دمشق – «القدس العربي»: يستكمل النظام السوري بدعم من حليفه الروسي مخططه بتهجير أهالي المنطقة الجنوبية في درعا والقنيطرة بعد التوصل إلى اتفاقيات مع فصائل المعارضة المعتدلة والجهادية، عبر صفقات جرت بمباركات دولية وإقليمية، وتقسيم المحافظتين إلى ثلاث مناطق أدت إلى نجاح النظامين الروسي والسوري بفرض اتفاقيات التهجير التي أسفرت عن إجلاء ما يربو عن 8500 شخص بينهم 4750 امرأة وطفلا خلال أيام.
ورغم تصنيف القانون الدولي لظاهرة التهجير القسري ضمن الجرائم ضد الإنسانية، إلا أن ذلك لم يثن النظام السوري الذي أجبر ملايين السوريين على ترك أرضهم إلى مراكز الإيواء والمخيمات في الداخل السوري ودول الشتات، من وصف عملية الإجلاء الاضطرارية لفرق الدفاع المدني بالعملية الإجرامية، حيث اضطر المئات من فرق «الخوذ البيضاء» بعد محاصرتهم وتعاظم التهديدات التي شكلت خطرا على حياتهم بسبب تقدم قوات النظام في المنطقة، من الفرار من قبضة النظام السوري إلى الأراضي الأردنية عبر الكيان الصهيوني.
حكومة نظام الأسد، أدانت امس الاثنين، إجلاء مئات من أفراد الدفاع المدني بمساعدة من إسرائيل إلى الأردن، ووصفتها بأنها «عملية إجرامية» نفذتها «إسرائيل وأدواتها، حيث هرب أفراد الخوذ البيضاء وأسرهم من سوريا إلى هضبة الجولان التـي تحتلها إسرائيل قبل أن يصلوا للأردن». وقـالت إسـرائيل إنـها ساعدت في عملية الإجلاء استجابة لطلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعماء آخرين. وكانت هناك مخاوف من أن حيـاة موظفي الإغـاثة في خـطر.
فيما رد خالد الخطيب مسؤول المكتب الاعلامي لدى الدفاع المدني في سوريا خلال اتصال مع «القدس العربي» على وصف النظام عملية إخلاء فريق «الخوذ البيضاء» بالإجرامية، بأن هذا النعت يجب أن يوجه إلى من يملك مقاتلات حربية وجيشا وميليشيات تسيّر من أجل أن تقتل المدنيين العزل، لا لمن يضع روحه على كفه من أجل إنقاذ هؤلاء.
وأضاف الخطيب «النظام يصفها بالعملية الإجرامية بعد أن حصر المدنيين وبينهم فرق الدفاع في منطقة صغيرة جدا في درعا، بينما قتل هو من بداية الثورة السورية أكثر من 700 الف شخص، وهجر أكثر من 6 ملايين سوري إلى خارج البلد، ودمر سوريا، وبالمقابل الدفاع المدني أنقذ أكثر من 115 الف شخص من تحت الانقاض، وهذا يعني أنه لولا هذه الفرق التابعة للدفاع المدني لكان العدد المذكور في عداد القتلى، بعد أن يضافوا إلى جرائم بشار الأسد وحلفائه».
وقال خالد الخطيب إن المجرمين معروفون في سوريا والأشخاص الذين يضحون بحياتهم أيضا هم معروفون، ونحن أثناء إنقاذ أكثر من مئة ألف روح، فقدنا تقريبا 251 متطوعا جميعهم قضوا بسبب قصف النظام، مضيفا «الأعمال الإجرامية يجب أن توصف لمن لديه طائرات وجيوش تسيّر من أجل قتل المدنيين العزل، بينما كان نضحي بحياتنا لإنقاذ الأهالي من إجرام تلك الطائرات وقذائف جيش النظام».
وأوضح مسؤول المكتب الإعلامي لدى الدفاع المدني في سوريا إنه ليس بين فرق الخوذ البيضاء من هو سعيد بهذه العملية، «لأن هؤلاء الشبان لن يستطيعوا العودة والاستجابة لعمليات القصف التي تجري في الجنوب لكن لا خيار ثانيا أمامهم، فلو تقدم النظام واستكمل سيطرته على القنيطرة لكان مصير هؤلاء الاعتقال والقتل والتعذيب كما هو مصير نحو مئتي الف شخص إلى الآن يتم تعذيبهم بشكل يومي».
متحدث باسم وزارة الخارجية الأردنية قال إن بلاده أذنت للأمم المتحدة بترتيب دخول ومرور 800 من العاملين في الدفاع المدني السوري، مضيفا أن حياتهم في خطر بعد هجوم لقوات النظام السوري استعاد السيطرة على مناطق كانت خاضعة للمعارضة في جنوب سوريا.
وأضاف المتحدث محمد الكايد أن الأردن وافق على طلب بريطانيا وألمانيا وكندا منح أعضاء الخوذ البيضاء لجوءا مؤقتا في الأردن قبل إعادة توطينهم في الغرب لأسباب إنسانية. وأشار إلى أن عمال الإغاثة سيبقون في منطقة «مغلقة» وأن بريطانيا وألمانيا وكندا وافقت على إعادة توطينهم خلال ثلاثة أشهر، فيما قال مسؤولون إسرائيليون إنهم قاموا بتسهيل المهمة.
وذكر الجيش الإسرائيلي، وفق ما نقلته «رويترز»، أنه استكمل مساء السبت «عملية إنسانية لإنقاذ أفراد منظمة مدنية سورية وأسرهم بسبب تهديد مباشر لحياتهم».
من جانب آخر أوضح فريق «منسقو الاستجابة في الشمال» في إحصائية موثقة له امس الاثنين، أن أعداد المهجرين قسريا في الفترة الممتدة ما بين الخامس عشر والثالث والعشرين من الشهر الجاري بلغ 8518 شخصا على ثلاث قوافل، فيما بلغت نسبة الأطفال والنساء اكثر من 55 في المئة من أعداد الواصلين إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية شمالا.
وكانت قد وصلت صباح الاثنين، الدفعة الثانية من مهجري محافظة القنيطرة، إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية، وذلك ضمن 47 حافلة و21 سيارة مدنية، أقلت 2592 شخصاً من المدنيين ومقاتلين، وصلوا إلى مناطق سيطرة المعارضة في ريف حماه الشمالي، حيث تفرقت الحافلات على أربعة مخيمات في ريفي إدلب وحلب.
«القدس العربي» وثقت استنادا إلى إحصائيات قدمها «منسقو الاستجابة في الشمال» ارتفاع أعداد المهجرين من محافظة القنيطرة وحدها إلى نحو 7290 شخصا فيما يتوقع وصول دفعات جديدة من المهجرين من المنطقة الجنوبية خلال الأسبوع الجاري.
كما وصلت يوم الاحد القافلة الثانية للمهجرين قسرا من المنطقة الجنوبية، وضمت أكثر من 3400 شخص ضمن 75 حافلة إلى مدينة مورك بريف حماة، بعد احتجاز القوافل لأكثر من سبع ساعات، من قبل الميليشيات الإيرانية في حمص.
مهند جفالة، مسؤول لدى فريق الاستجابة في الشمال السوري، أكد لـ «القدس العربي» أن «حل مشكلة القوافل كان بعد ساعات طويلة من الانتظار وبصعوبة بالغة»، وذلك بسبب احتجاز المهجرين من قبل ميليشيا «عصائب أهل الحق» و»أبو الفضل العباس» الذين قطعوا الطريق أمام الحافلات بمدخل حمص عند العقدة التي تتوسط طريق حمص وطرطوس، ووجهوا أسلحتهم نحو المهجرين.
وحسب الناشط الإعلامي جلال التلاوي فإن هذه الميليشيات تتمركز على المدخل الجنوبي الغربي لمدينة حمص، في قريتي «الرقة والمزرعة» على أطراف حي الوعر، وهي من تفرض سطوتها على المنطقة دون أي تواجد للقوات النظامية، مضيفا أن هذه الميليشيات تعرف بسوابقها حيث «اعتقلت وفد الأمم المتحدة مع قافلة من المساعدات الإنسانية إبان حصار حي الوعر، ومنعوها من دخول الحي، حيث بقي أعضاء الوفد الأممي محتجز لديهم أكثر من عشر ساعات، إلى حين قام طيران النظام بتخويفهم وفتح جدار الصوت على قراهم».
وتداول ناشطون صورا على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر فيها شعارات طائفية مكتوبة على البزة العسكرية لعناصر تلك الميليشيات.
فريق «منسقو الاستجابة في الشمال» ذكر في بيان له إن الميليشيات تتبع لـ «الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني» وحاصروا القافلة القادمة من درعا والقنيطرة، فيما يبلغ عدد الأطفال والنساء المحتجزين في القافلة الأولى 332 طفلًا و175 امرأة، بينما تضم القافلة الثانية 797 طفلًا و699 امرأة.