الناصرة – «القدس العربي»: سعيد النهري خطاط وفنان تشكيلي فلسطيني من مدينة سخنين داخل أراضي 48. قدراته نادرة في الخط العربي بكل أنماطه لكنه يمتاز باستلهامه القرآن الكريم وبجمعه بين مظهره وجوهره تولد لوحات فنية مدهشة وموحية.
يعتمد الخط العربي في الأساس على شريط كتابي وشكل بيضوي وشكل دائري لكن النهري يعتمد على إظهار معاني الآية القرآنية والحديث الشريف بمزاوجة بين الرسم والخط العربي وبالمحافظة على الموازين الكلاسيكية لهذا الفن.
ومثال واضح على ذلك يتجلى في لوحة « أعدوا لهم» التي ترد على شكل حصان حيث يلتحم الشكل والمضمون معتبرا ذلك دعوة لحفظ الآيات وترسيخ قيمة الفن العربي.
النهري الواعي لجذوره والحالم بأفق أرحب يستذكر ما قاله الفنان العالمي بيكاسو: «ان أقصى نقطة أردت بلوغها في الرسم وجدت الخط العربي قد سبقني إليها منذ قرون». وعن مصادر الإيحاء يرى النهري أن أروع النصوص العربية التي عرفتها هي القرآن الكريم وهو مصدره الملهم في كل أعماله. ويتابع «حتى عندما كان يصعب علي أمر ما كنت أعود للآيات القرآنية واستوحي منها من ناحية المضمون والشكل في رسومات الخطوط». ويترجم في لوحة رائعة سورة يوسف «فذروه في سنبلة» تجسيدا للعطاء والكرم الرباني الكبير وللبركة التي تقدمها الأرض للإنسان.
ليس هذا فقط، فسعيد لا يخفي كونه متدينا وصوفيا ينتمي للطريقة القادرية ويعلق صورة شيخها أبو يحيى يوسف محمد أبو شريعة من غزة في مرسمه ويجله إجلال الوالدين. ويعود ويشدد على ذلك بالقول : «اعتبر نفسي خادما للقرآن ولإبراز جماليته لجانب دلالاته».
حتى الآن أنجز الفنان السخنيني المتمكن من لغة الضاد 370 لوحة فنية يعرضها بالتدريج لكنه يحرص على طباعة نسخ منها لتتاح الفرصة لعامة الناس لاقتنائها بسعر زهيد، فالنسخة الأصلية مكلفة وغالية. وعن هذا يقول «يهمني التواصل مع الناس لا لتحقيق مربح مالي بقدر ما هو تواصل بصري وروحي مع المتلقين وهذا يشحنني بطاقة كبيرة».
بداية المشوار
بدأ سعيد مشواره مع الرسم وكتابة الخطوط في المرحلة الثانوية وشحذ مهاراته وتعلم أصول كتابة الخطوط وفق الموازين والمعايير بدراسة «الغرافيك» في معهد خاص في حيفا.
لكنه احترفه في 1987 بعدما أنهى دورة لكتابة الخط العربي في رام الله وتتلمذ فيها على يد الأستاذ محمد صيام وكانت شهورها الأربعة كافية. غير أن سعيد النهري اعتمد على ذاته وعلى شخصيته العصامية ويوضح أنه كان يواصل الليل بالنهار في التدرب على كتابة الخطوط، فكان هو الطالب والمعلم معا.
ويجيد النهري العوم في بحر الخطوط ويعتمد في رسوماته «الرقعة، النسخ، جلي الديواني، الثلث، الإيجازي(الريحاني)، الكوفي والفارسي».
كما يجيد أنواعا أخرى من الخطوط العربية القديمة لكن هذه تستخدم فقط لأعمال فنية ويبلغ عددها 36 خطا، منوها أن بعض الخطوط العربية هي تفرعات لخطوط أخرى. ويشير إلى أن الخط الكوفي هو أساس الخطوط العربية ومنه تتفرع الخطوط: الفاطمي، القيرواني، المصري والكوفي العراقي الخ.
تطويع الحروف
وردا على سؤال يشير النهري أنه اعتنى بشكل خاص بخط الثلث معتبرا ذلك تحديا لصعوبته واحتياجه لمهارات فائقة لافتا أن مجاراة كبار الخطاطين في العالم تمر بالضرورة عبر هذا النوع من الخط. وعن خصوصيته كخطاط محترف يتابع «طوّعت الحروف والقواعد والموازين وحافظت على طريقة كتابتها الكلاسيكية فتشكلّت أنماط ورسومات مختلفة خاصة به».
بعد هذه اللوحات كتب عبد الله أبو راشد، أحد النقاد، في سياق إطرائه لنتاج سعيد «النقطة التي أضاعها بيكاسو وجدها سعيد النهري».
سعيد النهري صاحب التوجهات الصوفية كان قد زار الرئيس محمود عباس في رام الله بناء على طلب الرئيس فأهداه لوحة تضمنت آية النور (الله نور السموات…).
○ لماذا هذه بالذات؟
«كان الرئيس قد هاتفني ودعاني لزيارته بعدما شاهدني في برنامج تلفزيوني وأكرمني بوسام ورغبت في رد الجميل فأهديته واحدة من أجمل لوحاتي».
○ وهل تشعر كفنان عربي أنك محاصر ومعاقب بسبب الجنسية الإسرائيلية؟
«نعم أشعر أنني داخل سجن. سبق ودعيت لمعارض عربية وكان الداعون يلغون دعوتهم ويتهربون مني فور اكتشافهم أنني من أراضي الـ 48 وفي بعض الأحيان كانوا يطلبون إرسال رسوماتي دون مشاركتي».
○ وكيف كنت ترد؟
«في المرة الأخيرة هاتفني موظف مسؤول من دبي وبعدما اتفقنا على تلبية دعوته للمشاركة في معرض للخط العربي عاد واعتذر وبصراحة فقلت له: اسمي سعيد ووالدي فلاح وأمي فاطمة وجدتي خديجة وحافظ القرآن وأصلي خمس مرات في اليوم ولم أترك أرضي ولم أحمل جواز السفر الإسرائيلي عن طيب خاطر فماذا تريدون مني؟
ما لم يلقاه النهري من الجهات العربية الرسمية وجده لدى الشعب العربي الذي يتواصل معه عبر الانترنت.
النهري الذي شارك في معارض خطوط دولية بادر لبناء غاليري خاص به في مدينة سخنين تعنى بالخط العربي وتجمع بين الفن والمهنة والرسالة. «هذه مساهمتي المتواضعة في رفع منسوب الوعي الثقافي بأهمية الخط العربي وهو برأيي جزء من هويتنا الثقافية والوطنية فما بالك اليوم والعبرية تغزو العربية وتهددها من كل باب؟» قال متسائلا تساؤل العارف مشددا على ضرورة الاهتمام بانتمائنا وعروبتنا.
○ وكم من الوقت تستغرق رسوماتك؟
«لوحة الحلية النبوية الشريفة التي أصف بها أوصاف الرسول استغرقت 120 يوما من العمل أما آية الكرسي فكرست 90 يوما لإنجازها».
أما لوحة الحصان التي يعتز بها فلها حكاية خاصة ويقول النهري إنها نتاج منام حلم به بعد صلاة الفجر، حيث ظهر له شيخ الطريقة وأهداه مجموعة لوحات وهذه واحدة منها، فما أن استيقظ في ذاك اليوم حتى بدأ برسم الصورة المطبوعة في مخيلته فنضجت بعد أربع ساعات.
○ ومتى تبدأ بالرسم؟ الشاعر ينتظر إلهام الشعر وأنت؟
«أقرأ معنى الآية وأجمع قلبي على عقلي حتى تفيض فيوضات رحمانية فأشعر بأنوار غريبة وكأنني أرى اللوحة قبل رسمها».
لكن ذلك لا يعني أن مهمته سهلة فأحيانا يضطر لرسم لوحة وإتلافها مرات ومرات كما في لوحة «وخرّ موسى» التي يقول إنه رسمها ست عشرة مرة حتى اكتملت ورست على شكل السجود الظاهر في حرف الألف. مؤكدا أن ذلك غير مألوف في الرسومات القديمة ولا حتى الحديثة التي بات يعتمدها الفن التشكيلي ويأخذ في الحسبان القيم الجمالية الغربية ويتابع «من جهتي أعنى أولا بأن يعجب المتلقون العرب والمسلمون أولا».
ويبدي النهري سعادته بإيصال «رسالة جميلة» عن الإسلام للعالم من خلال الشبكة العنكبوتية لافتا أن الجميل فيها ما تتيحه من تواصل معه وفورا.
○ وهي رسالة دينية؟
«التواصل الروحي. كل حرف في القرآن أجر، قراءته ومشاهدته ناهيك عن استمالة الشباب للقرآن بواسطة هذا الفن من خلال دفعهم لقراءة آياته والتفكّر بها».
وفي عمل آخر يعكس قيمة الأرض بالنسبة لصاحبها صّب مقطعا من قصيدة محمود درويش ( والأرض تورث كاللغة) وهذه المرة فعل ذلك ليس في لوحة بل في عمل تشكيلي من حديد يوحي شكله بالجرة المصنوعة من تراب رمزا للتراث.
كما هو خطّه كذلك أدواته مميزّة، إذ يرسم النهري بأقلام رسم بها الخطاطون السابقون في العصور الإسلامية يصنعها بيده من القصب والقصيب أو الخوص والبوص وكلها تستخرج من خشب القصيب النامي على ضفاف الأنهار كنهر الأردن ومنطقة طبريا وبعضها يستحضر من الجولان ومن إيران.
وينهي كلامه بالتذكير أن قدوته في فن رسم الخطوط هو الفنان التركي الراحل سامي أفندي مصمم الطغراء، الختم العثماني الرسمي في عهد السلاطين.
وديع عواودة