الهجرة غير الشرعية ظاهرة أقلقت أوروبا وأرهقت ليبيا

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: لا يزال ملف المهاجرين غير الشرعيين يؤرق المضاجع في ليبيا ويثير مخاوف لدى العديد من الأطراف الفاعلة على الساحة الليبية. واحتدم الجدل حول هذا الملف في الآونة الأخيرة مع تزايد اعداد اللاجئين من تشاد والسودان والنيجر ومالي وإريتريا، بصورة غير مسبوقة، وبرزت على إثر ذلك دعوات أوروبية غير صريحة لتوطين اللاجئين تحت ستار «مراكز إيواء أو فرز اللاجئين» وذلك حسب ما دعا إليه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي أثارت تصريحاته بخصوص هذا الملف جدلا واسعا في ليبيا ورفضا من قبل النشطاء الليبيين.
ويؤكد مراقبون على أن الزيارات الكثيرة التي شهدتها ليبيا خلال اليومين الماضيين، مثل زيارة وزير داخلية ايطاليا ماركو منيتي التي اجتمع فيها لأول مرة بالمشير خليفة حفتر، وكذلك زيارة وزير خارجية فرنسا جون إيف لو دريان، ركزت في الأساس على إيجاد سبل لحل ملف الهجرة الذي بات يؤرق مضاجع القارة العجوز. وفي هذا الإطار خُصصت قمة باريس للهجرة التي انعقدت في قصر الإيليزيه يوم 28 آب/اغسطس الماضي لتدارس آليات وسبل حل معضلة القرن «الهجرة غير الشرعية».
ولا تشمل هذه الخشية من التوطين الليبيين وحدهم، بل تشمل أيضا جوارهم في الشمال الافريقي خاصة الجزائر الغنية والتي يعتقد أن لها القدرة على توفير مستلزمات الحياة للقادمين الجدد. فالجزائر على سبيل المثال تخشى من هذه المسألة ويبدو أنها رافضة تماما لهذه الفكرة وهو ما يفسر لدى البعض مسارعتها مؤخرا في إعادة مهاجرين من النيجر ومالي إلى بلدانهم كانوا قد عبروا إليها لإعادة العبور لاحقا إلى ربوع القارة العجوز.
كما أن تونس ورغم ضعف إمكانياتها طلب منها في قت سابق أن تكون حاضنة للمهاجرين غير الشرعيين لكنها رفضت على لسان رئيس حكومتها يوسف الشاهد خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا. كما أن المجتمع المدني والقوى الفاعلة رافضة بدورها لهذه الفكرة خاصة مع الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها البلد في السنوات الأخيرة.

لا للتوطين
 
حول الوضع في ليبيا والدعوات إلى توطين اللاجئين والإشكالات التي يثيرها قالت أميرة الجليدي الناشطة الحقوقية والأكاديمية الليبية في حديثها لـ»القدس العربي» انه «في الوقت الذي تنهك فيه البلاد وتنهب ثرواتها ويهجر أبناؤها، تبحث الدول الكبرى عن آلية لتوطين الافارقة في ليبيا». واعتبرت ان المجتمع الدولي يحمل ليبيا تبعات فشله وعجزه عن إنقاذ المهاجرين وعدم وفائه بالمعاهدات التي صادق عليها، فيصدر لها عجزه باعتبارها دولة عبور. وتساءلت «لماذا لا يتجه المجتمع الدولي إلى الدول المصدرة للهجرة أو إلى من يديرون الهجرة في صقلية والشركات الكبرى في أوروبا التي تبحث عن عمالة رخيصة؟» مشيرة إلى ان المسؤولين الايطاليين عقدوا صفقة مع شبكات التهريب لإيقاف هجرة هؤلاء النازحين من ليبيا إلى أوروبا. مضيفة ان: «الأوضاع في ليبيا سيئة سواء كانت على الصعيد الاقتصادي أو الأمني أو السياسي. كما ان الحياة الاجتماعية تأثرت بسبب الوضع وانعكس ذلك ارتفاعا في نسب الطلاق والعزوف عن الزواج بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتفشي الأمراض». وتؤكد انه لا يمكن الحديث عن توطين لاجئين في خضم هذه الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.
وتشير الحقوقية الليبية إلى ان مجلس الأمن أحال مؤخرا قضية المهاجرين إلى محكمة الجنايات الدولية. وأكدت على ان المهاجرين يتعرضون لانتهاكات كبيرة داخل مراكز الإيواء حسب تقارير بعثة الأمم المتحدة مؤكدة انه لا يمكن الحديث عن فرضية توطين المهاجرين في بلد تشوبه النزاعات المسلحة. وأضافت: «الدعوات لتوطين المهاجرين في ليبيا مرفوضة من قبل كل الليبيين وهذا مخطط غربي لوضع اليد على ليبيا بحجة المهاجرين، وبالتالي فان الأمر يعتبر مساسا بسيادة ليبيا. وهذا ما أكدناه من خلال بيانات المجتمع المدني والمجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية ومجلس النواب، وحذرنا ما تسمي حكومة الوفاق من أن أي اتفاق في هذا الاتجاه هو بمثابة الانتحار لتلك الحكومة». وأشارت إلى ان هناك ضغوطا كبيرة غربية تمارس على ليبيا بشأن التوقيع على اتفاقية 1952 بشأن اللاجئين والتي رفض الليبيون التوقيع عليها مؤكدة ان ما يسمى «المجلس الرئاسي» غير مخول لتوقيع اتفاقيات تمس بسيادة الوطن أو مقدراته لان الشعب الليبي هو الوحيد من يملك سلطة القرار».

أوضاع سيئة

وقال الناشط الحقوقي الليبي خالد الغويل لـ «لقدس العربي» ان أوضاع المهاجرين في ليبيا سيئة للغاية وذلك لافتقارهم إلى وسائل التغذية والصحة ومراكز الإيواء السليمة وهو أمر مدبر من مافيات الإتجار بالبشر عبر البحار. ويرجع ذلك أيضا إلى عدم استقرار الأوضاع في ليبيا إذ لا يوجد من يملك سلطة القرار لأن السلطة بيد الميليشيات والعصابات. وأكد على ان «عدة دول وعلى رأسها ايطاليا لم تف بتعهداتها مع ليبيا والمتمثلة في صرف القيمة المخصصة ضمن برنامج إعادة اللاجئين إلى أوطانهم».   
وعن أسباب تحول ليبيا إلى قبلة للمهاجرين أجاب قائلا: «ان ليبيا اليوم تحت سلطة العصابات والميليشيات الإجرامية التي استغلت المساحات الشاسعة والفوضى الدائرة مما جعل لمافيات الإتجار بالبشر حرية الحركة نتيجة غياب الدولة والقانون فأصبحت مرتعا لتدفق آلاف المهاجرين». وقال «ان هناك دولا داعمة لهذه التجارة البشرية القاتلة وعلى رأسها فرنسا باعتبارها الآن متواجدة في النيجر وتشاد التي تربطها حدود مع ليبيا وتراقب كل التحركات وتساهم في هذا التدفق ضمن إطار الحسابات بين الدول الكبرى والتي شاركت في إسقاط ليبيا وإغراقها في الفوضى العارمة».   
وعن أفق حل هذا الملف المؤرق قال: «يجب ان يتم تنفيذ الاتفاقية المبرمة ما بين الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي في طرابلس عام 2006 والتي تنص على ان تخصص دول الاتحاد الأوروبي ميزانية لإقامة مشاريع تنموية لدول المصدر التي يتدفق منها المهاجرون». وأشار إلى ان «المهاجر يبحث عن وسيلة للحياة والعيش وعندما تتوفر له المشاريع الإنمائية التي تشجع الشباب الافريقي وتحفزه على إقامة مشاريع صغرى ومتوسطة وطويلة المدى، حينها يتم القضاء على البطالة تدريجيا».
وفيما يتعلق بوضع الأطفال المهاجرين أضاف: «ان وضعهم سيئ جدا في غياب الدولة وعدم توفر أبسط مقومات الحياة مثل حليب الأطفال مع تفشي الأمراض. ورغم النداءات التي أطلقها الهلال الأحمر الليبي، فإن الحكومة لم تستطع القيام بأي شيء في هذا الملف». وقال ان صبراتة أصبحت الحاضنة الرسمية لتهريب البشر عبر البحر إلى أوروبا والآن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين متواجدون في المدينة.

دراسات ميدانية

وقال جمال المبروك، رئيس منظمة التعاون والإغاثة العالمية وهي منظمة مهتمة بمتابعة ظاهرة الهجرة واللجوء في ليبيا لـ «القدس العربي» ان منظمته تقوم حاليا بإجراء مسح وبحث حول المهاجرين المتواجدين في المجتمعات المحلية لمعرفة كيفية تواجدهم والغرض منه، وهل الهجرة إلى أوروبا أو البقاء في ليبيا يحصل بغرض العمل أو لأسباب أخرى.
ويستهدف البحث أيضا، وحسب محدثنا، المسؤولين في الجهات المحلية والرأي العام المحلي في كل منطقة يصلها فريق الباحثين التابعين للمنظمة ويستوضح منهم مدى قبول الجهات المحلية المسؤولة والأفراد لفكرة تواجد مهاجرين في مناطقهم. ويبدو من خلال الاستبيانات الأولية، وحسب المبروك، ان هناك رفضا شاملا وكاملا لفكرة أو دعوة التوطين وتواجد المهاجرين في ليبيا، وهي الدعوات التي يعمل المجتمع الدولي من خلال أوروبا على جعلها في ليبيا الأمر الذي يسبب حالة من الاحتقان لدى المؤسسات والمواطنين في ليبيا والمؤسسات التي تتعاون مع سلطات الاتحاد الأوروبي.
ويضيف قائلا: «إن آخر تعاون هو ذلك المتمثل في إبرام اتفاق يقوم على اتباع سياسة جديدة متفق عليها بين السلطات الليبية وبدعم من الاتحاد الأوروبي، وهي سياسة احتواء شبكات التهريب. وحصلت لقاءات ووعود من قبل المهربين بإيقاف الهجرة تجاه أوروبا مقابل تقديم مساعدات مباشرة لهؤلاء المهربين، وقد سبب هذا الأمر احتقانا في المناطق التي توجد فيها شبكات التهريب والمهاجرين في أماكن تجمعاتهم التي تشرف عليها هذه الشبكات».
وهو يؤكد على ضرورة إعادة النظر في السياسات المتبعة حاليا من قبل أوروبا تجاه ليبيا باعتبارها بلد عبور وأكثر البلدان تضررا من هذه الهجرة التي أزعجت وأرهقت الليبيين كثيرا. ويضيف المبروك: «تتلقى ليبيا، وحسب تصريحات مسؤولين رسميين، ما قيمته ثلاثين مليون دينار ليبي سنويا في السنوات الأخيرة، مقابل الإيواء فقط، وهو رقم كبير ويمكن أن يساعد المواطنين على حل مشاكلهم المتفاقمة والمتمثلة أساسا في المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وهناك أيضا مشاكل أمنية وحالة من الانفلات ما زالت موجودة في البلد».
وعبر المبروك عن استغرابه من دعوات المجتمع الدولي توطين المهاجرين في ليبيا، متسائلا هل يمكن لبلد يشهد حالة من اللا استقرار أن تتم الدعوة لتوطين أناس آخرين فيه؟ وهو يعتبر هذا انتهاكا لحقوق الإنسان التي يدافع عنها ومنظمته من خلال الدفاع عن حقوق المهاجرين. لذلك يحث السلطات الليبية على احترام حقوق المهاجرين أثناء احتجازهم واحترام كرامتهم وحقوقهم، فمراكز الإيواء الموجودة وفي كثير من الأحيان، ليست ملائمة للمعايير الإنسانية والدولية وهو ما يفرض المطالبة بتحسين أوضاعها.
ويضيف: «هنا على الأوروبيين ان يساعدوا على ذلك وخصوصا ايطاليا التي نعتبرها دولة عبور وتعاني من تواجد الأعداد الكبيرة للمهاجرين. وأعتقد ان لدى ايطاليا بعض الإشكاليات مع دول أوروبا الأخرى لتوزيع المهاجرين وقد صدرت في هذا الإطار تصريحات لمسؤولين ايطاليين يعبرون عن ذلك».
ويختم المبروك حديثه قائلا: «هناك مسؤولية أمنية تقع على عاتق المجتمع الدولي بكامل مكوناته الرسمية وعلى المنظمات الدولية والإقليمية والإغاثية. والمانحون أيضا فعليهم، أن يعدوا وينجزوا برامج تساعد المهاجرين على البقاء في أوطانهم من خلال إقامة مشروعات تنموية تساعدهم على الاستقرار في بلدانهم بدل القدوم إلى بلدان لا أمن ولا استقرار فيها، الأمر الذي يعرضهم إلى مشاكل وهم أصلا ضحايا لشبكات المهربين. وفي النهاية المجتمع الدولي بكامل أطيافه غير قابل لفكرة توطين المهاجرين على الإطلاق وهذا ما نؤكد عليه».

الهجرة غير الشرعية ظاهرة أقلقت أوروبا وأرهقت ليبيا
رفض ليبي لتوطين المهاجرين
روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية