وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف نجح في هذا الاسبوع في استفزاز اردوغان. وهذه ليست المرة الاولى. «يجب أن يشارك الاكراد في المفاوضات السياسية كي تعبر النقاشات عن جميع التيارات»، قال وزير الخارجية الروسي عشية عقد مؤتمر المفاوضات أمس في جنيف من اجل التوصل إلى حل في سوريا. في كل مرة يذكر فيها مسؤول روسي أو أمريكي الاكراد في سوريا على أنهم طرف شرعي يستحق التمثيل، يهتز الكرسي في أنقرة. مثلما تقوم الولايات المتحدة وروسيا بتحريك الأنف عندما تطالب تركيا بالمشاركة في احتلال الرقة المعقل الاكبر والاهم بالنسبة لداعش.
الاستراتيجية التركية شفافة إلى درجة كبيرة. وهي تسعى إلى تقسيم الجبهة الشمالية في سوريا جغرافيا لمنع أي تواصل جغرافي للاكراد. واذا انضمت إلى احتلال الرقة عن طريق الخط الذي يربط بين مدينة تل ابياد القريبة منها، تستطيع دق اسفين بين القوات الكردية، وبهذا تمنع التواصل. ولكن الولايات المتحدة وروسيا تعتبران أن القوات الكردية هي عامل حيوي في الحرب ضد داعش، وهما تخشيان من أنه إذا سمح لتركيا بتحقيق استراتيجيتها، فيحتمل أن يترك الاكراد المعركة ضد داعش ويركزون على القتال ضد القوات التركية وشركائها من مليشيات المتمردين.
في هذه المليشيات يوجد ايضا تنظيم احرار الشام، وهو جسم إسلامي راديكالي جزء منه يؤيد ايديولوجيا القاعدة وانضم إلى جبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقا، التابعة للقاعدة. ولكن في مقابل الاستراتيجية التركية لا توجد للولايات المتحدة استراتيجية بديلة، باستثناء تصريحاتها العامة بأن «القضاء على داعش هو الأولوية الاولى للادارة»، كما قال الرئيس ترامب. وأن الولايات المتحدة تؤيد فكرة اقامة اماكن محمية أو مناطق فاصلة، من اجل وضع اللاجئين السوريين فيها. أين ستقام هذه المناطق؟ وأي قوات ستشارك في الدفاع عنها؟ وماذا ستكون الخطوة التالية بعد اقامتها؟ الادارة الأمريكية لا تقدم أي اجابات على كل هذه الاسئلة. اضافة إلى ذلك، فكرة المناطق المحمية غير مقبولة على معظم اعضاء التحالف الدولي الذي يخشى من التدخل العميق في سوريا. والخوف هو أنه بدون هدف واضح حول كيفية انهاء الحرب، فإن هذه المناطق قد تجتذب قوات اجنبية اخرى لفترة زمنية غير معروفة.
تركيا، التي ضغطت في السنوات الاخيرة من اجل اقامة مناطق آمنة في سوريا، تتحفظ من الفكرة الأمريكية الضبابية، في الاصل سعت الخطة التركية لاقامة مناطق تبرر وضع قوات تركية ودولية تمنع الاكراد في سوريا من السيطرة على الحدود بين تركيا وسوريا. ولكن على ضوء التأييد الروسي والأمريكي للاكراد، تخشى تركيا وبحق، أن تكون قوات مشتركة سورية وكردية مسؤولة عن أمن هذه المناطق. وهكذا يحصل الاكراد على الشرعية الدولية. ومن خلال المساعدة والسلاح المتقدم يمكنهم في المستقبل اقامة كيان كردي مستقل، أو على الاقل كبح التقدم التركي.
في ظل غياب استراتيجية أمريكية، تكتفي ادارة ترامب بارسال عدة مئات من المقاتلين ومرشدين أمريكيين إلى منطقة الرقة كي ينضموا إلى القوات المشتركة من الاكراد والسوريين، التي تعمل معا تحت مظلة ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية». ولكن لا يمكن اعتبار نزول هذه القوات هذا الاسبوع تغييرا دراماتيكيا في سياسة الولايات المتحدة، التي ما زالت ترفض التدخل البري الواسع في سوريا. عمليا، لم يقدم ترامب حتى الآن سياسة تختلف عن تلك التي انتهجها اوباما رغم أنه اعتبرها استراتيجية «سيئة وضعيفة».
على المستوى السياسي ايضا لم يقدم ترامب افكار جديدة، منذ أعلن أن الولايات المتحدة لا يجب أن تتدخل في اسقاط انظمة في العالم، وقصد بذلك الاسد، لم يقدم البيت الابيض ووزارة الخارجية الأمريكية أي خريطة طريق توضح مثلا ماذا ستكون مكانة الاسد في الحكومة الانتقالية، وما هو النظام المطلوب، وهل ستشارك الولايات المتحدة في عملية اعمار سوريا، وكيف تنظر إلى زيادة تأثير روسيا في الشرق الاوسط بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص. صحيح أن ترامب يتحدث عن إيران كتهديد أكبر ولا يكف عن التهديد في فرض عقوبات أو «مراجعة» الاتفاق النووي، ولكن في نفس الوقت تمتنع الادارة عن القول إذا كانت الادارة الأمريكية ستتدخل من اجل كبح تأثير إيران في سوريا، وسؤال آخر هو هل يوجد تفاهم بينه وبين روسيا حول مكانة إيران، أم أن ترامب يترك موضوع إيران وحزب الله لإسرائيل، ويعتمد على التنسيق الوثيق بين إسرائيل وروسيا.
في ظل غياب التوافق على صيغة دولية تقدم الحل للحرب، فإن مليشيات المتمردين عالقة ايضا في طريق مسدود. المساعدات الخارجية التي تحصل عليها في تناقص. وتتحول الاهداف الاستراتيجية إلى اهداف تكتيكية تسعى إلى فرض وجود عسكري معين، أو الحفاظ على الوضع الراهن حيث لا يستطيع النظام القول إنه قادر على حسم المعركة. وقد ولدت في هذا الاسبوع معركتان محليتان، الاولى في دمشق والثانية في حماة، على الخط بين حمص وحلب. صحيح أن المعارك في دمشق فاجأت الجيش السوري، ولكن خلال وقت قصير استطاع تنظيم صفوفه ونجح في استعادة جزء كبير من الاحياء التي سيطر عليها المتمردون.
قوة المتمردين الاساسية التي هاجمت دمشق تعتمد على مقاتلي جبهة فتح الشام وعدة تيارات تؤيدها. ويبدو أن النية كانت تأخير تقدم القوات السورية نحو احياء في الجزء الشرقي من دمشق، حيث تتركز قوات جبهة فتح الشام. لكن احتلال دمشق كلها؟ هذا الهدف بعيد عن قدرة هذه المليشيا. الجبهة الثانية في مدينة حماة، حيث قتل عشرات المدنيين في الهجمات المتبادلة بين قوات النظام وسلاح الجو الروسي وبين المتمردين. حماة هي مدينة رئيسة من اجل السيطرة على غرب سوريا. ومليشيات المتمردين التي معظمها من التيار الإسلامي الراديكالي تنوي السيطرة على المطار وعلى مشارف المدينة.
تحدث المتمردون في الايام الثلاثة الماضية عن انتصارات محلية أدت إلى تراجع جزء من قوات النظام. ولكن مثلما أكدت التجربة في هذه المناطق، فمن المتوقع تدخل القوات الجوية السورية خلال وقت قصير من اجل القضاء على القوات المهاجمة. مثلما في دمشق وحماة، هذه الانتصارات التكتيكية لا يمكنها أن تحسم عسكريا، وحسب بعض التقديرات، مطلوب من المليشيات الاستمرار في القتال، من اجل تبرير المساعدة التي تحصل عليها من متبرعين افراد أو منظمات تعمل في الدول العربية، وبدون هذه المساعدات لا تستطيع البقاء. يبدو انه منذ هزيمة المتمردين في حلب واتفاق انسحابهم من حمص، فإن جزءا كبيرا من المليشيات يجد صعوبة في ايجاد اهداف جديدة تضمن الانتصارات، هذا الوضع قد يدفع المليشيات إلى الليونة والاعتدال في المفاوضات السياسية، ولكن يجب اولا أن تتفاهم داخليا. خاصة وأن هناك اربع مجموعات منفصلة للمفاوضات، كل واحدة لها داعم يفرض عليها التصرف، مجموعة تؤيدها روسيا واخرى تؤيدها السعودية، والثالثة تأسست في القاهرة والرابعة قد تتكون من ممثلين اكراد.
يبدو أن إسرائيل التي تخاف من الترسخ الإيراني في هضبة الجولان تبالغ في تقدير الاخطار، لأنه من اجل أن تستطيع إيران فعليا فرض قوتها في هضبة الجولان، ستحتاج إلى التغلب على مليشيات المتمردين العاملة في جنوب سوريا، واقناع الدروز في منطقة السويداء على العمل إلى جانبها والمخاطرة بمواجهة مع روسيا وإسرائيل. لكن في الوقت الحالي تخدم التصريحات الإسرائيلية جهود اقناع ادارة ترامب ضد إيران، وايضا كي تعمل الولايات المتحدة في الاراضي السورية.
هآرتس 24/3/2017