القاهرة: «القدس العربي»: حسام عبد البصير وكأنها تدمن للنهاية على إعادة سيرتها الأولى وتهوى للأبد السير في ركاب فراعينها القدامى والجدد على حد سواء، إذ تبدو مصر بعد المرحلة الاولى من الانتخابات البرلمانية عصية على الفهم وخارجة عن أي حسابات تنتمي للمنطق فالشعب الذي أصر في 25 كانون الثاني/ يناير 2011 على طرد نظام الرئيس حسني مبارك بدا على مدار يومين جرت خلالهما الجولة الاولى من الانتخابات البرلمانية قبراً لا أثر فيه لحياة فيما بدا الحلم ببرلمان يليق بثورة المصريين أبعد منالاً من أي وقت مضى. الخيبة حلت مكان الامل، والتفاؤل رحل بعيداً والسؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين إلى أين يذهب البلد في ظل سلطة معصوبة العينين تدير مقاليد البلاد؟
مما لا شك فيه ان محاولة تقييم ما جرى في الجولة الاولى للانتخايات لا يمكن بأي حال ان تسفر عن نتائج دقيقة وذلك لأن ما جرى على الارض لا يرقى لأن يوصف بأنه معركة انتخابية من الاساس فأحد طرفي المعادلة وهم الناخبون غاب تماماً عن المشهد فيما بقي الطرف الذي كان يصنع الزخم في اي عمل سياسي منذ عقود بعيداً عن الحلبه مغيباً في باحات السجون وهو الإخوان المسلمون ايقونة البرلمان الاخير.
وفيما غاب أيضاً طرف اصيل من صناع ثورة يناير وحضر بقوة «يتامى» الرئيس المخلوع مبارك وقواعد الحزب الوطني المنحل الذين ثار عليهم الشعب، بقي الوضع كاريكاتيرياً بكل ما تستدعيه الكلمة من سخرية.
بات من شبه المؤكد ان المطلوب من البرلمان المقبل مهمة أساسية ودونها مجرد مسرحيات هزلية، الغرض منها إلهاء الشعب الذي لا زال يحرث في النهر منذ فجر يناير 2011 اما المهمة الرئيسية التي سيتم تذليل كل الاذرع لها فتتمثل في تمرير قرابة ثلاثمائة قانون اطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي على مدار العامين الماضيين وان يكون الظهير السياسي للرئيس الذي ترشحه الاقدار ليكون ديكتاتورا من طراز مختلف.
حصة في الانصياع
انتخابات منزوعة الدسم تليق بناد لكبار المسنين وليس بمصر الجديدة التي يتمناها شعبها، هذا هو اول انطباع يبدو لأي متابع لما جرى على مدار يومين، فالقوى الرئيسية المشاركة بدا وكأنها تفتقر للرؤية لما يحتاجه الوطن ولا تريد اثارة اي مشاكل مع النظام الذي سيأتي بها للبرلمان حيث الحوافز السخية التي تحول الكادح لقط سمين قي غضون أشهر معدودات تعقد الالسن وتجعل من لغة السمع والطاعة هي المتداولة بين اروقة المجلس المرتقب، والشواهد على انه سيعيد للأذهان صورة برلمانات العقود الغابرة في الأنظمة المستبدة كثيرة، أبرزها ان الواقفين خلف القوى المرشحة لالتهام الكعكة ينتمون للرئيس وللأجهزة الأمنية، والبشائر التي حملتها النتائج في الجولة الاولى تؤكد ذلك، فقائمة «في حب مصر» وتلتها «مستقبل وطن» حصدتا اغلب المقاعد والانباء ترشحهما لحصد ما تبقى من إرث البرلمان الذي يعقد على رفات الاسلاميين.
لعل من أهم تجليات الجولة الأولى أن الشعب الذي ادار ظهره للرئيس بشهادة اقرب الناس لقلب السيسي (ابراهيم عيسى وعمرو اديب وممدوح حمزة وتوفيق عكاشه) أدار ظهره له بعد ان اكتشفت الجماهير من تلقاء نفسها ان لا جديد من الأمنيات احرز على الارض مما طالبت به ثورة يناير وتعهد بتحقيقه الرئيس من عيش وحرية وعدالة اجتماعية بل ان الثوار الشباب الذين دعموا معسكر الرئيس شخصياً اقتيدت اعداد منهم للزنازين المظلمة.
واللافت ان السلطة سارت على نهج زمن مبارك حينما تراجعت عن اقوالها بشأن المقاطعة الشعبية، حيث تراجعت فيما بعد معلنة ان نسبة المشاركة بلغت أواصر 30٪ هو ما حدث مع إعلان النتائج .. الاعداد المذاعة لا تتماشى ابداً مع الإقبال الذي شاهده الجميع بمن فيهم إعلاميو السلطة.
ولا توجد أي قوى تزعم بأنها حققت فوزاً لافتاً باستثناء كتلتي الرئيس والمؤسسات الأمنية الملتفة حوله متجسدة في كتلتي : في حب مصر ، ومستقبل وطن.
«النور» يدفع ثمن الخيانة
وما زالت حالة الشماتة في صفوف الاسلاميين المناوئين للسلطة مستمرة لحزب النور بسبب هزيمته النكراء في الجولة الاولى وحتى اولئك المقربون من السلطة والمنضوون تحت لوائها من الاسلاميين وهم قلة أعلنوا فرحهم بالخزي الذي لحـــــق برجالات النـــور ومن هؤلاء الشيخ محمد سعيد رسلان الداعـــــية السلفي الذي طالب الدعوة السلفية إلى حل ذراعها السياسية، حزب النور، والعودة إلى المساجد والعمل الدعوي. وقال إن «على أهل الدعوة السلفية أن يحلوا حزب النور ويتبرأوا مما كان والعودة إلى شيوخهم وتطهير أنفسهم من الأفكار التكفيرية والإخوانية».
كما دعاهم «رسلان» لأن يخرجوا من عملية الانتخابات ويتوبوا إلى الله عما جرى، مشيرا إلى أنهم تسببوا فى أن تزاحم المرأة الرجال.
نهاية الحزب ذي المرجعية السلفية – سياسيا – بعد أدائه السيئ في الانتخابات باتت محل قناعة الكثيرين متهمين قيادات الحزب بالمسؤولية عن انهياره، بعد ان حرصوا على السير في ركاب معسكر 3 تموز / يوليو وتآمروا على الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي مما اسفر عن تدمير سمعة الحزب في الشارع ووصمه من قبل الاسلاميين ومن سواهم بالخائن وهو ما عجل بسقوط شعبيته بعد ان أصبح جزءاً من المكون القريب من النظام الحاكم فيما حل بينه وبين جميع الأحزاب الإسلامية عداء مطلق وكذلك الأمر في علاقته بالكنيسة اذ فشل في ان يقيم اواصر المحبة بين رجالها الذين اخذوا على عاتقهم تحذير الاقباط منه.
لكن وبرغم عزلته تلك فإن بعض الاحتمالات ترجح انه سيبقى مجرد كومبارس في خدمة النظام الذي يحتاج لمن يجمل صورته خاصة بين الاسلاميين ويرى معارضو «النور» ان دوره سيكون اشبه بدور»الواد سيد الشغال» في مسرحية عادل امام الشهيرة ذلك الدور الذي أحرق معه كثيراً من الاسماء التي كانت ترشحها الاقدار للعب ادوار قيادية ولكنها احترقت لقربها من السلطة.
سحر المال السياسي
ومن تجليات «الجولة الثانية» تعاظم سلاح المال السياسى للاستحواذ على الكتل الصوتيه وهذه المرة لم يكن بهدف شراء الاصوات فقط وانما عمل اصحابه لشراء الاعضاء الاكثر شعبية من اجل ضمان الفوز بأكبر عدد من المقاعد خاصة بعد ان بات النظام يميل لدعم بعض القوى من وراء ستار لضمان احكام قبضته على سدة البرلمان وفيما ظل هذا السلاح مزدهراً في زمن برلمانات مبارك الا انه كان مقتصراً على التأثير في الناخبين من خلال شراء اصواتهم إما بالمال أو بالزيت والسكر والسلع الغذائية إلا ان شراء المرشحين بدا حالة فريدة تكشف في مجملها ندرة الكوادر وعزوف الكثير من السياسيين عن المشاركة في المارثون الانتخابي بمن فيهم انصار في معسكر 3يوليو الذين استيقظوا على كوابيس بسبب تردي الأحوال الاقتصادية وجنوح سفينة النظام الوليد عن اهدافها المعلنة آنفاً..وفيما سعى فلول مبارك للاحتماء بأحزاب تاريخية بهدف غسل تاريخهم الملوث طيلة سنوات التحاقهم بالحزب الوطني المنحل سعى آخرون للتسلل لبعض الاحزاب الوليدة بهدف تبوؤ مقاعد الزعامة فيها.
وجنباً إلى جنب مع استخدام المال برز سلاح الشائعات والضرب تحت الحــــزام بين الاحزاب والقوى والمرشحين في عدد من الدوائر واضحاً ومن ابرز تلك الشواهد الحرب التي شنها حزب «المصريين الأحرار» ضد حزب «الوفد»، وقيامه بشراء عدد من مرشحي الحزب والدفع بهم فى الانتخابات.