يشكل الخليج نقطة استراتيجية عالمية، لاعتبارات كثيرة، كالطاقة الموجودة في المنطقة ولموقعه الجيواستراتيجي، وهو الربط بين قارة آسيا وأوروبا وأفريقيا.
كل هذه المؤهلات دفعت القوى العالمية المتمثلة بالولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الاوروبية (فرنسا، الملكة المتحدة، المانيا) ان توجد في هذه البقعة من الارض، لاعتبارات استراتيجية، فلكل دولة من هذه الدول اهدافها واستراتيجيتها الخاصة، التي تسعى من أجل الحصول على نفوذ وسيطرة في المنطقة. وبطبيعة الحال فإن العالم اليوم يعاني خللا في النظام السياسي الدولي، بسبب التراجع الامريكي في العالم، وهو ما انعكس على أمن المنطقة نتيجة تزاحم استراتيجيات هذه القوى وتضاربها في منطقة حساسة من العالم، وبالتالي بات من الضروري تسليط الضوء على استراتيجيات هذه القوى، من أجل معرفة آثارها على أمن الخليج الذي يعاني من ارهاصات ذاتية ايضاً.
فالولايات المتحدة الامريكية، على وجه الخصوص، تعد القوة المتنفذة في الخليج، لاعتبارات استراتيجية تتمثل بالهيمنة على مناطق تمركز الطاقة، الذي يتيح لها إمكانية التلاعب بالقوى المعادية لها، فالاستراتيجية الامريكية تفاوتت بين الهيمنة العسكرية في الخليج والوجود السياسي الاستراتيجي المتمثل بقوة الرد لأي قوى تنافسها فيها، إذ تشكل الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الخليج محورا رئيسيا لإدارة أمن المنطقة واستقرارها، على خلفية أنها تشكل القوى الابرز في العالم، فالإدارات الأمريكية على مختلف توجهاتها تؤمن بأهمية الخليج الاستراتيجية، وضرورة تكثيف الحضور الامريكي فيها، من خلال الوجود العسكري المباشر، أو من خلال التحالفات الامنية أو من من خلال الوجود الاقتصادي، أو النفوذ السياسي والدبلوماسي المهيمن، وفي الفترة الأخيرة نلاحظ أن الاستراتيجية الامريكية باتت الوسائل الدبلوماسية فيها أكثر حضوراً في المنطقة، وعمدت إلى تبني استراتيجية الهيمنة بالوكالة، من خلال تفعيل دور القوى الاقليمية الموالية لها، فانعكس هذا على استقرار المنطقة وأدى إلى المزيد من التوترات والصراعات بالوكالة. فروسيا تحاول أن تجعل لها موطئ قدم في المنطقة، مزاحمة بذلك الولايات المتحدة. فتحاول روسيا ان تثبت حضورها في المنطقة من خلال دعم حلفائها ليتيح لها ذلك إمكانية المناورة والنفوذ، فالاستراتيجية الروسية في الخليج تبنى على أساس مزاحمة الاستراتيجية الامريكية فيها، فهي تحاول ان تمتد إلى مناطق تمركز الطاقة والسيطرة على الممرات المائية، التي تعد الطريق الاستراتيجي لتدفق النفط للأسواق العالمية، فشكل الاندفاع الروسي الى المنطقة نشوب صراعات اقليمية بالوكالة، ما أدى إلى تحول هذه المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين هذه القوى.
أما الحضور الصيني فيأتي باستراتيجية ترتكز على المقومات الاقتصادية الاستثمارية، من خلال التركيز على الاستثمارات في مجال الطاقة، الذي يتيح لها ان تلبي احتياجاتها من الطاقة التي تمتلكها المنطقة، فالاستراتيجية الصينية تركز على الوسائل الدبلوماسية الناعمة، وتكثيف حضورها السياسي من خلال دعم الحلفاء الاقليميين (سوريا وايران) بصورة غير مباشرة، ما يتيح لها امكانية المناورة وتلافي الاصطدام بالقوى الإقليمية والعالمية في المنطقة، فالصين تحاول ان تبني سياسة تعتمد على المصلحة الاقتصادية المشتركة.
أما الحضور الاوروبي فجاء من خلال (فرنسا، المملكة المتحدة، المانيا) التي تبنت استراتيجيات متخلفة ومتباينة في ما بينها، وكما هو معروف أن القوى الاوروبية مختلفة في الآراء والتوجهات في اوروبا وخارجها، إلا أن وجودها في الخليج جاء من خلال الحضور الاقتصادي والتحالفات الامنية بينها وبين بعض دول مجلس التعاون، ونتيجة لتقهقر الحضور الامريكي في المنطقة اخذت اوروبا بالتمدد، ويمكن وصف هذا التمدد بالاستراتيجي ذي البعد الاقتصادي والسياسي.
ومن جانب آخر تشهد منطقة الخليج حضورا اقليميا لبعض القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة على الساحة الدولية، فإيران هي القوة المتنفذة في الخليج، التي يشكل طموحها الاقليمي هاجسا امنيا لبعض القوى الخليجية والمتمثل بدول مجلس التعاون، إذ تحاول ايران ان توسع برنامجها النووي من اجل افساح المجال للمناورة الاستراتيجية والحصول على بعض مرتكزات القوة، المتمثلة بالقوة الناعمة والحضور الفعال في المنطقة من اجل بسط نفوذها الاقليمي.
