الناصرة ـ «القدس العربي»: تثير الهبة الفلسطينية دفاعا عن القدس والأقصى جدلا متجددا ومحتدما في إسرائيل بين الحكومة والمعارضة وفي أوساط الرأي العام حول مستقبل إسرائيل، الاحتلال المغيب ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين. 15 عاما مر منذ هبة القدس والأقصى أو الانتفاضة الثانية وأكثر ما ينطبق على الحالة الراهنة القول «ما أشبه البارحة باليوم». في مثل هذا الشهر كانت قد تفجرت الانتفاضة الثانية التي تسببت في مقتل نحو أربعة آلاف فلسطيني وألف إسرائيلي وخبت نيرانها بعد خمس سنوات. كما وقتها فإن الهبة الراهنة أيضا منبعها الاستفزازات الإسرائيلية في الحرم القدسي وانتهاك حرمة الأقصى ومحاولات تقاسمه التي تزداد بمثل هذه الأيام من السنة التي تحل فيها الأعياد اليهودية. الإسرائيليون يفقدون مجددا الشعور بالأمن ولا سيما أن الهبة الحالية بخلاف الانتفاضتين السابقتين فردية ولا تقودها قيادة مركزية توجهها. حيال فقدان الأمن في الأرض المحتلة عام 67 و 48 على حد سواء يتصاعد الجدل حول قيادة نتنياهو السفينة الإسرائيلية وهناك من يتهمه بجرها نحو الغرق والدمار آخرهم رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق شلومو غزيت الذي يعتقد أن تفويت فرصة تسوية الدولتين يعني تحولها لثنائية القومية وبالتالي لدولة عربية.
حكومة فيسبوك
تعبيرا عن الانتقادات الحادة التي يتعرض لها الائتلاف الحاكم من اليسار واليمين وصف رئيس المعارضة رئيس حزب «المعسكر الصهيوني» يتسحاق هرتسوغ حكومة نتنياهو بـ «حكومة الفيسبوك». بذلك يرغب هرتسوغ القول إن الحكومة تكتفي بالأقوال والتعليقات ولا تفعل شيئا لتوفير الأمن والاستقرار. ويتهم هرتسوغ نتنياهو بالثرثرة بدلا من العمل. لافتا إلى أن العنوان كان مكتوبا على الجدار لكن نتنياهو فضل كسب الوقت والمماطلة وعدم إبعاد المتطرفين اليهود عن الحرم القدسي. وتابع «هذه الحكومة تفشل في السيطرة على أي شيء عدا صفحات الفيسبوك». واعتبرت زميلته تسيبي ليفني دعوة نتنياهو الإسرائيليين لحمل السلاح تعبيرا عن فقدان الحكومة للسيطرة، محذرة من أن ذلك سيقود لفوضى كاملة. ودعت نتنياهو لإبداء موقف شجاع وعدم الاكتفاء بمنع الوزراء والنواب من زيارة الحرم القدسي والمبادرة لإعلان عن تجميد البناء بالمستوطنات معتبرة ذلك حاجة أمنية لا مراضاة لواشنطن فقط. ليفني التي تؤمن بحيوية المفاوضات مع السلطة الفلسطينية لتهدئة الأوضاع ومنع الانطباع بانسداد الأفق تابعت في حديثها للإذاعة الإسرائيلية «خسارة أن نتنياهو اتخذ قرارا بمنع زيارة الاستفزازيين للحرم القدسي متأخرا وبعد عام من وعود قدمها للأردن بذلك».
مغامرة
وانضم لها يائير لبيد رئيس حزب «يش عتيد» المعارض وانتقد الحكومة وقال إنها وبدلا من انتهاج سياسة وتوفير حلول واضحة تروي للناس عن المشاكل الراهنة. ومع ذلك فإن لبيد المؤيد لفكرة تسوية الصراع بمؤتمر إقليمي مع العرب لا مع الفلسطينيين فحسب ناصر نتنياهو بقراره منع الوزراء والنواب زيارة الحرم وأشاد بعدم الدخول في مغامرة جديدة وسط حالة قابلة للانفجار.
وترى رئيسة حزب «ميرتس» المعارض زهافا غالؤون أن هدم المنازل والاعتقالات بالجملة خطوة تقليدية غير مجدية تهدف إلى اسكات الحاجة برؤية القتلة يعاقبون وتكشف ضعف وقلة حيلة الحكومة مقابل «الإرهاب». وتابعت في حديث للقناة العاشرة «هذه الخطوات ليست حربا على «الإرهاب»، غبية ، وغير نافعة وليست محقة ولا حكيمة، فهي تؤجج الكراهية وتنتهك القانون الدولي كونها عقابا جماعيا قاسيا هدفها العلاقات العامة. وتقول غالؤون إن الحكومة ورئيسها يعرفون أن التهديدات باجتياح الضفة في حملة «جدار الواقي» جديدة هي مجرد هراء لأنه لا يستطيع أي شخص أن يجمع الحجارة والسكاكين من الضفة الغربية. مؤكدة على أن ما يضمن لإسرائيل الأمن للمدى البعيد هو الذهاب لتسوية سياسية وهي عملية يرفضها نتنياهو.
وتابعت «ينبغي محاربة الإرهاب ومحاكمة القتلة والمخططين والتفكير بكيفية وقف الموجة المرعبة قبل التورط بتصعيد الأحوال». وقالت إن تهديدات نتنياهو تكشف قلة حيلة حكومته مقابل «الإرهاب» وتدلل على أنه غير معني باقتراح أي تسوية حقيقية مفضلا الاكتفاء بما هو شعبوي طمعا بالمزيد من البقاء بالسلطة.
في المقابل يواصل الائتلاف الحاكم إلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني واتهام الرئيس عباس وحركة حماس والحركة الإسلامية الشق الشمالي بالتحريض على العنف والكراهية لليهود.
سجال الرأي العام
وهكذا في أوساط الرأي العام والإعلام يحتدم الجدل مع تصاعد الهبة الفلسطينية التي بدأت تخترق الخط الأخضر بمشاركة فلسطينيي الداخل.
ويؤكد المعلق السياسي البارز شيمعون شيفر أن هذا هو الوقت للحسم متهما نتنياهو بتكرار شعارات مبتذلة لا تغني ولا تسمن من جوع لأنها لا تصنع حربا ولا سلاما.
وينضم شيفر للانتقادات الموجهة لنتنياهو بتلكؤه بمنع ناشطي اليمين من زيارات استفزازية للحرم القدسي ويحمله مسؤولية «الحالة المتفجرة» ويأخذ عليه عدم دعوته لمؤتمر دولي بمشاركة العرب والمسلمين من أجل نظام جديد في الحرم. كما يتهم نتنياهو بعدم حل المشكلة المشتعلة في غزة والتي من شأنها التسبب بحرب جديدة متسائلا، أين المبادرات التي من شأنها أن تنتج أملا لمليوني فلسطيني يعيشون في واقع مأساوي؟ كما يتهمه بعدم معالجة الإرهاب اليهودي ويدلل على ذلك بعدم الكشف عن قتلة عائلة دوابشة.
وحمل وزير التعليم السابق يوسي سريد على الحكومة وقال في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» إن الرئيس عباس ليس محرضا بل هو نتنياهو الذي يتهرب من تسوية الصراع بأساليب ديماغوجية وشعبوية.
