«الهبوط من جبل مورجان» لأرثر ميللر: الرأسمالية وضحاياها الأشد صلفا

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: يعد أرثر ميللر 1915 ــ 2005 أحد أهم رموز الأدب الأمريكي والعالمي، ولعل عمله «وفاة بائع متجول» يعتبر من أهم النصوص المسرحية في القرن العشرين، الذي من خلاله شرّح المجتمع الأمريكي وانتقده في قسوة بالغة، وكشف إلى أي مدى يبدو زيف هذا المجتمع، الذي يتغنى ويتباهى بالحرية الفردية، لكنه في الحقيقة يسحق الفرد وفق منظومة رأسمالية لا ترحم.
ومن خلال الترجمة العربية الأولى لنص ميللر المسرحي «الهبوط من جبل مورجان» ــ صدرت ضمن سلسلة المسرح العالمي، التابعة للمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب ــ نستطيع أن نجد الحس الانتقادي نفسه لهذا النظام، ولكن في شكله المعكوس، فالشخصية الرئيسية هنا متحققة في ظل النظام الذي تعمل وتعيش من خلاله، بل يتأكد لديها النجاح والثقة في كل القرارات الصائبة من وجهة نظرها، والظالمة للآخرين بالضرورة. قام بالترجمة عبد السلام إبراهيم، وراجعه محمد مدين، وقدم له دراسة تأويلية أسامة أبو طالب.

إرث الخسارة بين ويلي لومان وليمان فيلت

«لماذا الأمور هكذا، الأسعد هي الأكثر حزناً؟ إنها الموضوعية اللعينة، مثل شعور الخالق عندما ينظر إلى البشر السعداء، يعلم ما يعلمه عن الديدان». يأتي (ليمان فيلت) بطل مسرحية «الهبوط من جبل مورجان» كشخص يعرف كيف يعيش الحياة ــ يبدو ظاهرياً ــ مسؤول تأميني، ويعمل ضمن مؤسسة ونظام رأسمالي لا يرحم، استطاع أن يحقق النجاح والثروة، والحصول على الحب أيضاً من خلال علاقته بامرأتين. وخلال حادث عارض وسقوط سيارته من طريق جبلي، ووجوده في أحد المستشفيات، يبدأ في محاكمة نفسة وإعادة تمثل حياته السابقة. الرجل هنا لا يبحث عن فكرة التطهير التقليدية، ولا يتقدم باعترافات باكية، فهو يسترجع ما حدث، ويُصر على ما اتخذه من قرارات ظالمة للكثيرين، لكنها وفق منطقه تبدو عادلة إلى حدٍ كبير. وهو ما يختلف مع شخصية (ويلي لومان) في «وفاة بائع متجول» الشخص المنهزم، الذي اكتشف في النهاية أنه يعمل ويعمل حتى يبتني قبراً يسكنه. لقد استحوذ الحلم الأمريكي على شخصية ويلي لومان، واعتقاداً منه بإحدى قيم المدينة، التي تقول إن القوة تأتي بالمال. وأراد ويلي أن يحقق ذاته من خلال النجاح كبائع متجول، ولكن دافع الربح وغريزة المنافسة ومجموعة من ضغوط العمل تسببت بضعف في الشخصية، وأدى فشله المتكرر إلى فقدانه كل الاحترام لنفسه، وتدمير حياته الخاصة، وبات يشعر بعدم الأمان، وبأنه ليس رجل الأعمال الناجح الذي يدَّعيه، أو ما يأمله بمعنى أدق.
إن خطأ ويلي القاتل أنه بنى حياته ومفهومه للاحترام على كل شيء زائف تماماً، لقد فشل في الحياة إلا أنه يشعر بوطأة أكبر لذلك الفشل بسبب حقيقة افتراضه أن النجاح في الحلم الأمريكي متوافر لأي شخص (راجع عواد علي/آرثر ميللر استقرائي زمانه والزمان المقبل). وعلى العكس من ذلك، فرغم النجاح الذي حققه (فيلت) إلا أن مأساته تكمن في ذاته، فهو ابن هذا النظام الاقتصادي، وهذا النمط الحياتي، قبر الرجل هنا هو ذاته لا أكثر ولا أقل. «ذات مرّة حملت منّي فتاة رائعة كنت أعرفها منذ وقت طويل. أخجل من ذلك. أقنعتها بأن تحتفظ بحملها… لكن كان عليّ أن أنهي العلاقة أو أفقد زواجي… بعد سبعة عشر عاماً كنت أنهي إجراءات سفري، ورأيت هذا الشاب أمامي في الطابور. صورتي المنسوخة واضحة تماماً… كان ملبسه ينم عن فقره، وكانت نظرته تعيسه». ومن خلال الفكرة الكبيرة هذه يبدأ ميللر في مناقشة التفاصيل الاجتماعية والقضايا الوجودية الكبرى.. الحب، الصدق، الحقيقة والموت.

محاولات تأويل النص

يبدأ أسامة أبو طالب في رؤيته النقدية للنص المسرحي، من إرشادات ميللر إلى مخرج العرض، وقد نص في بداية المسرحية على أن المسرحية «يمكن أن تقدم على مسرح مكشوف، والمشاهِد يفصلها الضوء، وتوزيع وترتيب الأثاث والملابس». هذه التعليمات تبدو من النص نفسه وليست خارجه عنه، فديكور المستشفى لا يمكن تصوّره سوى مساحة بيضاء ناصعة، معقمة، باردة وشفافة، وكأنها شرايين نزفت في جسد، وبالتالي يصبح هذا الجسد أشبه بالجثة، رغم مظاهر الحياة ومحاولات إنقاذ المرضى، كما يوحي المكان وظيفياً، بما أنه مستشفى! هذا التقابل ما بين مكان الحدث وحالة الشخصية تنم عن مفارقة بالغة. الأمر أيضاً ينسحب على كافة الشخصيات في علاقاتها المتوترة ببعضها بعضا، فهم ضحايا لنموذج البطل الأمريكي، المليونير، الذي أصبح بطلاً مأساوياً عصرياً، يقوده قدره نحو مصيره، وفي سبيل ذلك يدمر الجميع. فالبطل هنا مُدمراً لذاته، بفعل ثقته في نفسه المُبالغ بها.

أوديب الأمريكي

ورغم أن ميللر دوماً يعبّر عن المجتمع الأمريكي بكل تنوعه وتناقضاته وصخبه، إلا أنه ينتقي شخصيات قليلة وأماكن محدودة للغاية وزمن محكوم بدقة، ليصوّر من خلال ذلك بطله المأساوي في لغة ومجتمع العصر الحديث. لم يعد أوديب ملكاً الآن، لكنه رجل أعمال ورأسمالي كبير، يحب المال والنساء، وبعضا من الحكمة، المتمثلة في موهبة قديمة أو حلم قديم في أن يصبح شاعراً! الأمر لا يخلو من حكمة متجاوزي الحد في الدراما الكلاسيكية، واليونانية بوجه خاص، وفي كل لحظة تتحقق مسيرته نحو سقوطه. «لماذا يجلس ملك الموت دائماً على كتفك، لديك من مقومات الحياة أكثر من أي شخص آخر؟». هكذا قالت له زوجته. وتبدو الصورة أوضح في التفاصيل الدقيقة، فالممرضة السوداء، التي بمجرد أن يستفيق «ليمان» يستنكر وجودها جالسة إلى جواره، إلا أنه في لحظات ضعفه يتوسلها البقاء «لا تتركيني وحيداً… من فضلك إجلسي معي». ويندهش ويتعجب بعد حواره معها، عن طبيعة حياتها وحوارها مع زوجها وطفلها، وسعادتهم بعد شراء أحذية مُستعملة تبدو وكأنها جديدة تماماً. لتصبح حياتها «معجزة» حسب تعبير «ليمان» نفسه. فميللر في النهاية يُعيد صياغة البطل المأساوي القديم، في قياسات وسمات عصرية، بإعادة تعيين مفهوم البطولة، اللعنة، الخطيئة وتدمير الذات، وصولاً إلى الكارثة. فالبطل يقوم برسم المنطق لأفعاله، رغم أنها مؤثّمة دينياً ومخالفة اجتماعياً، إلا أنه يؤمن أمام نفسه بأنه لم يؤذ أحداً. من هنا يبدو الفارق ما بين بطل سوفوكل وبطل ميللر، فبينما الغرور والغطرسة التي انتابت أوديب، وجعلته يتعجل سقطته، أو السير إلى مصيره المحتوم ــ الخطأ هنا يكمن في تجاوز الحد ــ يصبح البطل الأمريكي ممثلاً لعصره، الذي حتى النفس الأخير لا يريد ولا يرى مدى ما اقترف من أخطاء. فإن كان أوديب بدأ بعمى البصيرة وانتهى بعمى البصر، فإن (ليمان) منذ البداية وحتى نهايته لم يستطع الخروج عن صلفه، وأصبح نموذجاً للعائش يعمه في عمى بصيرته إلى الأبد.
………….
الكتاب: «الهبوط من جبل مورجان»..المؤلف: آرثر ميللر.. المترجم: عبد السلام إبراهيم، الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة المسرح العالمي.. 380. يناير 2016.

«الهبوط من جبل مورجان» لأرثر ميللر: الرأسمالية وضحاياها الأشد صلفا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية