الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الإسلامية في ما سُمي الحرب ضد الإرهاب، إنما هو في حقيقة الأمر حرب معلنة على الإسلام تسترت خلف مصطلح الإرهاب لضرب الإسلام في جذوره، وإن كان المصطلح يكتسب شرعية عاجلة ضمن معطى المواجهة والحفاظ على الأمن والسلام، ولكن المُعلن أيضا ضمن هذه السياقات هو تشويه ممنهج للإسلام دينا وحضارة.
وتواصل الولايات المتحدة والقوى الغربية عموما مشروعهما الإمبريالي الذي بدأتاه منذ القرن الثامن عشر، وعملتا فيه على تقسيم العالم وتوظيف قواه وخيراته لحساب مصالحها القومية.
تمت مواجهة المد الاستعماري بمقاومة وطنية، رغبت في تحرير أوطانها، ومثل هذه الحركات المقاومة أصبحت في المصطلح الغربي تسمى حركات إرهابية، ضمن أطر النظام العالمي الجديد، الذي رسم قواعد تواصلية مغايرة، مثلت العولمة وتحرير الأسواق أبرز عناوينه، واشتغل على مواصلة مشروع الهيمنة، ولكن بأدوات جديدة في مقدمتها الإعلام. ومثل هذا الاستعمار الجديد جند لحسابه أقلاما مأجورة ووكلاء تحت عناوين مختلفة، ساعدوا في تسهيل استعمار العقول وتمرير عملية الغزو الفكري، وأصبح الجميع يتباهى بالتبشير بالعولمة، والنموذج الغربي والمشروع الأمريكي تحديدا.
وفي هذه الأثناء أصبح يُنظر للمثقف الوطني والعروبي بعين الارتياب، فهو لا يدين بالولاء للنموذج الغربي الاستعماري، كما هو الحال مع فئة من المثقفين العرب، الذين ركبوا جماح الأمركة واُعجبوا أيما إعجاب بالنموذج الديمقراطي، الذي تأتي به أمريكا لدول المنطقة، وإن كان على ظهور الدبابات. أعتقد أن هذه الفئة المأجورة إلى اضمحلال، فقد بدأت حروب التحرير العقلي وستستمر، والمعطيات في العقدين الأخيرين كشفت تراجع النموذج الغربي وزيف القيم التي يدعيها، وهو يتخبط في مجده الذاتي المغرور، كما هو حال أمريكا التي انهزمت في محطات ميدانية كبرى، أبرزها العراق وسوريا وإيران أيضا، وإن كان عنوان صراعها معها دبلوماسيا وحربا بالوكالة على حد سواء.
الثابت أن الولايات المتحدة صنفت العالم إلى معسكرين، من معنا ومن ضدنا، وأخذت تُسوق إعلاميا لفظة الإرهاب، وتُضفي عليها المعنى الذي تريد، وبطبيعة الحال من يتصدى لمشاريع الهيمنة التي تقودها يُصبح إرهابيا. وتجدر الإشارة إلى أن وقائع 11 سبتمبر هي الحادثة الأولى التي جعلت المجتمع الأمريكي يرى ولأول مرة أثر السياسة الخارجية على الجبهة الداخلية، وأصبحت فئات واسعة من المجتمع الأمريكي تُدرك أن السياسات الخارجية الأمريكية لا تخدم كثيرا المصالح الأمريكية، وتحديدا الأمن الداخلي. وتخطئ أمريكا وإسرائيل من جديد خدمة لمصالح ضيقة، وكلاهما انطلق من رؤية عمياء مصدرها الهيمنة ليتم عزل الظواهر السياسية عن أسبابها.
الصراع الدائر اليوم هو صراع نماذج حضارية بين من يرى الاستهلاك والسيطرة الهدف الأول من الوجود، تحت شعارات مكيافيلية البقاء للأقوى والغاية تبرر الوسيلة، وبين من يعتبر أن هناك قواسم مشتركة ويُمكن أن يتوفر الإخاء الإنساني والتعايش السلمي بين مجتمعات تُبنى على العدل والانصاف. فالقضية حضارية قائمة على الصراع بين رؤية تدعو للخضوع للعقلانية الأداتية تحت سلطة التقنية والتكنولوجيا التي خدمت مشاريع الهيمنة ومطامع السيطرة، مقابل حضارة تدعو لتجاوز أسباب النزاع والاحتراب وتحقيق التعايش الانساني على قواعد الندية التشاركية والتفاعلية الثقافية.
السؤال الذي يطرح ضمن إحراجات المرحلة: إلى متى ستظل النخب الحاكمة العربية خاضعة للغرب ضمن علاقة تبعية مذلة؟ ومن يرفض الامتثال لهذا الاذلال يُحارب ومن بني جلدته بالدرجة الأولى؟ ومع ذلك قطاعات مهمة من المثقفين العرب لا تستشعر مثل هذا الخطر أو تتعامى عنه، فهي قد ركبت قطار الأمركة، وجعلت فئات واسعة من الشعوب تُماثلها حالا فينظر كلاهما إلى الغرب باعتباره النموذج الذي يجب أن يُحتذى، وبعضهم يرى الغرب المثل الأعلى بالنسبة إليهم. ويحدث كل ذلك تحت ستار العولمة بما فيها من عملية غزو ثقافي واستعمار للعقول لم يسبق له مثيل.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي