الهجرة وفقدان الوطن في عين الغرب والشرق … ذكريات ضالة وواقع أضل

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: «ماذا يعني فقدان الوطن».. سؤال تم طرحه ضمن أنشطة معهد «جوته»، خلال ندوة أدبية أدارتها الصحافية المصرية أميرة الأهل، حيث استضافت كلا من الروائية والشاعرة الألمانية أوليركه دريزنر، والشاعرة السورية رشا عمران. وتمثل كل من الضيفتين تجربتين مختلفتين عن فكرة فقدان الوطن والمنفى، في ظل ظروف الحرب القاسية، وهذا ما عالجته الروائية الألمانية في روايتها «سبع قفزات من حافة العالم» عن الحرب العالمية، في مقابل ما تتعرض له الشاعرة السورية في كتاباتها عن الحرب الدائرة في وطنها سوريا. ولا يتوقف الأمر على فكرة الحرب وويلاتها فقط، بل يمتد إلى الآثار النفسية على مَن يُعايش أحداث العنف، حين يصبح مفردة من مفردات الحياة اليومية.

العودة والاغتراب

بدأ اللقاء بمناقشة الروائية الألمانية عن فكرة «فقدان الأب» في روايتها، وقالت عن ذلك إن فكرة غياب الأب جاء نتيجة للحرب، ووقوعه في الأسر، ولم يكن هناك من أحد يدرك مصير الأب، سواء كان حيا أم ميتا، وذلك بالضرورة ترك أثره البالغ على حياة الأطفال، فلم يمروا بالمراحل الطبيعية من طفولة ومراهقة، فتحملوا مسؤولية الأسرة ليكبروا قبل الأوان. واستطردت أوليركه.. الأب حين يعود من الأسر فإنه يعود شخصاً آخر، وأذكر أنني كنت في العشرين من عمري حين حكى لي أبي عن عودة جدي من الأسر، مؤكداً لي أنه قد عاد شخصاً آخر تماماً، ليس بسبب فقدانه الكثير من وزنه، بل إن نظرات عينيه مختلفة كما لو كانت لشخص آخر، عاد شخصا غريباً تماماً عن أسرته، وهنا تتجلى فكرة «فقدان الأب»، فالأمر لا يتوقف بالفقد المادي «الموت»، بل يمتد إلى ما هو أكثر من ذلك، إلى «الفقد النفسي»، فالأب العائد ما يزال يعاني من صدمة أهوال الحرب وويلاتها، بالإضافة إلى عذاب الوقوع في الأسر، ووصل به الأمر إلى محاولة الانتحار لعدة مرات.
وعن الفكرة نفسها، أكدت الشاعرة السورية رشا عمران أن الوضع في سوريا أكثر مأساوية، مؤكدة أن أكثر من %65 دون التاسعة عشرة من أعمارهم فقدوا آباءهم، كما أن هناك على الأقل 13 مليون مُهَجَّر داخل وخارج سوريا، وأكثر من 3.5 مليون طفل حُرموا من حقهم في التعليم، وتم قتل عائلات بأكملها ولم يبق منها سوى طفل أو طفلين. وترى الشاعرة السورية أن مشكلة الأطفال في سوريا أكثر عمقاً من مجرد غياب الأب أو الأم، بل يتجاوز الأمر إلى معايشة يومية للعنف، فيرى الطفل بعينيه مقتل أهله، كما يرى كل أنواع العنف والقهر تجري أمام عينيه وتُمارَس على أقرب المقربين إليه، مما سيخلق جيلاً مُشوَهاً، يصعب عليه التعايش مع العالم مرّة أخرى. وأكدت رشا على أن هناك حالة عجيبة من الفصام في سوريا، وهي واحدة من ضمن الحالات التي يختص بها الوضع السوري دون بلاد العالم أجمع، حتى تلك التي مرّت أو تمر بظروف مشابهة، فالأراضي السورية منقسمة بين جزء يعيش أهله حياة طبيعية، كما لو لم يكن هناك أي شيء، ومناطق أخرى تعاني ويلات الحرب والقتال، ولنا أن نسأل .. لو تم حل النزاع سياسياً في يوم ما، كيف سيتعايش الأطفال الذين عايشوا كل هذا العنف اليومي، مع أطفال آخرين لم يروا شيئاً وتسير حياتهم بشكل طبيعي؟

ذاكرة العجائز الطفولية

أما عن فكرة انتقال الذكريات من جيل إلى جيل، التي وردت في رواية الروائية الألمانية، فالأب في الرواية نقل كل آلامه إلى ابنته، وعن تأثير هذا على الشعب الألماني، قالت أوليركه، إن هناك «جيل أطفال الحرب»، وهم أولئك الذين ولدوا أثناء الحرب العالمية، وعايشوا ويلاتها، مما أثر عليهم تأثيراً نفسياً بالغاً. وتشير دريزنر إلى أنها قرأت الكثير من الأبحاث النفسية التي تعرّض موضوعها الرئيسي إلى كيفية حياة هؤلاء الأطفال بعد ذلك، وكانت هناك جملة يعرفها الشعب الألماني جيداً، فحين كان يشكو الطفل من الجوع والتهجير والتشرد، كان الرد على شكواه هو «لا تشكو .. فلتسعد بكونك مازلت حيا»، فكان الطفل يلتزم الصمت كاتماً شكواه بداخله، ولقد أوردت ذلك في الرواية. فهذا الجيل ــ الذي تعدى الثمانين من عمره الآن ــ ما يزال يعاني من ذكرياته المؤلمة، ويصل الأمر بالبعض إلى التعرض إلى كوابيس يومية تعكس مدى عذابه وما لاقاه من ظروف غير إنسانية، ونجد أن هذه التجربة المروعة جعلت من البعض قوياً، يستطيع مجابهة الحياة بكل قسوتها، بينما جعلت من البعض الآخر شديد الضعف، إلى حد الحاجة إلى علاج نفسي، والفئة الأخيرة تفوق الأولى بكثير.

عنصرية المجتمعات العربية

وعن تجربة التهجير والمنفى قالت رشا عمران، إن الشعب السوري يعاني الأمرين داخل سوريا وخارجها، فالمواطن السوري يشعر بالظلم والقهر لمغادرته الإجبارية لوطنه، فيتم تهجيره إلى دولة عربية أخرى، تعاني بدورها من مشاكل سياسية واقتصادية هائلة، لتزداد معاناة المواطن السوري، حيث أساس الفرد العربي في أي مكان وزمان هو أن يكون مأزوماً. واستطردت عمران أن هذه الأزمة أظهرت كم الأمراض التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، واصطدم الجميع بحاجز الحقيقة التي تكشفت عن عنصرية بالغة تسيطر على هذه المجتمعات، حتى في مصر تغيرت الأوضاع بعد أحداث 30 يونيو/حزيران، ليصبح أمل المواطن السوري هو الوصول إلى أي دولة أوروبية، وبالطبع يتم هذا عن طريق الهجرة غير الشرعية، عبر سماسرة الموت، ليلقي ما لا يقل عن عشرين مواطنا سوريا مصرعهم يومياً، خلال رحلات الموت هذه. أما الذي أثار دهشة عمران الشديدة هو ما يلاقيه اللاجئ السوري من عنصرية شديدة ومعاملة سيئة من أخيه الفلسطيني، الذي من المفترض أن تكون تجربته كلاجئ تجعل منه أكثر الأشخاص تفهماً لوضع المواطن السوري في منفاه الإجباري.
وأيدت أوليركه كلمات رشا عمران، وأضافت أنه على الرغم من تعاطف الشعب الألماني مع قضايا اللاجئين، إلا أننا نجد العديد من الحركات السياسية ترفض استقبالهم، على الرغم من مرور الشعب الألماني بهذه التجربة المروعة في فترة الحرب العالمية، ومن المفترض أن يجعله هذا أكثر تفهماً للقضية.

أن تكون حيا .. فهذا مدعاة للشعور بالذنب

وأضافت أوليركه أن هناك شعوراً قويا بالذنب يجتاح الشعب الألماني كله، لأنه هو من تصدرت النازية باسمه، ليعاني العالم كله ويلات الحرب، ليقع المواطن الألماني في أزمة بالغة، فكيف يشكو آلامه بينما تم إيلام العالم كله باسمه! فأصبح المواطن هو الجلاد وهو الضحية في الوقت نفسه، لكن آن الأوان كي نواجه هذا الآن، كي نخرج من هذه الحلقة المفرغة، ونضع التاريخ نصب أعيننا، فالشعب الألماني تمت معاملته معاملة سيئة جداً هو أيضاً، وأرى أنه قد دفع ثمن ما قامت به النازية مستغلة اسمه، وعلى الشعب أن يواجه كل ما يعترض طريقه للخروج من أزمة الإحساس بالذنب هذه. أما رشا عمران فتقول إن المواطن السوري يشعر الآن بالذنب لمجرد أنه ما يزال حيا، فبعد موت الأهل والأصدقاء يتسرب الشعور بالذنب، وكأن باستمرار حياته قد أقدم على خيانة من فقدهم.

الكتابة كعلاج ومحاولة للتعايش

ردا على سؤال مديرة الندوة أميرة الأهل، حول إمكانية معالجة الأديب لمشاعره الخاصة عبر ممارسة «الكتابة»، أجابت أوليركه، أن الموضوع الذي تعاملت معه في كتابها جاء نقلا لتجربة الآباء والأجداد، وعلى الرغم من صعوبة التجربة عليها إلا أنها كانت أكثر صعوبة بالطبع على والدها وجدها، وأكدت على أنها قد شعرت بما لاقته شخصياتها من معاناة، مشددة على صعوبة التجربة وآثارها النفسية عليها، إلا أنها خلال تجربتها الأدبية وعبر رحلة البحث والتنقيب في أحداث الماضي، أصبحت أكثر تفهما للسلوكيات التي لم تكن تفهمها ولا تجد لها تفسيرا، سواء من أبيها أو من جدها.
بينما أكدت رشا عمران على أن الكتابة هي سبيلها الوحيد للمقاومة، مؤكدة أنها مثقلة بالموت اليومي الذي يأتيها من وطنها عبر كل وسائل الميديا، والكتابة هي السلاح الوحيد، مشيرة إلى أن الأمر يختلف تماماً عن تجربة أوليركه، فهي حفيدة الذين عايشوا الحرب وويلاتها، مؤكدة أن ما تكتبه عن وطنها سوريا لا يمكن أن يوصف بالحيادية، وأن الكتابة الحقيقية عن الوضع السوري في حاجة إلى مرور فترة زمنية طويلة، ليتولد جيل جديد لا يحتل العنف مساحة من ذاكرته، ليتيح له الحياد والنظر إلى القضية ببعض الموضوعية، مثلما فعلت أوليركه في كتابها. من ناحية أخرى ترى عمران أن ما يحدث ترك أثرا كبيراً على ما تكتبه، وأن ما يجري في وطنها غير كثيرا من تفكيرها ومن كتاباتها، حيث تختلف الكتابة من المنفى، فهناك دائما الصراع الدائر بين ما عاشته وما تعيشه الآن، مما ولد لديها منهجية جديدة عليها في الكتابة، مؤكدة على أن الوحدة هي الرفيق الوحيد لمن يقيم في منفاه، فمن بقي من العائلة يعيش بعيدا، ومن بقي من الأصدقاء القدامى مشتتا في بلاد الدنيا، ليبقى السؤال الذي يؤرق تفكيرها وهو «كيف ستعيش كل هذه الأمور اليومية؟»، وأنها عبر ممارسة الكتابة فإنها تحاول أن تتفهم وضعها ووضع المجتمع الذي تعيش فيه، وعلاقة المجتمع السوري بما حوله من مجتمعات أيضاً.
ولا تجد عمران أمامها إلا الكتابة كي تستعيد شعورها بـ»التوازن»، وتقول إنها تكتب يومياً من أجل هذا ولأن الكتابة هي سبيلها الوحيد للتعبير، فالفن والأدب بوجه عام هو السبيل إلى استعادة الإنسان لتوازنه، أمام ما يحدث من أمور تفوق احتماله. وأكدت أوليركه على كلمات رشا قائلة إن الكتابة تتيح لها أن تعيش بطريقة مختلفة، وإنها تؤمن بوجوب التعامل مع الذكريات المؤلمة للإنسان، ومعايشتها ومواجهتها، مؤكدة على أن معجزة الأدب أنه يجعل الأديب يتلبس كل شخصيات عمله، ليمر بتجاربهم المؤلمة وبلحظات سعادتهم، فيتحدث بلسانهم ويستمع بآذانهم، وأنها كثيراً ما كانت تلجأ إلى الغناء والرسم لمقاومة آلام التجربة التي تكتب عنها، معترفة بأنها حاولت مراراً الهرب من الخوض في نقل هذه التجربة.

*أوليركه دريزنر/شاعرة وروائية ألمانية، من أعمالها … «أماكن مؤثرة»، «سبع قفزات من حافة العالم».
*رشا عمران/شاعرة سورية من أعمالها … «معطف أحمر فارغ»، «بانوراما الموت والوحشة».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية