إنّ تدفق النفط بشكل سخي في الدّول النفطية قد مكّن عددا من هذه الأقطار من تجميع فوائض كبيرة تستثمرها في الدول الأكثر تقدما. ورغم الإستهلاك الترفي في هذه الأقطار فإنّها تحقّق معدلا مرتفعا للإدخار وفائضا في ميزان الدفوعات.
فهل أدّى ذلك إلى أن تصبح هذه الأقطار أقل تبعية من غيرها؟وهل استفادت من علاقاتها النفطية مع الدول المستهلكة للنفط في مجال التعجيل بعملية التنمية والحصول على التكنولوجيا المتطورة لأغراض التصنيع؟وهل توصلت عملية التنمية العربية في ظل تدفق النفط أن تأخذ أبعادها التاريخية فأرتفع تبعا لذلك-النفط العربي-إلى مستوى التحديات الإنمائية الأساسية التي تجابه الوطن العربي..؟
أم أنّ سوء توزيع الدخل القومي بين الأفراد والجماعات أثمر الرفاء والتحديث للقلة الموسرة والصفوة المميزة،بينما كان نصيب الجماهير الواسعة،البؤس وفتات الموائد وغدت بالتالي وحدها تتحمّل عبء الإنتاج والتنمية..؟
لقد ارتبط التاريخ الإقتصادي والسياسي للمنطقة العربية أساسا بالنفط،إذ كان للنفط أكبر الأثر في تشكيل معالم الخريطة الإقتصادية والسياسية للمنطقة العربية وربط مشكلات التنمية العربية ربطا وثيقا بالتطورات الإقتصادية العلمية،وقد ظلّ قطاع النفط منفصلا عن مجرى عملية التنمية في الأقطار العربية النفطية حتى منتصف الخمسينات حيث كانت عمليات الإستكشاف والإنتاج النفطي تجرى وفقا لأهداف ومخططات الشركات النفطية الكبرى وقد نجحت-هذه الأخيرة-في الحصول على إمتيازات عدة مقابل التنقيب على النفط في الأراضي العربية..
والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:
هل تغيرت اليوم طرائق الإستثمارات النفطية بما يخدم مصالح هذه الأمة ويصحّح مسارها التاريخي؟..وهل نجحت عملية التنمية العربية بفضل عائدات النفط في الإرتقاء إلى مستوى التحديات التي يمليها العصر؟..
إنّ عددا من الأقطار النفطية قد نجح في تجميع فوائض كثيرة تستثمر في الدول المتقدمة،غير أنها لا تعتمد إعتمادا كليا على المعرفة الفنية للدول الصناعية وحسب،بل أنها علاوة على ذلك تجد الأمان بالنسبة لإستثماراتها لدى الشركات الدولية النشاط أو بإستثمار أموالها في أسواق رأس المال لدى الدول المتقدمة،وكلما دعت الحاجة أن تستثمر هذه الأقطار النفطية في دول العالم الثالث فإنّ ذلك لا يتم في معظم الحالات إلا عبر وساطة المؤسسات المالية الدولية إيمانا منها أنّ مثل هذه المشاركة تؤمّن لها استثماراتها بما لا تستطيع هذه الأقطار أن تحققه بذاتها..
وهنا أضيف:إنّ عددا من هذه الأقطار هو من الصغر بما قد يصعب عليها بناء صناعة متوازنة داخل حدودها القطرية أو الإعتماد أساسا على السوق الداخلي للطلب على صناعاتها،إلا أنّ اسهام هذه الشركات الدولية النشاط في تنمية البلاد يجعلها تتخذ دور التابع للرأسمالية الدولية..
وهنا أختم: إنّ الأقطار العربية التي تتمتّع بفوائض مالية كبيرة مردها النفط،ورغم الإستهلاك الترفي الذي يسودها بإمكانها توظيف فوائضها في التنمية العربية والمساهمة في بناء سوق عربي موحّد ومتكامل يمكن لأقطارها النمو في إطاره،كما أنها بإمكانها إنتهاج طريق يحقّق لها تنفيذ خطط إقتصادية تمكنها من تحقيق معدّل عال ومستمر من التنمية وتصبح تبعا لذلك الأقطار غير النفطية تجني فوائد من تدفق الموارد إليها من الأقطار العربية ذات الفائض..غير أنّ قرار إبقاء النفط تحت الأرض أو ضخه واستخدام ثروته هو قرار سياسي من الدرجة الأولى،وأي منحى لهذا
القرار يكون غير ذي فائدة إذ لم تؤازره وجهة نظر وطنية لها معالمها الواضحة وتصبو لإتخاذ القرار المناسب الذي يخدم أهداف ومصالح الأمة العربية وشعوب العالم الثالث، اليوم وفي المدى المنظور..
محمد المحسن