وتأتي إيران على رأس القوى الإقليمية المتنفذة في الخليج والمنطقة، فالاستراتيجية الايرانية ذات طابع توسعي، تأخذ من سياسة المواجهة محوراً لها، هذه الاستراتيجية جاءت بعد الاخلال بميزان القــــوى العســـكري في المنطقة نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحل الجيش العراقي، ونتيجة لهذا الفراغ الاستراتيجي عمدت ايران إلى التوسع في العراق والمنطـقة، ونتيجة للاستراتيجية الامريكية التي تركزت على شرق آسيا واحتواء الصين نتج عنها اتساع في النفوذ الايراني في الخليج، أدى بالمنطقة إلى ان تنزلق بالمزيد من الصراعات الاقليمية بين القوى المختلفة.
كما ان النفوذ التركي في الخليج اتسعت رقعته من خلال تحالفه مع بعض القوى الخليجية، فضلاً عن حضوره الاقتصادي والسياسي، الذي يتمثل بالاستثمارات والصادرات التركية الى دول الخليج والمنطقة، إضافة إلى النفوذ السياسي المتمثل بدعم جماعة الاخوان المسلمين، التي تمثل حضوراً قويا في المنطقة والخليج، وبالتالي يمكن وصف الاستراتيجية التركية بأنها بمثابة ملء فراغ استراتيجي، بعد خروج العراق من المعادلة الاستراتيجية ولصد التمدد الايراني في المنطقة.
أما الدور السعودي في الخليج فيمكن وصفه بالدور المتصاعد، فاستراتيجيتها ترتكز على صد المد الايراني نحو الخليج والمنطقة، فتعمد السعودية إلى حلفائها الإقليميين، الذين يقع على عاتقهم الوقوف في وجه التمدد الايراني، كما تواجه السعودية التمدد التركي في المنطقة، من خلال محاربة جماعة الاخوان المسلمين والإطاحة بهم في دول المنطقة، وبالتالي فإن الاستراتيجية عمدت إلى الاتجاه نحو القوة لمواجهة التهديد الايراني لها، من خلال عمليات «عاصفة الحزم» في اليمن للحيلولة دون سيطرة الحوثيين الموالين لايران، وهو ما يهدد الخاصرة الخلفية لأمن السعودية، كما تعمد اليوم إلى الاعتماد على حلفائها في مجلس التعاون، ومن الدول العربية وباكستان لمواجهة ايران في المنطقة.
اما القوى المؤثرة الاخرى في المنطقة فتتمثل بقطر، فالاستراتيجية القطرية الصاعدة اليوم تقوم بدور كبير جداً وحساس نظراً لقدرتها على التأثير والتغير في الوقت نفسه اذ تعتمد إلى وسائل القوة الناعمة والقوة الاقتصادية فضلاً عن قوتها الاعلامية المؤثرة في المنطقة، ما سمح لها ان تقوم بدور كبير في الخليج والمنطقة، فاليوم قطر تدعم جماعة الاخوان المسلمين، من خلال بناء تحالف مع تركيا التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية والمتمثل بالتيار التركي للإخوان المسلمين، وبالتالي فإن تركيا وقطر تمثلان قوة اقليمية مؤثرة في الخليج.
أما اسرائيل فتمثل قــــوة نووية مؤثرة بأسلوب غير مرئي، فإسرائيل كما هو معــــروف كيان غريـــب عن المنطقة وبطبيعة الحال تمتلك إعلاما ولغة مختلفة عن المنطقة، وهو ما يعطيها خاصية أن تلعب دورا كبيرا مؤثرا في المنطقة ولكن بصيغة غير علنية للجميع (عامة الناس) فهي تمتلك علاقة مع كثير من الحكومات المحيطة بها بوسائل سرية، ما جعلها تلعب دورا كبيرا ومؤثرا في الخليج والمنطقة.
وأخيراً يمكن القول إن منطقة الخليج اليوم تعاني من تناقضات أمنية كبيرة تتقدمها معضلة توتر العلاقات بين القوى الفاعلة في المنطقة، فالتوترات الأمنية المحيطة بمنطقة الخليج خطيرة، يمكن في أي لحظة ان تنتقل وتمتد الى دول الجوار، فالحرب الاقليمية الباردة في ذروتها بين السعودية وحلفائها وايران وحلفائها، والقوى العالمية لها دور مؤثر في أمن الخليج والمنطقة، والتكتلات الدولية انعكست سلباً على أمن المنطقة وغذت الصراعات الاقليمية، كما انها تحاول ان تدفع صراعاتها (القوى العالمية) الى دول المنطقة والخليج، ما يتيح لها ان تصفي حساباتها على اراضيها، هناك الصراع السعودي الايراني والبرنامج النووي الايراني والصراعات الحدودية والازمات الامنية الاقليمية في المنطقة كل هذه المؤثرات انعكست سلباً على أمن الخليج والمنطقة.
٭ باحث عراقي مستقل ومتخصص في الشؤون الدولية
علي زياد