في المقابل يدافع المعلق المستوطن حانوخ داوم عن نتنياهو ويقول إن حرب السكاكين الحالية تنم عن «انحطاط خلقي» لدى الفلسطينيين. ويحمل داوم الفلسطينيين مسؤولية استمرار سفك الدماء منذ قرن زاعما أن «الإرهاب» ليس وليد صراع على الجغرافيا وأن الحرم الأقصى ليس سببا للتصعيد الراهن معتبرا ذلك «ذريعة». ويتابع «لم تفجر القاعدة برجي التوأم بسبب احتلال فيما يواصل حسن نصر الله تهديدنا رغم انسحابنا من لبنان وهكذا هو الحال في غزة». لكنه يدحض المقترحات من اليمين للمزيد من البناء الاستيطاني ويقول إن ذلك لن يوقف الصراع مثلما أن الانسحاب من الضفة أيضا لن يوقف سفك الدم. ويقول إن الانفجار يمكن أن يحدث نتيجة نشر رسم كاريكاتيري يستفز المسلمين أو نتيجة تحريض لنائب عربي يزور الأقصى أمثال جمال زحالقة.
ويوافقه الرأي المعلق إيتان هابر مدير ديوان رئيس الحكومة الراحل اسحق رابين بقوله إن ما يجري حلقة من مسلسل بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر. لافتا إن الحرب ذاتها لكن تبدل تسمياتها في كل مرة من جديد. بخلاف داوم يوضح هابر أن قسما كبيرا من الإسرائيليين اليوم يدرك ضرورة تقاسم البلاد الصغيرة مع الفلسطينيين الموجودين فيها منذ قرون وهكذا أيضا بالجانب الفلسطيني. بيد أن كثيرين في الجانبين يؤمنون أن الطريق الأفضل هو تصفية الخصم منوها أن هؤلاء هم الآن من يقود حمام الدم الحالي مع اتهام الفلسطينيين بـ «الأكثر دموية منا».
الإرهاب الفلسطيني
ويرى على غرار معلقين كثر أنه لا سبيل لمواجهة «الإرهاب» الفردي إلا بتسوية سياسية لا سيما أن قوات الأمن جربوا كل الطرق الأخرى دون جدوى. ويخلص للتأكيد أنه لا يدعو للإذعان لـ «الإرهاب» ويقول إن التاريخ يدلل على عدم وجود نهاية له ويضيف «توقعاتي هي أن يستمر الإرهاب بأشكاله المختلفة في الشتاء الوشيك وأن تقع عواصف رعدية وبرقية في حال لم يجد القادة الإسرائيليون الطريق للحل».
مزاودات
وفي خضم ذلك يتعرض نتنياهو لحالة ضغط نتيجة مزاودات عليه من اليمين أيضا، حيث يواصل رئيس حزب «يسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان مزاودته على الحكومة ونعتها بالضعف والعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة داعيا إياها لتصفية «مملكة الإرهاب» في غزة . في حديث لموقع «واينت» الإخباري قال ليبرمان وزير الخارجية السابق إن نتنياهو يستنسخ الشعارات والتصريحات وإنه لم يغير سوى أوتار الصوت. كما وصف ليبرمان تصريحات نتنياهو بالتجميلية والعلاقات العامة وحمله مسؤولية «موجة الإرهاب» الحالية لعدم ضربه بمصدره القيادي في غزة. ليبرمان الذي يتطلع لزيادة قوة حزبه بعد الضربة الكبيرة التي تلقاها بالانتخابات العامة الأخيرة وأدت بانهياره من 15 إلى 6 مقاعد يزعم أنه بالإمكان الانتصار على «الإرهاب» لكن المشكلة تكمن في الحكومة العاجزة وتابع «احتمالات انضمامنا لهذه الحكومة يناهز الصفر ونحن مع إجراء انتخابات مبكرة ومن الواضح لي أنها ستجري في 2016».
وبموازاة السجال في الرأي العام شهدت البلاد سجالا على نار هادئة بين المؤسسة السياسية التي تتهم السلطة الفلسطينية ورئيسها بالتحريض على العنف وبين المؤسسة العسكرية التي تدحض ذلك وتنفي صفة التحريض عن الرئيس عباس وتقول إنه يقوم بدور فرملة المركبة التي تتجه للتدهور.
وديع عواودة