لقد كانت أزمة السلطة في الجزائر، وهي نموذج لتجارب بقية الدولة العربية القطرية بُعيد الاستقلال، أخطر من كونها أزمة صراع شللي أو شرعياتي، بل ظلت أزمة تركيبة للوعي بالوجود الوطني ككل.
إذ بالإضافة إلى أنها تسببت في حالة من الاغتراب المبدئي أفضت أيضا إلى حالة من الاغتراب على مستوى استيعاب المسألة «الوطنية»، مفهوما وشعورا في بعدها التأسيسي التاريخي الأول، ولكون الوعي الوطني نهض معوجا في الضمير والوجدان العامين، حين جمع في سلة واحدة ثلاثية المفاهيم المركبة، الوطن والدولة والسلطة، ما تسبب في القطيعة الأزلية بين النخب وهاته السلطة، بوصفها مرتكز الأزمة التي انتهجتها النخب، فألفى الجميع نفسه أمام قطيعة معرفية مع تاريخ الوطن، في حالة انفصام وانفصال رهيبين بين الجزائري وثورته. وراح كل ذي فكرة يقرأ فترة الاستعمار لا بواقع الحركة الوطنية التي عاشته، بل بخلفيته الفكرية والأيديولوجية، فالإسلامي يراها دينية إسلامية، والشيوعي يراها اشتراكية شيوعية، وهكذا..
ما الاغتراب السياسي؟
ليس الاغتراب السياسي الذي نعنيه بوصفه حالة التيه وضياع المعالم في الخضم المترابط والمتشابك ظرفيا ومبدئيا، يخص الإسلاميين وحدهم، بل هو شامل لكل التوجهات التي تشكل المشهد السياسي الجزائري، إذ لا أحد استلم، سلما أو حربا، المجتمع من حضن سلطة الدولة القطرية ذات المشروع الوطني التلفيقي، فلا الشيوعي «شيع» البلاد، ولا البربري «بربرها» ولا الليبرالي «لبرلها» واستمر المشروع التلفيقي الناهل من كل الأحواض جزاء من مرجعيته يهيمن على الدولة والمجتمع، بيد أن ناشطي الحركة الإسلامية، الذين عرفوا في غير ما قطر براديكالية مطلبهم السياسي، الذي يرنو في تمدداته وتطلعاته وارتجاعته التاريخية إلى ما هو أبعد من حدود السقف الوطني، عبر كامل مستويات الشعور والمشاعر المكانية منها والزمانية والانتمائية حتى. ما جعله محل استرابة دائمة ورفض خطابي وعملي من شركاء المسألة الوطنية.
والتجربة الجزائرية في محاولة نزع احتكار الوعي والممارسة للسلطة نهاية ثمانينيات القرن الماضي، تظل رائدة على المستوى التوقيتي والإجرائي، كونها رسمت بحق المدى المقصود وغير المحدود في أحلام الاسلاميين في مقابل درجة الرفض لتلك الأحلام التي بلغت حد التمرد على الديمقراطية وآلياتها، وإلغاء مسار انتخابي بأكمله، كلف البلاد أنهارا من الدماء والدموع وجروحا قد لا تندمل مطلقا هذا بدون نسيان الحجم الهائل من الدمار الاقتصادي الذي أعاد البلد سنوات إلى الوراء.
ربما كان اغتراب المعارضة في الجزائر نتيجة تجربة القطر السياسية، وذلك بسبب حالة العسر الكلي في التحول السياسي الجيلي المثقل بحسابات الماضي، وتبعات البناء غير السليم لبيت السلطة في باحة المجتمع الكبرى، وهذا منذ أيام الحركة الوطنية، وبسبب طغيان السلطة على الدولة والمجتمع واستدامتها في فرض إرادتها في تشكيلهما وفق مصالحها وليس العكس، كما تقتضيه طبيعة الأشياء أي أن تتطور السلطة وفق تطور المجتمع وعيا وسلوكا، فقد انفرط عقد معالم العمل السياسي وتكسرت تراتبيتها وأبجدياتها، ولم يعد أحد يدرك حقيقة مجرى ومسرى العملية السياسية في الجزائر، هل هي صراع على السلطة، أم صراع نماذج، أم حساب شللي فكري أم حساب جيلي، ما كره الناس في السياسة والسياسي، الأمر الذي صب في صالح صانع القرار بالبلاد الظاهر منه والخفي.
ضعف البنى الفكرية
لا تختلف الظاهرة الإسلاموية في الجزائر عنها في باقي البلدان، من حيث سمات المنشأ وغاية التأسيس، فهي كانت ظاهرة احتماء وحماية للأصول الثقافية والاجتماعية، في مواجهة آلة التغريب التي واكبت حركة الاستعمار المباشر العالمية، وعليه كان جهد جل الانبعاثيين الإسلاميين الأوائل منصـــبا على إثبات الذات المستقلة، وفق نــــتاج ثقافي تراثي يعاد استنباته في أرض مغروزة ومزروعة بشتى ألغام التاريخ، لكن خطاب التجديد الــــذي انبرت لترديـــده عدة أصوات، كان ينحصـــــر في إعادة قراء التراث والسرديات القديمة بخــــيال الحاضر، ولم يمتد الجهد في عمق مراميه إلى حـــقل التأسيـــس الفكري، ما أبقى على أسئلة التاريخ الكبرى التي صنعتها الحداثة جاثمة على صدر هذا التيار، خطابا وممارسة، وأبقاه بالتالي مشروعا خطابيا أيديولوجيا أكثر منه مشروعا عمليا، يمكن أن تنحت من أشيائه برامج موضوعية.
وحتى مع بروز بعض المفكرين الكبار ممن ازدوجت محاور اشتغالهم الحقلي في الفكر الاسلامي، فانغمسوا في جدال الحاضر بما هو حاضر، وارتجعوا للماضي بما هو ماض دونما سعي لاستحضاره أو إعادة إنتاجه، غصبا عن شرطية التاريخ كمالك بن نبي، لم يفلحوا في مراميهم كثيرا بسبب طغيان الاسترابة من الحاضر متولدة تلقائيا من هيمنة روح الماضي في نفوس وعقول دعاة الأصالة، في العجز الكبير عن إنتاج انتلجنسيا جديدة مجددة، ذلك لأن مفهوم التجديد ذاته تم ربطه بالقاعدة التراثية الغيبية المترسخة في عقول أهلها، على شاكلة ما حدث في الماضي كحالة غيبية شأنها شأن المهدي المنتظر، وليس بالتالي يحدث التجديد عن طريق تراكم معرفي وسجال وجدال مع صناع التاريخ فكريا وثقافيا، ما ينجم عنه إنتاج مفهومي يقابل ما ينتجه الآخر في المشهد الإنساني.
الرزية الإستراتيجية!
أكثر من ذلك غيب الإسلاميون الفكر الاستراتيجي الحديث على صعده الكاملة، واستعاضوا عنه باستراتيجية الانتظام الحركي في انغلاق للذات الحركية نابعة من تأويل تراثي لمنهجية العمل الجماعي بحسبانه الأنسب، بل والأصح لدى بعض متطرفيهم وفق الحكم التراثي المحدد لخصائص «الفرقة الناجية»، الأمر جعل الطاعة الهرمية التنظيمية تسيطر على الجميع ليستبد بعضهم بالآخر، وتحدث أزمة سلطة داخلية ومستديمة ومركبة هي الأخرى وفق معطيات جيلية، شللية، مصلحية، ولم يمنعهم ذلك كله من ترديد مطلب الكرسي كي يقدموا نموذجا للحكم يمكنهم، حسب زعمهم، من نشر العدل، ومواجهة طغيان رجال المال، وبقايا الاستعمار في الداخل، حتى إذا ما وصلوا إلى الحكم أو اشتركوا فيه، لم يجدوا ما يمكنهم من الإفلات من استراتيجيات وتخطيطات الاحتواء التي أعدت لهم فقدموا نموذجا للإخفاق فاجأ كل من سبق واعتقد فيهم الحنكة وبعد النظر.
التمثل التأويلي للقطرية
إن الاستماتة والاستدامة في الرفض المضمر والصريح لمحدثات التاريخ باعتبارها مبتدعا مناوئا للخصوصية الحضارية ذات الخلفية العقائدية، ومنها الشاكلة الوطنية في التعايش الجمعي بمعناها القطري، نتيجة للاستبداد التراثي في التعاطي مع وجود عابر بوعيه للأزمنة والأمكنة، عسّر من قدرة هؤلاء الإسلاميين عملية اندراجهم وقبلها استيعابهم للمسألة القطرية، في الجزائر يقفز الإسلاميون في قراءاتهم للحالة القطرية بوصفها من محدثات الحداثة الجيو بولتيكية والتي كان للحركة الاستعمار، فكرا وإجراء، أثره فيها في ظل الغيبوبة التاريخية الطويلة للإسلام عن صناعة التاريخ، يقفزون على مسارات انبلاج هذا المعطى الذاتي، ويستأنسون بتأويلية مشوهة لتاريخ القطرية، من خلال التركيز على نص بيان الفتح من أن المبادئ الإسلامية هي المرجعية المؤسسة للقطر، رغم عدم اعتراف جلهم على الأقل بالقطرية بحسبانها بديلا غير شرعي للأممية الإسلامية أي الخلافة، كل ذلك يعكس مدى تغرب هذا الاتجاه في التاريخ وبالتالي تغربه القطري، وعدم قدرته بخلفيته التراثية على الاندراج في الشأن الوطني، سياسيا وعضويا، طالما أن وعيه بالوطن ليس وطنيا وقناعته بالقطر ليست قطرية.
الميراث الشعبوي
حالة الإخفاق في الاندراج الوطني نتيجة التمثل التأويلي للنصوص القديمة المؤسسة للهوية وفق المشروطية التاريخية في ذلك الابان، وعدم القدرة على استحضار مشروع وطني يسهم كما مر بنا في استحضار برنامج سياسي موضوعي، جعل هذا التيار يحاكي السلطة في خطاب تجربتها وتجربتها الخطابية، بعيد الاستقلال وتأسيس الدولة القطرية، وهي التجربة التي قامت مثلما ذكرنا على مشروع تلفيقي، يستند إلى خطابية شعبوية وشعبية في ممارسة السياسية والتنموية للبلاد، فالإسلاميون هم أيضا أظهروا ضعفا في تجاوز مأزق الفراغ المشروعي للسلطة الاستقلالية، وهي بالمناسبة مأزق جل بل كل النظم العربية وبعض النظم في الدول الإسلامية، فاستعاض هم الآخرون بأسلوب بذات الأسلوب في ممارستهم للمعارضة، ويذكر الجميع أطروحة الإسلاميين من الإنقاذيين لحل مشكل البطالة، يوم اقترحوا أن تعود النساء العاملات إلى بيوتهن مقابل راتب شهري كي تخلو سوق الشغل للرجال! هو إذن الاغتراب بكل معانيه وبمستوييه الافقي كما العمودي الذي يحول دون بلوغ لحظة الميلاد القطري التاريخي في وعي الاسلام السياسي، ما قد يتيح له أن يعبر عن نفسه خارج سياجات الوهم التي أحاط بها نفسه، وهو حسب أنه بها يكتمل وبها يحتمي من الغيرية.
٭ كاتب وصحافي جزائري
بشير عمري