الهايكو: دهشة تتأمل ذاتها

حجم الخط
0

للهايكو ذاكرة. للهايكو تاريخ. بهذا يكون سيرورة حالمة. والذين يكتبون الهايكو يقتسمون، من غير ميثاق معلن ولا حِلف، أخوة أخرى مرحة. إنهم ـ حالمون بصمت ومسرفون في الدهشة ـ يقيمون مع العالم في المعنى.
أن نكتب الهايكو بالعربية ـ أيوجد هايكو عربي؟ ـ لا يعني أن نذعن للحيز الضيق الذي نحصره بأقيسة صاغها بحذق أحفاد الساموراي منذ باشو. من يريد أن يرتد بنص عربي إلى أوزان صرفية أو عروضية كي يقيس هايكوه على ميزان 5 ـ7 ـ 5 أو على غيره؟ بينما يؤول هذا القياس إلى خصيصة محايثة للغة اليابانية التي هي لغة مقطعية. وربما آل أيضا ـ تبعا لتأويل صونو أوشيدا ـ إلى «أن ِتركيبِ المقاطع هذا ترجيعا فريد النغمة في الأذن اليابانية». من يريد أن يكتب نصا منقى من السرد (وهذا أحد القيود)؟ وفي السرد ذاته، أحيانا، طاقة شعرية مدمرة. الكلام الجاري ذاته سرد. العالم سرد. الكينونة سرد. نحن أنفسنا سرد متلكئ ومشوش يتداوله الغيب والأمكنة. من يريد أن يكتب نصا بريئا من الاستعارة والتشبيه (وهذا قيد آخر)؟ اللغة كلها استعارة صوتية للكينونة ظاهرةً ومجردة وموهومة.
أي أرض تحمينا من الاستعارة؛ لذة المقايسة ـ المماثلة المضمرة هذه، التي تجعلنا أخف وقادرين على أن نرى ونحس ونسأل ونفهم ونجهر ونتلعثم بالذي نعلم، والذي يزين لنا أن نبقى في ذروات الريب؟ لكن، قبل هذا، هل استطاع أحفاد الساموراي أنفسهم أن يلزموا هذه القيود وغيرها؟ لن أصدق باشو ولا بوصون. في شعرهما استعارات باذخة، وتشبيهات حادة، وسرد كثير. ولن أصدق المنظرين الذين جعلوا أنفسهم كهنة الهايكو، وجعلوا هذه الكتابة الشذرية، بتسييجها وتقييدها وتأثيل حدودها ولوازمها وشعائرها، أشبه بدين أرضي. أي كتابة تستطيع أن تصمد إن استحالت «ملة أو نحلة»؟ وأي شاعر يقدر أن يضطلع بمنجزه ويغامر به باعتباره محتمَلَ كتابة حينما يذعن، قبل الكتابة، لسلطة الآباء والأسلاف سارين في القيود؟
الهايكو، كمثل موسيقى الجاز الحر، حالة، ميل، هوى. رؤية للعالم جاذبة وملغزة. شرفة واسعة لمساكنة العالم بصمت وروح مندهشة. لكنه ليس بديل أي منجز شعري عربي. والذين يزعمون أنه «حجر الفلسفة»، به يحصل إخراج النبيل من الرذل التراب، والرفيع من الخسيس المعدن، إنما يخُطّون بفراسة عمياء خرائط فردوس شعري يباب. الهايكو بديل ذاته، وفي لغته وسياقه. نار لا تُورَى إلا بصوانها الأصل. وهو، باعتباره منجزا كلاميا نادرا، مجازفةٌ. فيه تكون الكلمة ذاتها معلقة أبدا، ممزوجة بصمت كثير. كأنها لم تكن بعدُ. كأنها تجيء. لذا يرافقها الصمت، وتقيم في الصمت، وتُنال في الصمت. وليس الصمت غيابَ الكلمة؛ اللاقولَ، بل إمكانُها. إنه قول يتهيأ في الافتتان والتأمل والدهشة. إنه «شِعر» الكلمة الوحيد. هكذا يكون الهايكو، بما هو صنعةٌ مادتُها الصمت أكثرُ مما هي الكلمة، «شعرَ الشعر».
القول الأقدر على إحداث صمته؛ هذا هو الهايكو. وليس يضاهيه في هذا، في العربية، سوى شطح المتصوفة. أكتبُ الهايكو بلسان عربي؛ إذن أختبرَ هذه الدهشة التي تتأمل ذاتها.

الهايكو: دهشة تتأمل ذاتها

إدريـس عيـسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية