مقال الكاتب الحريدي إسرائيل كوهين («الإرهاب العلماني لم يتوقف للحظة»، «هآرتس»، 27/6) هو مقال ملزم للقراءة من قبل كل من يهتم بإقصاء الأقليات والمختلفين الآخرين في المجتمع الإسرائيلي، فـ كوهين يحسن تمثيل الأسلوب المضلل لاستخدام قيم التسامح والانفتاح على «الآخر» من أجل فرض رؤية سياسية قمعية ترتكز جميعها على رفض الاختلاف ورفض الآخر في المجتمع الإسرائيلي، أسلوب سيخدم في المستقبل العديد من الجهات الدينية ـ الوطنية هنا، طالما يتبين لهم أنه بمساعدته يمكن التضليل بنجاعة لعدد من اتباع التنوع الثقافي، وربما حتى تجنيدهم للدفع بأجندة اجتماعية ـ ثقافية ضد التنوع بصورة واضحة.
يوجه كوهين انتقادًا شديدًا لمعارضي عقد احتفال «حباد» في ميدان رابين في تل أبيب، وهم يفصلون بين الرجال والنساء بذريعة أنهم مصابون بالنفاق المميز، حسب أقواله، لجهات علمانية وليبرالية في إسرائيل، ففي حين أنهم يلوحون بفخر بعلم التنور والمساواة والعدل فإنهم يقومون بطيه فورًا وبشكل سريع أمام مطالبة الأقلية الحريدية بحقها في تطبيق أسلوب مختلف لحياتها حسب معتقداتها الدينية. هذا بالنسبة لهم، بسبب الخشية الثقافية لليبراليين العلمانيين من «الآخر» الحريدي، الذي يثير الذعر و«يغضبهم ويثير سخطهم» بسبب تقاليده الدينية.
ولكن عرض الحريديين في الدولة القومية الإثنية ـ العرقية اليهودية كأقلية تجسد في شخصيتها «الآخر» المختلف، هو سلب للرأي، فكري وسياسي من الدرجة الأولى. من الواضح حقًا أنه من الناحية الاجتماعية ـ الثقافية يشكل الجمهور الحريدي في إسرائيل ـ مهما كان متنوعًا ومتعدد الوجوه ـ أقلية تختلف في نمط حياتها عن باقي المجتمع الإسرائيلي (المتنوع هو أيضًا). ولكن بالمعنى السياسي ـ السياسي العميق، طالما أن الأمر يتعلق ببنية أساسية في الواقع الوطني ـ المدني للدولة، فغن المكون الحريدي للمجتمع الإسرائيلي بعيد عن أن يكون «أقلية أخرى». بالعكس، الأقلية الحريدية وتسييس هويتها الجماعية تتماثل بصورة واضحة مع الدين المؤسسي السائد في إسرائيل ـ الديانة اليهودية بالصيغة الأرثوذكسية، الذي ينفي بشكل واضح «الآخر» ـ ،والذي في غياب الفصل بين الدين والدولة يشكل دون عائق سواء الواقع اليومي لمواطني الدولة اليهود (وغير اليهود)، أو الخصائص الثقافية والفكرية للوطنية السائدة في إسرائيل. هكذا، بكونهم الممثلين الأصيلين لدين الدولة في إسرائيل، فإن كل إنجاز ـ حتى لو كان صغيرًا جدًا لتسييس الحريديين الإسرائيليين، يلقي بظله سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على الصورة المدنية ـ القومية لدولة إسرائيل من خلال تقديم نوع من التعزيز لخصائصها الإثنودينية المقصية.
تجدر الإشارة إلى أن كوهين نفسه، وأحيانًا السياسيين الحريديين، يدرك جيدًا وجود علاقة غير منفصمة بين تسييس الهوية الحريدية والنضال من أجل الطابع الإثني ـ الديني اليهودي لإسرائيل. وفي سياق آخر، أظهر استقامة كبيرة من أجل الاعتراف بها وإلزامها بصورة علنية. هكذا، في فترة الأزمة حول أعمال البنى التحتية للقطار في يوم السبت، أكد كوهين أن هدف المشاركة الحريدية في السياسة الإسرائيلية لا تقتصر على الحفاظ على مصالح الجماعة الخاصة للجمهور الحريدي، بل تمس ليس أقل من ذلك بـ «طابع دولة إسرائيل»، القلق على طابع السبت بصورة علنية، وقوانين التهويد، والزواج حسب الشريعة، «تهويد العلمانيين» والأطفال الذين تم سبيهم» («هآرتس»، 3/9/ 2017). بكلمات أخرى، كخلاصة للنفاق الوقح للسياسة الحريدية، بيدٍ نحارب باسم التنوع الثقافي ضد التدخل العلماني في مناهج التعليم الحريدي، ومن أجل حق الحريديين في عدم الخدمة في الجيش لأسباب ضميرية دينية، وباليد الأخرى يشجعون التدخل المبتذل والفظ في نمط حياة الإسرائيليين العلمانيين.
على خلفية النفاق غير الخفي هذا للسلوك السياسي الحريدي، يجدر أن نسأل بجدية هل هناك مبرر للاتهام بالنفاق الذي يوجهه كوهين ضد العلمانيين والليبراليين؟ لا يوجد أي أساس للدعوى التي تصف العلمانيين الإسرائيليين كمن يخصصون مبادئ المساواة والانفتاح فقط لأبناء أمثالهم العلمانيين.
هذه فرية كاذبة، الحقيقة هي أن جوهر مفاهيم مثل «انفتاح على الآخر واحترامه» و«الحاجة إلى الاهتمام بالآخر» الذي يستخدمه كوهين من أجل تشجيع القيم الإثنوعرقية، الدينية للسياسة اليهودية الحريدية، استعارها كوهين من خزينة مفاهيم اليسار الليبرالي في أساسه، والانتقادي تجاه نفسه في جوهره، والتي يحب بها أن ينتقد في مقالاته. ذلك اليسار نفسه الذي يشير بحق إلى الفشل العميق للصهيونية العلمانية ذات النزعة المركزية الأوروبية، والتي لم تضم «الآخرين» المختلفين في الواقع المدني والثقافي للدولة. وفي الوقت نفسه، وبسذاجة تثير الشفقة يتخيل أحيانًا حلفًا سياسيًا بينه وبين مجموعات مناهضة للتعددية مثل الحريديين، في الطريق إلى تشكيل مجتمع أكثر تعددية وأكثر انفتاحًا.
قبل نحو خمس سنوات، عندما كان الجمهور الحريدي يشعر بضائقة إزاء قانون التجنيد الشعبوي لحزب يوجد مستقبل، طرحتُ هنا أمل لإمكانية ظهور سياسة حريدية جديدة: إذا كان زعماء الحريديين معنيين بالدفاع عن عالم المدارس الدينية وعن حقهم وحق طلابهم في مواصلة الحفاظ على نمط حياتهم الفريد، كتبت في حينه «عليهم الانضمام إلى الداعين إلى الديمقراطية متعددة الثقافات في إسرائيل… في النضال المدني ضد الهيمنة ذات الطابع المركزي العرقي العلماني ـ الديني ـ اليهودي، التي تلوح بعلم علماني ـ قومي أمام الحريديين من جهة، وبعلم ديني ـ قومي أمام العرب من جهة أخرى («هذا هو الوقت لسياسة حريدية جديدة»، هآرتس، 3/4/2013م). ولكن مثلما يثبت لنا كوهين في مقالاته، ومثلما تعلمنا كل يوم السياسة الحريدية ـ القومية القديمة، كان ذلك أمل عبثي. أجل بصورة طبيعية ومن خلال المنطق الداخلي الذي لا مناص منه، فإن سياسة الهوية الحريدية في إسرائيل تندمج في قلب المشروع القومي ـ الديني ما بعد العلماني وما بعد الصهيوني لليمين، الذي هدفه تحويل إسرائيل إلى دولة أكثر قومية وأكثر عنصرية من ناحية مدنية ـ سياسية، وإلى دولة أكثر دينية من ناحية اجتماعية ـ ثقافية. مقابل ذلك، على العلمانيين أن يوضحوا لكوهين وجمهور الحريديين دون مواربة: إن تعاطف الحريديين مع التطلع الشرعي للحريديين للحفاظ على هويتهم الجماعية المتميزة سيكون ممكنًا فقط بعد فصل الدين عن الدولة في إسرائيل. أو على الأقل مع المأسسة المأمولة للتنوع الديني في أوساط اليهودية الإسرائيلية، في الوقت الذي تكون فيه اليهودية الأرثوذكسية مجرد أحد التيارات الدينية في الدولة إلى جانب اليهودية الإصلاحية والمحافظة.
في هذه الأثناء ولأن كل انتصار صغير للحريديين في فرض القيم الدينية في الساحة العامة مثل إعطاء الشرعية للفصل بين الرجال والنساء في ميدان رابين، يشكل علامة فارقة في المشروع المستمر للتهويد الإثنوقومي للمجتمع الإسرائيلي، على الجمهور العلماني أن يعلن صراعًا غير متساهل ضد هذه التوجهات في كل ميدان، وفي كل حرم جامعي وفي كل رحلة للطيران.
هآرتس 9/7/2018