النقد المنزوع الفكر والمسؤولية السّالبة

حجم الخط
2

■ يكتسب النقد أهميته من كونه ممارسة عقلية مفارقة للعبثي أو المجاني، فالنقد قيمة تنطوي على أهداف عليا، أهمها إنتاج الأفكار في طيف الممارسة الإبداعية، أو الخطاب عامة، وبهذا، فإن النقد ليس سوى إعادة إنتاج أو توليد للأفكار القائمة على آليات ذات بعد جدلي، في تكوين مفاصل تحول في السلوك الإنساني، بحيث لا يبقى النقد على هامش الثقافة، بوصفه فعلاً منكفئاً يسعى لأن يمارس مراهقة الأبحاث، التي لا تتجاوز قيمتها الورق الذي تُطبع عليه، وفي أحسن الأحيان الشخص الذي يقرؤها بهدف تحكيمها، أو قراءتها بمحض الصدفة.
هذا التحول في الممارسة النقدية – منزوعة الفكر – نتاج عقود من ثقافة المؤسسة المناهضة للفكر، وبناء عليه، فإننا لا نجد بين ظهرانينا أي ممارسة معرفية نقدية حقيقية، كوننا لم نتمكن من تحديد خياراتنا الفكرية والمعرفية، بين اجتراح سنة معرفية حقيقية، أو الدعوة إلى قطيعة معرفية، فسعينا إلى تلفيق نقد حداثي اللغة، رجعي الأفكار، ومع أن الموروث قد احتفي بقيمته في حدود زمانه، وانسلّ من التاريخ، في حين أن قيمنا الجديدة أمست لا تتسق مع هذا النظام المعرفي القديم، ولاسيما مع بروز أفكار جديدة، خلخلت بنى المسلمات، بدءا من قوانين الجاذبية، ومركزية الشمس، ودوران الأرض، كما عبرت عنها مسرحية غاليلو لبريخت، الذي بدا رثاء أو هجاء للقيم التي تحاصر العقل، ومحورية العلوم.
ما سبق، يدفعني إلى استدعاء أفكار جورج كانغيلام، الذي أحدث شرخاً في المنظور الذي يرى أن الماضي يعد سلفاً للحاضر، وهذا يترجم من ناحية معرفية حيث ساد رأي بأن العلوم التي استقرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر قد أصبحت أساسا للعلوم في القرنين التاسع عشر والعشرين، غير أن هذا ينطوي على مغالطة حقيقية ـ من وجهة نظر كانغيلام- كونه لا يمكن أن يكون الحاضر قيمة ثابتة، بل هو قيمة متغيرة لا مستقرة، فبعض الاكتشافات بدت في زمنها ضئيلة، غير أنها في زمن آخر بدت مركزية، وذات تأثير، وبناء عليه، فليس هناك من صلاحية للعلوم، فهي سرعان ما تنتج أبعاد أخرى؛ ما يعني حلقات من الاتصال أو الانقطاع، وبهذا لا يمكن أن يبقى العلم في تكوينه الثابت؛ إذ ينبغي النظر إلى القيمة المعرفية، وهنا أتحدث بالتحديد عن الممارسة النقدية بطيفها الواسع، فهي في الحالة العربية تبدو عقيمة، لا منتجة بحيث أنها لا تصنع تأثيراً إنما هي مراوحة في المكان نفسه. فالنقد الأدبي في العالم العربي، على سبيل المثال، توهّج مع تصاعد المناهج الألسنية، غير أنه بقي في حدود الفهم القديم للنقد، وأعني المنظور الشكلي الكلاسيكي لمتعالية الفن، باستثناء أنها بدت في شكلها أقرب إلى المعاصرة، فقد اكتسبت مفاهيم جاذبة في ضوء التيارات والتنظيرات الغربية، التي فعّلت نماذج من المقارنة، والنقد سعى إليها النقد العربي عبر محاولة اكتشاف عناصر أو مظاهر الأصالة والمعاصرة في بنى الخطاب، وما يمكن أن ينطوي عليه من آفاق حداثية شكلانية، ومع أن البنيوية، تنطوي في عمقها على مكون أيديولوجي- في نشوئها- لا بوصفها محاولة تفسير الأشياء، إنما بوصفها محاولة لإزاحة الأفكار أو الأيديولوجيات غير المرغوب فيها، فقد أجهزت على الإنسان كي تشكك في عالم بدا فاقدا لجوهره، فهي صورة لمكون فكري، أيديولوجي، وليست آلية بحث وكتابة، بيد أن النقد العربي انساق موغلاً في ممارسات نقدية ظاهرية الحداثة، غير أنها معطلة فكرياً، وهذا يُعلل بأن الأفكار في عقول الباحثين بدت مضطربة، وطبعا هذا لا يعني تعميماً مطلقاً، فقد سعى البعض لتبني الأفكار، غير أن السّمة العامة للمجمل بدت ممارسة على هامش الأفكار، وهذا نتج استجابة لضغوط منظومة سلطوية من الديكتاتوريات المتعاقبة التي لم تحكم فقط الشعوب، إنما قيدت الأفكار، وفي معظم الأحيان بدا النقد المنزوع الفكر وسيلة للبعض كي يندرج في نظام المؤسسة التي تتحكم في كافة مفاصل البنى الاقتصادية والثقافية، فلم يسعَ النقاد، ولا المفكرون إلى محاولة تغيير البنى العقلية، إنما هربوا إلى خطابات وأنساق مجردة لا تكترث إلا بأوهام البنية، وجاذبية المصطلح، ونواتج الفعل الأسلوبي ظناً منهم بأنهم يقيمون قراءة لواقع نقدي للأدب، والفن، والثقافة عامة في ضوء التيارات المعاصرة، غير أنهم كانوا أيضاً يعبرون عن فراغ فكري، وعقم في إنتاج الأفكار التي قد تقود إلى تحرر الإنسان مما يتعرض له من استلاب ثقافي واقتصادي واجتماعي، وإذا ما نظرنا إحصائياً إلى الرسائل والأطروحات العلمية فسنجد أن أكثر من 80٪ منها يندرج في هذا الإطار الشكلاني، ما يعني أن معظم الباحثين كانوا يتهربون من الأفكار. لقد أنتجت سنوات طويلة من الثقافة والبحث المفرغ تعطيل العقول، والأخطر من ذلك وهما بأن ممارستنا ثقافية علمية، ولكنه كان ظاهرة مؤسساتية ثقافية بلا مخالب.
المتأمل في نواتج النقد العربي على مستوى الخطاب، سيلحظ مقدار الكتب التي لا تقدم شيئا سوى معالجة بلاغية وأسلوبية لا تتصل بأي قيمة لأمة تعاني من أقسى درجات التراجع على كافة المستويات، وهذا ينسحب على الواقع الأكاديمي والمجلات العلمية التي تبدو خالية من الفكر، فضلاً عن محاولة لاستنهاض العقل من سباته، وإذا ما سعت مجموعة أو أفراد إلى محاولة تقديم نقد ينطوي على أفكار فإنها سرعان ما تُقصى. هذا الفعل من الحصار لا يقتصر على المستوى الرسمي من قبل السلطة بأذرعها الإعلامية والثقافة، ووزاراتها التي تدرك أن الأفكار يمكن أن تهدد وجودها، وهذا يتصل بطريقة أو بأخرى بالبنية العميقة للتعليم الذي لم يتطور، فهو ما زال معنياً بظواهر التاريخ الماضوية، ونبذ أي محاولات لتعميق المكون العقلي بوصفه رائداً للتحول.
ولعل المفارقة تكمن في مفهوم البحث، فعلى الرغم من أن الكتاب والباحثين يضعون في بحوثهم مشكلة البحث وأهدافه، غير أن ما يقومون به ما هو إلا مسوغات للبحث لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، أو غاية سوى تقديم ثرثرة مجانية عن الشكل والأسلوب والتقنيات، ومع أن هذا أمر جائز ومشرعن، غير ذلك ينبغي أن يتصل بمرجعية ثقافية، أو بالسياقات التي صاغت وعياً لا يقدم أي قيمة سوى محاولة الادعاء بأن هذا النص يندرج في تمثيلات الأجناس الأدبية. لا شك في أننا ما زلنا قائمين في وعينا النقدي الذي لم يغادر تحكيم «أم جندب» وموازنتها بين علقمة وامرئ القيس كما درست في المدارس، ومن ثم في الجامعات، وما زالت تحكم عقلنا النقدي، وكأن ثمة نسقاً مستمراً ينظر إلى النقد بوصفه مفهوما سكونياً، لا باعتباره قيمة لم تتغير، العلمية برمتها تعرضت للتحديث في المفردات لا في الممارسة، ولنتأمل بعض النتاجات البحثية المعاصرة التي ليس لها من جاذبية سوى عنوانها الغامض والحداثي، في حين أنها خالية من مخاطبة للعقل، وتكوين الفكر. وبناء عليه، بات الفكر في حالة سكونية لا تتقدم، فهو يخضع لمعان تتصل بالكيفية، لا بالأثر، وهنا أستدعي مقولة جون ليشته بخصوص كيفية تكوّن التيارات والمناهج النقدية التي بنيت على فهم جديد لقراءة الماضي الذي يتعرض للتغير تبعاً لتجربة، وخبرة الحاضر، وهذا يفسر بأن معظم التيارات النقدية التي شاعت في الغرب كانت تنطلق من فهم للظواهر الاجتماعية في تقاطعها مع السياقات، أي أنها لم تكن غايات بحد ذاتها، فالمقاربة اللغوية التي شاعت في الغرب بحثاً عن تحقيق أدبية الأدب، أو الوصول إلى علم الأدب- على سبيل المثال – كانت تنطلق من الرغبة بنبذ الأيديولوجيات بعد حربين عالميتين، والبحث عن صيغة يقينية لفهم الأدب، بوصفها فعلاً نسقياً لا يتعرض لعوامل خارجية، وعليه فإنه يمكن أن نتمثله في ظل صراعات تطال النزعات الفردية والإنسانوية والنزعات المجتمعية الناقدة ممثلة بتيارات ماركسية، وتاريخية، ومدرسة فرانكفورت، وغيرها، أي أنها في المحصلة تفسيرات ورؤى تشتبك مع مكون فكري عميق، لا غايات بذاتها، غير أن التلقي العربي لهذه التيارات، لم ينتج أفكارا؛ لأنه تعامل معها بصورتها السكونية، لا الدينامية، بل إنها في معظم الأحيان غرقت في التّصور اللغوي الذي بدا لها نموذجاً أو خروجاً عن الاشتغال بالأفكار، فهذه المقاربة على الرغم من أنها كانت موقفاً فكرياً إلا أنها في النقد العربي بدت حلاً للتحرر من الأفكار والانهماك بدراسات وأبحاث لم تحدث وعياً في العقل العربي الذي بدا في تبنيه للنموذج اللغوي، أقرب إلى ممارسة هوس كامن في الماضي، فمن السهولة بمكان أن تتبع البنى والأنساق والتقابلات والتكرار، وغير ذلك بعيداً عن أي إرهاص فكري.
لا شك في أن معظم التيارات النقدية والفكرية الأخرى بقيت في النقد العربي على الهامش كونها تتصل بالفكر، ومنه النقد النفسي والاجتماعي والماركسي والثقافي والنسوي، والحداثة، وما بعدها وغير ذلك، على الرغم من بعض الأعمال التي حاولت أن تمسّ هذه التيارات بطريقة أو بأخرى، غير أن النقد اللغوي كان الأكثر تأثيراً وحسماً في خريطة النقد العربي في العقود الأخيرة، وما زال يشكل القيمة الأكبر في المنجز النقدي العربي، الذي لا يمتلك الكثير من الفكر بمقدار ما يمتلك الكثير من ممارسات أكاديمية تتقصى الأدب بلا أي مسؤولية فكرية، يمكن أن تنتج عن هذا الاكتناه النقدي، فلا أحد يمتلك وجهة فكرية، وبالتحديد تلك التي تأتي من لدن المؤسسة الرسمية، وبهذا فإن ثمة نأياً عن أي تقاطع مع الفكر، فضلاً عن رغبة في عدم المواجهة مع الأفكار المنجزة، والمصممة بعناية، كونها منجزة في موروث ثقافي قائم، ونموذج سلطوي يمتلك زمام العقل الذي غاب عن الفعل النقدي.

٭ كاتب فلسطيني ـ أردني

النقد المنزوع الفكر والمسؤولية السّالبة

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية