■ لا أقصد بالغموض هنا أن فقرات الاتفاق مجهولة وغير مصرح بها، بل على العكس يظل الاتفاق مثالاً للشفافية مقارنة بالاتفاقات المماثلة التي تعقدها الدول العربية، والتي لا يعرف تفاصيلها واشتراطاتها في الغالب إلا الموقعون عليها.
الغموض الذي أقصده يكمن في اللغة الفضفاضة التي صيغ بها ذلك الاتفاق، والتي لا تتناسب لا مع أهميته ولا مع تأثيراته الإقليمية. هذه اللغة ساهمت في جعل كلا الطرفين، أعني الغربيين والإيرانيين، يخرجان عقب الاتفاق معلنين نجاحه وانتصارهم في معركة «تطويق» الطرف الآخر. هكذا خرج أوباما على قومه من جهة معلناً ولادة إيران جديدة متصالحة مع قوانين السلام العالمية، في حين خرج مرشد الثورة الإيرانية على أتباعه وأنصاره من جهة أخرى، معلناً انتصار جمهورية الولي الفقيه على أعدائها وتحقيقها لجميع أهدافها، نافياً وجود أي تنازلات أو تضحيات من جانبهم.
كل هذا خلق تشويشاً وحالة من الارتباك عند المتابعين لهذا الاتفاق، خاصة دول الإقليم العربية، التي لن يسرها بأي حال تحول إيران ذات الطموح التوسعي الأبدي لدولة نووية. تشويش زادته بعض التصريحات الإيرانية كتصريح عباس عرقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني وأحد المشاركين في عملية التفاوض، بعد أيام من التوقيع، أعلن فيه أنّه لن يسمح لأي مفتش نووي دولي بالعمل داخل البلاد بدون موافقة وزارة الاستخبارات الايرانية عليه. لدهشة المستمعين لمثل هذا التصريح الغريب فإن حق إيران في منع المفتشين واختيارهم حق وارد في الاتفاق، تحت بند «التكنولوجيا الحديثة والوجود طويل الأمد» النقطة 67، الفقرة الرابعة، التي تنص على أن «إيران سترفع من عدد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى حدود ما بين 130 و150 فرداً خلال الأشهر التسعة الأولى من تاريخ تطبيق الاتفاق، وستسمح بشكل عام بتعيين مفتشين من الدول التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إيران، بما يتماشى مع القوانين والأنظمة». إذن فالتصريح السابق ليس مجرد رأي شخصي أو كلمة متطرفة، بل حقيقة تتلخص في كون طهران هي من سيختار ويحدد هوية المفتشين، وبالتأكيد فإذا كان المفتش من تلك الدول الصديقة أو الحليفة لإيران فإنه في الغالب لن يقوم بإزعاجها أو إحراجها مهما حدث! الأمر يبدو عبثياً، خاصة حين يتم التعامل مع إيران كـ»شريك» حتى في مجال التفتيش فيمكن لها، وهي الدولة المشتبه فيها، أن تأخذ عينات خاصة بها وتقدمها للفحص أو تشترك في فحصها، وهو ما كشفته بشكل حصري وكالة «أسوشييتد برس» في خبر بتاريخ 19-8-2015 بعد اطلاعها على وثيقة سرية لاتفاق بين إيران ووكالة الطاقة الذرية.
الأمر لم يتوقف عند تصريحات عرقجي أو عند الوثائق السرية التي تتكشف يوماً بعد يوم، بل حدث ما هو أهم وأخطر، حيث قامت إيران في منتصف أكتوبر الجاري بالإعلان عن تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ باليستي بعيد المدى باسم «عماد» وهو ما يعد انتهاكاً واضحاً ليس فقط لقرار مجلس الأمن 1929 الذي يحظر إجراء مثل هذه التجارب، بل للاتفاق النووي نفسه، الذي لن يرفع الحظر الكامل عن إيران ولن يلغي العقوبات إلا في حالة التوافق على عدد من الاشتراطات لم يتم التحقق منها بعد.
الغريب هنا ليس الجرأة على القيام بهذه التجربة، بل ردود فعل الدول الكبرى عليها، ففي حين لجأت دول الاتحاد الأوروبي لاستخدام لغة شجب دبلوماسية رقيقة، لم تقم الولايات المتحدة المحرجة أمام شعبها وحلفائها إلا بالتهديد باللجوء إلى الأمم المتحدة.
السؤال المهم: ما الذي بإمكان الأمم المتحدة أن تقدمه في ظل اتفاق تكاد إحدى مواده أن تشير إلى حرية إيران في إجراء أي تجربة وتطوير أي سلاح؟ المادة التي أعنيها هي المادة رقم 36 المثيرة للجدل: «آلية فض النزاع»، التي يعلم من يطلع عليها أن بإمكان إيران أن تتنصل عن كل التزام بدون أن يكلفها ذلك سوى مسار طويل من التفاوض وإعادة التفاوض عبر لجان معقدة إقليمية ودولية، تأخذ وقتاً طويلاً وتنتهي في الغالب إلى لا شىء. الاتفاق يعني بالنسبة لإيران استبعاد أي عمل عسكري ضدها وهي إحدى النقاط الواضحة التي وافق عليها الأمريكيون خلال تصريحاتهم من أجل إنقاذ الاتفاق الذي يهدف أساساً لتعزيز المسار السلمي المتناسب مع جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الولايات المتحدة متورطة الآن بتعهدها استبعاد أي عمل عسكري، وكذلك الوكالة الذرية التي أصبح دورها ليس حماية دول الإقليم من التهور الإيراني، بقدر ما هو حماية الأخيرة من أي عمل عدائي يمكن أن يوجه ضدها.
من أهم واجبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنصوص عليها في الاتفاق هو العمل على حماية الأسرار النووية التي تطلع عليها. نقطة الأسرار هذه مهمة، فحرصاً على الأسرار العلمية والنووية يمكن للسلطات الإيرانية وقف كل تفتيش وإلغاء أي مراقبة، وهو ما يقوّض جوهر الاتفاق ولب القضية المبنية على الشفافية والعلن. بيد أن الأمر لم يعد سرياً، وما عادت تحتاج للتنقيب الاستخباراتي من أجل التوثق من تحركات إيران غير السلمية، فقد وثقت دولة الملالي بنفسها لحد الإعلان قبل أيام عن وجود قاعدة عسكرية ضخمة لإطلاق الصواريخ البالستية تحت الأرض بعمق نصف كلم.
إذا كان هذا هو ما تم الإعلان عنه، فإن بإمكاننا أن نطرح تساؤلاً عن «الأسرار» الحقيقية التي يخفيها الإيرانيون تحت الأرض، والتي لا نعلم عنها سوى تخمينات باحتمال أن يكون لها طابع نووي.
أحد الدروس المهمة التي يمكننا أن نخرج بها من هذا الموضوع هو، أنه في عالم المصالح المتلونة فإنه يجب ألا تخدعنا لا المواقف الدولية ولا التصريحات الشخصية. أستشهد هنا على سبيل المثال بحقيقة أن ديك تشيني، أحد أبرز السياسيين الأمريكيين، الذي أدلى بتصريحات أخيرة تحذر من الوثوق بإيران هو نفسه الشخص الذي سبق له أن باع إيران أجهزة طرد مركزية لبرنامجها النووي عبر شركة هاليبيرتون الأمريكية، التي عملت في ايران حتى عام 2005 مخترقة بذلك العقوبات الأمريكية. ألم أقل أنها المصالح المتلونة..!
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح