«النيل مآسي» لصنع الله إبراهيم سيناريو وثائقي يستكشف حياة النهر وأزمات بلدانه

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «سرعان ما كانت البعثات التبشيرية الإنكليزية والفرنسية تتقاتل من أجل الاستحواذ على روح الأفريقي الأسود، لأن الإيمان بإله أبيض كان ضرورياً لرفع أسهم شركات القطن، الذي كان مُخططاً لكل بلاد حوض النيل وواديه، أن تصبح مورداً رئيسياً له». هكذا يرى صنع الله إبراهيم حياة ساكني بلاد نهر النيل، من منبعه وحتى المصب.
الرؤية التي تمتد لتصل إلى الأنظمة الحاكمة في هذه البلاد، الفتن والانقلابات العسكرية، والمجازر الطائفية. بلدان عانت رغم ما كان من المُفترض أن تكون مؤهلة له من تطور اقتصادي لما تمتلكه من ثروات طبيعية، حتى على مستوى الموضة، يذكر إبراهيم في مقارنة بين موضة النساء الأوروبيات، وزينة نساء القبائل الأفريقية «ذهب خبراء الموضة إليهن، كمحاولة لإنقاذ مستقبل هؤلاء. من ناحية أخرى نجد الغربي يحاول إقناع المرأة الغربية بالتخفف من ملابسها، كان يبذل المجهود نفسه لإقناع المرأة الأفريقية بتغطية جسدها، عن طريق شراء القمصان والفساتين، التي أنتجتها مصانعه من القطن الذي اشتركن في زراعته».
الكتاب الذي أصدره إبراهيم مؤخراً عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة، وجاء في 214 صفحة من القطع المتوسط، عبارة عن سيناريو وثائقي اختار له عنوان «النيل مآسي»، وهو ما يستدعي إلى الذهن أغنية عبد الوهاب الشهيرة «النيل نجاشي»، الذي كتب كلماتها أمير الشعراء أحمد شوقي. المقارنة الساخرة في العنوان بين الحالة الاحتفائية بالنيل والتغني بجماله، وبين الواقع المؤلم لساكني ضفتيه.

سيناريو وثائقي

يذكر صنع الله إبراهيم في مقدمة الكتاب أن هذا السيناريو تمت كتابته في عام 1994، بتكليف من شركة Image الفرنسية، التي كانت تخطط لإنتاج أفلام وثائقية عن الأنهار العظمى في العالم، وذكر ان المخرجة الراحلة أسماء البكري هي التي ستقوم بإخراج الفيلم. وبالفعل ذهب إبراهيم معها في جولة استكشافية بداية من منبع النيل، وحتى وصوله إلى البحر المتوسط. ولكن يبدو ان رؤية كل منها اختلفت، حيث أرادت البكري أن تجعل من الفيلم عملاً سياحياً، بينما رؤية صنع الله إبراهيم كان هدفها أن تستكشف حياة ساكني البلاد التي يمر بها النهر. ولم يُنتج السيناريو الذي كتبه، وأصدره منذ أيام في كتاب، وأيضاً يبدو أن الفيلم من الأساس لم يتم تصويره. وفي النهاية يرى المؤلف أن هذا السيناريو فقط لتوثيق أحداث مرّت على بلاد النهر وناسه، وأنها تغيرت الآن وتطورت هذه الأحداث، فقد انوجدت دولة مثل جنوب السودان، وأقامت إثيوبيا سدها، الذي تتفاقم وتتأزم مشكلاته بالنسبة لدولتي مصر والسودان. اعتمد إبراهيم على الخرائط، الصور الفوتوغرافية، التي يلحق بعضها في نهاية الكتاب، كذلك اللقطات الأرشيفية، مقالات وإحصاءات من الصحف والدوريات والمراجع المتخصصة كمؤلفات عوض محمد، رشدي سعيد، إميل لودفيج، وآلان مورهيد.

عالم النهر

«صمد التمساح منذ 200 مليون سنة لعصور الثلج وتحرّك القارات، رغم انقراض أقاربه من الديناصورات. خجول يختفي في غمضة عين، ويقضي وقته راقداً يتشمس فاغر الفاه، وفجأة يتحرك في سرعة البرق. تمساح النيل ماكر بحيث يفلت من الإنسان، وقوي حيث يسقط جاموس النهر، ورقيق بحيث يهشم بيضه ليُطلق سراح الصغار». ربما يكون وصف التمساح النيلي أشبه بوصف النيل نفسه، وإن كان يبدو كحكاية للصغار، وهو محاولة لتخطي جفاف المعلومات الإحصائية والجغرافية، من طول النهر وتعرجاته ومسيرته الطويلة حتى يبلغ منتهاه، إضافة إلى التواريخ المهمة كبعثة اكتشاف منابع النهر، وتبعات ذلك من فترة طويلة من الاستعمار، لم يزل ساكنو القارة السمراء يعانون منها حتى الآن. رحلة طويلة زمنياً يقطعها المؤلف وإن كان التخطيط المكاني بداية من منبع النيل هو الحاكم لها، مروراً بأحوال وأهوال هذه الدول، ما كانت تحياه وتقدسه، وما حدث لها وعانت بالمصادفة من وجودها في هذه المنطقة، وهذا النهر. وما بين الجغرافيا والتاريخ الاجتماعي والسياسي تتواتر الحكايات، ونستعرض مآسي بعض الدول التي يمر بها النهر

رواندا

«فعندما بلغ موسم الأمطار في عام 1994 أوجه في شهر أبريل/نيسان، وصارت مياه الأمطار مُتخمة بالتربة الغنية، انفجرت في سماء كيجالي الطائرة التي تقل رئيسي البلدين المتجاورين رواندا وبورندي، مُعطية الإشارة لأكبر حمّام دم شهدته أفريقيا المعاصرة… مات في القتال حوالي نصف مليون رواندي خلال شهر.. وقدّرت مجلة «تايم» أن أكثر من نصف سكان رواندا الذين لا يبلغون العشرة ملايين قد قتل أو هُجّر منذ أبريل حتى منتصف يونيو/حزيران». هذه المأساة هي أبشع ما حدث على ضفتي النهر، العلاقات التي صاغها الاستعمار بتفضيل أقلية تتسيّد أغلبية السكان، وبالتالي الثأر سيطول، وينتظر فقط لحظة الانفجار. الأمر لا يخص رواندا بشكل خاص، بل نجد أن معظم الحكام من خلفية عسكرية، وقاموا بالعمل في جيش الاحتلال، وما الاستقلال إلى استقلال صوري، وامتداد لفساد سياسي وإداري تعاني منه معظم البلاد الأفريقية حتى الآن.

أوغندا

كارثة أخرى تتمثل في شخصية عيدي أمين، الذي «استولى على الحكم في انقلاب عسكري سنة 1971، وهو رقيب سابق في جيش الأمبراطورية التي غربت عنها الشمس، «الذي أطلق عصابته ــ جنود سكارى في ملابس غير مهندمة، وأحذية مفكوكة الأربطة ــ تنهب وتغتصب وتقتل وتضرب حتى الموت 300 ألف أوغندي، بينما أمتع الصحافة العالمية بتصريحاته عن قواه الجنسية، عارضاً خدماته في هذا الصدد على ملكة بريطانيا.. لم يتمكن أمين من البقاء في الحكم طويلاً، وهرب عام 1979 إلى المملكة العربية السعودية أمام قوات المعارضة». نموذج لا يكف عن التكرار، ولم يزل ضحاياه يعيشون ويتمنون الموت حتى يتخلصوا من عذاباتهم، التي إن لم تكن عضوية ــ الكل موسوم بعاهة ما ــ فهي نفسية في المقام الأول.

السودان

«تسببت الحرب بين الشمال والجنوب في انقلابات عسكرية متتالية جاءت في عام 1969 إلى السلطة بالجنرال جعفر النميري، الذي دافع عنها في استماته قادته في اتجاهات متباينة، فبرز بعد سنتين وهو يتابع ــ وزجاجة ويسكي لا تفارق يده وفمه ــ التصفية الجسدية لزعماء الحزب الشيوعي، الذي كان أكثر الأحزاب العربية جماهيرية… وفي عام 1972 تمكن النميري من إنهاء الحرب الأهلية، بتقديم بعض التنازلات إلى الجنوبيين، لكنه ما لبث أن أشعلها بعد عشر سنوات واحتاج إلى سند شعبي لديكتاتوريته، فأعلن تطبيق الشريعة الإسلامية».
ثم يتطرق إبراهيم إلى موقف منصور خالد وزير خارجية السودان (1971 ــ 1979)، الذي اختلف من النميري عندما ألغى اتفاق أديس أبابا في 1979، وأعلن نفسه إماماً، فترك منصور الوزارة وانضم للحركة الجنوبية عام 1984. فالأمر أصبح أسلمة قهرية لكل السودان.

تقنية الكتابة والرؤية السياسية

المُلاحظ على السيناريو أن الرؤية السياسية هي التي سيطرت تماماً على حالة الكتابة، وهو أمر للكاتب الحرية التامة في اختياره، لذا نرى العديد من الأحداث التي مرّت بها مصر على سبيل المثال، السد العالي وهو على صلة وثيقة بموضوع الفيلم، إلا أن إضافة بعض الأحداث عن القاهرة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية.. هزيمة يونيو/حزيران 1967، سياسات السادات، اتفاقية كامب ديفيد، اغتيال السادات وصعود المد الديني، كل هذه الأحداث لا تتوافق مع موضوع الفيلم، ولكنها مُقحمة، ولم يتم توظيفها بشكل جيد، أنت لا تصنع سيناريو وثائقي عن مدينة!
كما أن هناك مغالطات لا يمكن التغاضي عنها، كما ذكر.. «وعندما ظهر العرب على الحدود الشرقية سنة 640 ميلادية، رحب بهم الفلاحون المسيحيون، أي الأقباط، وعاشت مصر خمسة قرون في ظل حكام إسلاميين مستقلين، ثم حل محلهم العبيد المماليك. فلم يرحب الفلاحون المصريون بالعرب على الإطلاق، وهذه معلومات مغلوطة تسربت عمداً إلى حكايات المصاطب، وكتب التاريخ، التي يتم تلقينها إلى طلاب المدارس ليل نهار.
الأمر الآخر يتصل بتقنية الكتابة ذاتها، التي تعتبر كلاسيكية إلى حدٍ كبير، فالتعليق المكتوب، الذي من المفترض أن يكون صوتياً إن كان الفيلم قد تم تنفيذه، سيُثقل العمل تماماً، فالأمر أقرب إلى تجميع معلومات، وإعادة صياغتها في شكل بالطبع احترافي يعود لخبرة صنع الله إبراهيم في التعامل مع الوثائق، ولكن المناخ الروائي الذي يكسر من حدة ثقل التوثيق في عمل فني، يظهر بشدة في ما أطلق عليه سيناريو وثائقي.

«النيل مآسي» لصنع الله إبراهيم سيناريو وثائقي يستكشف حياة النهر وأزمات بلدانه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية