الهجمات الإرهابية على فرنسا أصبحت حالة طبيعية والاتهام جاهز لأبناء الضواحي المهمشين والمحرومين

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي»: قصة فرنسا مع الهجمات الإرهابية لا تنتهي فبعد الهجمات ضد المجلة الساخرة شارلي إبيدو في كانون الثاني/يناير 2015 وهجمات العاصمة باريس في 13 تشرين الثاني/يناير 2015 لم تتوقف وتيرة الهجمات على فرنسا بطريقة تجعل من هذا البلد هدفاً للهجمات الإرهابية خاصة تنظيم الدولة الإسلامية.
ولهذا فالهجوم الأخير في مدينة نيس والذي استهدف محتفلين كانوا يحيون اليوم الوطني، في الذكرى السنوية التي تتخللها الألعاب النارية بيوم الباستيل لا يختلف في صورته عن بقية الأهداف التي ضربها التنظيم في الفترة الأخيرة من بروكسل في 22 آذار/مارس واسطنبول الشهر الماضي وبغداد ودكا فهي كلها أهداف مدنية وسهلة وتأتي في ظل خسائر يواجهها التنظيم في سوريا والعراق. ولم يعلن طرف حتى كتابة هذه السطور مسؤوليته عن هجوم نيس، إلا أنه يمثل تطوراً في أساليب الهجمات الإرهابية. ففي الهجمات الإرهابية الأخيرة التي نفذها ناشطون أو متعاطفون مع التنظيم كان السلاح المفضل فيها كلها هو الأحزمة الناسفة وبنادق إي كي -47 مع أنه في هجمات أصغر قام باستخدام الذبح كما في حالة رجل الشرطة جين- باتيست سالفينغ الذي قتل مع شريكته في بيته غرب العاصمة باريس في 22 حزيران/يونيو. وفي هجوم نيس الأخير كانت الوسيلة مختلفة فقد كانت شاحنة قامت بدهس المشاركين وقتلت 84 شخصاً وجرح 50 حسب آخر إحصائيات.

حرب أهلية

واستخدام هذا الأسلوب متناسق مع تصريحات لمدير المخابرات الفرنسية الداخلية باتريك كالفر الذي قدم في أيار/مايو شهادة أمام البرلمان الفرنسي حول هجمات باريس وحذر فيها من حرب أهلية في فرنسا بين المسلمين واليمين المتطرف. وسربت الصحافة الفرنسية شهادته هذه الأسبوع الماضي وتوقع فيها تطوير الجهاديين أساليبهم القتالية واستخدام السيارات المفخخة والمتفجرات لزيادة قوتهم ولم يستبعد استخدامهم غاز الريسين والقنابل القذرة في معركتهم ضد الدولة الفرنسية. وطالب المسؤول الأمني السلطات
بتعزيز قوة الشرطة من ناحية تزويدها بالتفويض القانوني لاعتقال أشخاص وتسليحها لمواجهة التحديات الإرهابية.
ولفت المسؤول الأمني إلى أن معظم الذين نفذوا الهجمات هم مواطنون من أصول شمال أفريقية بشكل يمنح اليمين المتطرف المبرر للتخلص من المهاجرين. وفي شهادته قال إن فرنسا تقف على شفا حرب أهلية ومواجهة بين اليمين المتطرف والعالم الإسلامي. وقال «عندما تنطلق الشرارة فستشعل كالبارود بشكل تصبح فيه فرنسا بلداً خارجاً عن السيطرة يتداولها معسكران عنيفان يريدان الإنتقام». وعبر كالفر عن مخاوفه من عمليات انتقامية في الضواحي التي يعيش فيها أبناء المهاجرين.
وترى مجلة» إيكونوميست» البريطانية أن هجوم نيس أيا كان منفذه جاء بعد تنفس فرنسا الصعداء لانتهاء منافسات كرة القدم الأوروبية التي تمت استضافتها فرنسا بدون عمليات إرهابية. وتؤكد الحكومة الفرنسية أنها في حالة حرب مع الجهاديين خاصة تنظيم الدولة. وخشيت السلطات الأمنية من حدوث هجوم إرهابي أثناء المباريات التي لم تخل من عنف مشجعي كرة القدم خاصة الروس. وقامت السلطات الفرنسية بنشر أكثر من 90.000 رجل أمن لحماية الملاعب واللاعبين والمشجعين. وانتهت المباريات في النهاية بدون حادث. إلا أن العنف ضرب مدينة نيس على الساحل الجنوبي لفرنسا في ليلة 14 تموز/يوليو حيث كانت الجماهير تحتفل بالألعاب النارية عندما تقدمت شاحنة من المحتفلين ودهست أعداداً كبيرة منهم. وقال صحافي كان في مكان الحادث «كان الناس حولي يركضون ويصرخون ويبكون. وعندما اكتشفت ما يحدث ركضت معهم». وبعد ذلك «قامت قناصة الشرطة بقتل السائق وأمطروا السيارة بالرصاص». وتقول المجلة إن حجم القتلى 84 شخصاً يجعل منه ثاني أسوا حادث إرهابي تشهده فرنسا بعد هجوم باريس العام الماضي والذي قتل فيه 130 شخصاً.

مشكلة غير عادية

وتعلق المجلة على الإجراءات التي اتخذتها الرئاسة الفرنسية من مد حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر اخرى والتعهد بملاحقة تنظيم الدولة وهزيمته في العراق وسوريا، قائلة إن مستوى القتل يظهر أن فرنسا تواجه تهديداً إرهابياً على مستوى عال أكثر من أية دولة أوروبية اخرى. وتربط المجلة المشكلة باعداد المتطوعين الفرنسيين في سوريا والذين يقاتلون في صفوف التنظيم. ويعتبر الشبان المسلمون الفرنسيون الأعلى نسبة من الدول الأوروبية الذين تطوعوا للقتال في سوريا.
ومن هنا تشير العمليات الأخيرة إلى أنها محاولة منهم لللإنتقام من الدولة التي تشارك في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الذي تقوده الولايات المتحدة. وتقول المجلة إن السلطات الأمنية تجد صعوبة في مراقبة الشبان العائدين علاوة عن المتعاطفين الذين أصبحوا متشددين في السجون أو من خلال متابعة الإنترنت. وترى «إيكونوميست» أن الهجوم على نيس يركز الضوء على أمران مثيران للقلق وهما: الذئاب المتوحدة التي تقوم بهجمات بناء على قرار فردي وتترك وراءها أضراراً كبيرة خاصة إن كانوا مستعدين للموت، ومن الصعب على السلطات الأمنية اكتشافهم ووأد خططهم في المهد. أما مظهر القلق الثاني فيتعلق بأن الإرهابي الذي لا يستطيع الحصول على السلاح والمتفجرات يمكنه استخدام أية وسيلة تتوفر له مثل سكين أو سيارة، مشيرة إلى أن اسلوب الدهس استخدمه الفلسطينيون من فترة لأخرى لدهس الإسرائيليين. واستخدم مريضان عقليان الهجمات في فرنسا عام 2014 في بلدتي دجيون ونان، ولم تكن لديهما صلة بالإرهاب. وتقول المجلة إن الهجمات الإرهابية تمثل للرأي العام الفرنسي والمسؤولين في البلاد حالة طبيعية جديدة. وتشير إلى أثر التهديدات الأمنية المستمرة على فرنسا، من ناحية حالة الطوارئ التي كان من المقرر رفعها في 26 تموز/يوليو والتي اقتضت نشر عشرات الالوف من الجنود في الشوارع وأمام محطات المترو وكانوا ينتظرون العودة لثكناتهم. ومثل بقية الهجمات فقد خلف الهجوم الأخير وراءه حالة من الدهشة والتساؤل عن سبب استهدافها من جديد.

لماذا فرنسا؟

وفي تحليل لشبكة «سي أن أن» الامريكية جاء فيه أن الهجمات التي نفذت في الماضي نفذها أفراد من المجتمعات المحرومة في فرنسا. وبحسب المحلل السابق في وكالة الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) «لديك مجتمع كبير محروم من شمال أفريقيا ولكنه مستبعد من المجتمع الفرنسي». وقال «لقد درست في فرنسا وعملت هناك وهم مستبعدون بشكل كلي»، مضيفاً انه «يزداد سوءا منذ هجمات باريس لأنهم يستخدمون المعلومات الشخصية ويوقفون الأشخاص من ذوي الملامح العربية في القطارات والحافلات ويقومون بفحص الهويات الشخصية وهو ما لا نفعله في هذا البلد. وكان الفرنسيون قساة، والتشدد بين الفرنسيين من أصول فرنسية في زيادة وليس في تراجع». وقال توم فوانتيس، المساعد السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) والذي عمل في المجلس التنفيذي للشرطة الدولية «إنتربول» إن الإرهاب المحلي هو مشكلة ضخمة تواجه أوروبا « لدينا جيل ثالث من المهاجرين الذين يتحدرون من المغرب والجزائر وليبيا وتونس. ولا يعدون أنفسهم فرنسيون حتى عندما يولد أبناؤهم في فرنسا ولا أولاد أولادهم». وأضاف أن «هؤلاء المهاجرين منحصرون في الضواحي ولا يندمجون إلا مع بعضهم البعض ولا يتم استيعابهم في المجتمع العام». ويرى فوانتيس أن الإرهاب المحلي أصبح قضية مثيرة للقلق بعد هجوم اورلاندو في فلوريدا وسان بيرناندينون في كاليفورنيا.

أسلوب جديد

ويشير موقع «دايلي بيست» إلى أن الهجمات بالعربات طرح في الأدبيات الجهادية منذ عام 2010. ونقل الموقع التحذير المشترك الصادر عن اف بي آي ووزارة الأمن الوطني في عام 2010 تحت عنوان «إشارة محتملة عن استخدام العربات التجارية الضخمة كسلاح»، وفي تحذير ثان نشر في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه تحت عنوان «استخدام الإرهابيين أساليب الدهس بالعربات» وجاء فيه: «اقترح الإرهابيون في الخارج إمكانية القيام بعمليات تعتمد على الدهس بالعربات – معدلة او غير معدلة- ضد الجماهير والبنايات والعربات الأخرى». وتقول الوثيقة « يمكن استخدام الهجمات ضد مواقع تزدحم فيها أعداد كبيرة من الناس بما في ذلك المناسبات الرياضي والترفيهية ومراكز التسوق». وجاء في الوثيقة «يمنح اسلوب الدهس بالعربات الإرهابيين ممن لا يستطيعون الحصول على المتفجرات الفرصة للقيام بهجمات داخلية وبأقل حد من التدريب أو التجربة». وفي هجوم نيس هناك تقارير تقول إن منفذ أو منفذي الهجوم كانت لديهم عربة مليئة بالمتفجرات والبنادق. وعليه فقد كان اسلوب الدهس إضافياً يعطي المنفذين الفرصة لاستخدام السلاح في مرحلة ما من العملية. وفي وثيقة أف بي آي- وزارة الأمن الوطني فإن الهجمات التي تمت الإشارة لها تحدثت عن الشاحنة/ العربة كوسيلة وحيدة في الهجوم لأنها هي المتوفرة. ففي عام 2006 ذكرت الوثيقة أن شخصاً كان يريد الإنتقام لقتلى المسلمين «قاد سيارة أس يو في لمكان يتجمع فيه الطلبة معروف بـ «الحفرة» بجامعة نورث كاليفورنيا وجرح تسعة منهم. واشارت الوثيقة لاستخدام جرافة في 2 تموز /يوليو 2008 في هجوم على إسرائيل وقتل أربعة. واستخدم الأسلوب نفسه منذئذ وإن بعربات صغيرة. ويقول الموقع إن المهاجمين الفلسطينيين كانوا يفضلون استخدام السلاح لولا القيود الأمنية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين. وفي السياق استخدم متمردون من الإيغور في الصين، عام 2013 هجوماً على جمهور في ساحة تيانامين بالعاصمة بكين حيث قتل سائق عربة «الجيب» 40 شخصاً. ويقول الموقع إن الإرهابيين يلجأون إلى استخدام العربات في الظروف التي لا تتوفر فيها الأسلحة أو تمارس الدول قيوداً أمنية عليه. ففي كندا مثلاً حيث التحكم في استخدام السلاح شديد قام متعاطف مع تنظيم الدولة بقيادة عربة واستهدف جنديان خارج مدينة مونتريال وقتل أحدهما.

نصائح إنسبير

وفي واحد من أعداد مجلة «إنسبير» (2010) التي كان يصدرها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية اقترح مقال على أتباع التنظيم على افراده قيادة عربة مزودة بمشط حاد كتلك التي تستخدم في قطع الأعشاب وفي هذه الحالة «حصد أعداء الله». ونصح الكاتب «باختيار المكان والزمان بطريقة جيدة» و «اذهب للأمكنة المزدحمة، وتعتبر المواقع الضيقة أفضل لأنها لا تسمح للناس بالهرب، وتجنب الأمكنة التي يمكن أن تعترضك فيها حافلة أخرى». وفي المقال نفسه «من أجل تحقيق أعلى عدد من الضحايا عليك ان تسوق بسرعة عالية وتتحكم بالسيارة بدرجة تستطيع فيها ضرب أكبر عدد من الأشخاص في الضربة الأولى. وعليك الإنتباه ان الناس عندما يعرفون ماذا تريد فسيتفرقون ويبحثون عن أماكن لا تستطيع العربة الوصول إليها ولهذا يجب أن تدرس مكان العملية بعناية».
ويرى كاتب المقال أن «المكان المناسب هو ذلك الذي يوجد فيه أكبر عدد من المشاة وأقل عدد من العربات «وفي الحقيقة لو استطعت المضي إلى الأمكنة التي يوجد فيها مشاة فقط كما مراكز المدن فهذا أمر رائع. وهناك أماكن تغلق في أوقات معينة أمام العربات بسبب إزدحام الناس». وعليه فموقع احتفال نيس هو المناسب والأكثر مثالية فيما اقترح كاتب مقال «إنسبير» على سائق العربة حمل السلاح معه إن توفر «لاستخدامه وإنهاء المهمة حالت تعطلت العربة أثناء الهجوم». وفي الهجوم الأخير فالسلاح كان جزءًا من العملية مثلما تم الاعتماد على شاحنة كبيرة وليس عربة بيكب. وأخيراً فقد قدنت الوثيقة الأمريكية الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2010 عدداً من التوصيات حول كيفية الكشف عن خطط استخدام عربات في هجمات من مثل حدوث نوع من التعديل الغريب على دراجة أو سيارة» شراء، استئجار أو سرقة شاحنة ثقيلة… وإن رافق عملية الشراء حالة من العصبية للمشتري أثناء عملية الشراء أو دفع الثمن نقداً أو عدم معرفة عمل العربة- مثل عدم القدرة على قيادة السيارة والإلتزام بالخطوط المخصصة لسيرها وعدم معرفته بأساسيات العربة وأجهزتها. وهناك بعض الإشارات عن استخدام عربة للدهشة هي قيادة السيارة بطريقة جنونية وفي أوقات وأمكنة غير عادية خاصة تلك التي يستخدمها المشاة. ومن العلامات التي تمكن الأمن من إحباط عملية من هذا انلوع هي محاولة السائق الدخول في مناطق مغلقة.

الهجمات الإرهابية على فرنسا أصبحت حالة طبيعية والاتهام جاهز لأبناء الضواحي المهمشين والمحرومين

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية