في إقليم الشرق الأوسط للتعاون حول هذه الشبكات، بل سيتعين على المنطقة أن تأخذ في الحسبان نموذج «الإقليمية المفتوحة» المُنتشر في أقاليم أُخرى.
نخلص مِما تقدم إلى أن ثمـــــة تراتبية مُعينة أحدثها صعود الإسلام السياسي في العالم العربي لا زالت لم تستقر آثارها ونتائجها على النظام الدولي الراهن.
كاتب عراقي
د. مروان سالم العلي