كانت ولادتي في أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1940 في ذلك المنزل الذي استأجره والدي أو استعاره من القمندان، ويقع في مدخل الحوطة عاصمة لحج من جهة عدن أثناء تلك الفترة من الحرب العالمية، التي أطلق عليها العدنيون «الهربة». ولعدم وجود مستشفى ولادة، بل عدم وجود أي مستشفى في تلك المدينة في ذلك الزمان كما أظن، قامت جدة والدتي زينب أم محمد علي لقمان بدور القابلة. وكانت هي من اهتم بتربية والدتي بعد أن فقدت والدتها سنة 1928 وهي في السادسة من عمرها، وقد تزوجت من والدي سنة 1937 وهي في الخامسة عشرة. كانت جدتي زينب تعرف «بالوالدة» عند كل أفراد الأسرة الموسعة، وقد رأيتها آخر مرة عندما ذهبت لتوديعها سنة 1960 قبيل سفري لدراسة الهندسة في جامعة أبردين باسكتلندا ثم علمت بوفاتها وأنا هناك، رحمها الله.
كانت امرأة محبة للخير وقد تربى على يديها كثير من الأطفال بعضهم من غير أفراد الاسرة، منهم على سبيل المثال طفلة تزوجت فيما بعد الشيخ عبد اللطيف الشعبي شيخ مشيخة «شعب» في بلاد الصبيحة، وقد أنجبت له فيصل عبد اللطيف الشعبي (1936-1970) واخته التي تزوجت من السيد قحطان الشعبي (1923-1981) أول رئيس لجنوب اليمن بعد استقلاله. أما فيصل عبداللطيف (1936-1970) فقد كان أول رئيس للوزراء في جنوب اليمن بعد استقلاله، وقد صفاه النظام الشمولي جسديا وهو في السجن، مدعيا أنه حاول الفرار. وكان فيصل الشعبي من مؤسسي فرع حركة القوميين العرب في جنوب اليمن، كما لعب دورا رئيسا في تأسيس الجبهة القومية التي تسلمت الحكم من بريطانيا والتي قضت عليه في صراع على السلطة.
وأظنني التقيت فيصل عبد اللطيف مرة واحدة فقط في حياتي، عندما حضر عقد قراني في أغسطس/آب سنة 1968 في منزل خالي ووالد زوجتي الشاعر والصحافي علي محمد لقمان في منطقة صيرة بعدن. ولعله حضر الحفل مجاملة لوالد زوجته صالح علي لقمان الابن الثاني «للوالدة» زينب وشقيق جدي محمد علي لقمان، وكان جدي صالح لقمان أحد شهود عقد القران. أما الشاهد الآخر فقد كان خال والدتي حمزة محمد ناصر، وكان من أعيان عدن، وكانت ابنته زوجة لعبد العزيز عبد الغني رئيس الوزراء الأسبق لليمن ورئيس مجلس الشورى، الذي توفي جراء إصابته في يونيو/حزيران 2011 في الانفجار الشهير في مسجد النهدين، الذي قصد منه إصابة الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.
وبعد انقلاب الحزب الشمولي الحاكم في عدن على قحطان الشعبي واعتقاله هو وفيصل الشعبي وبعض أنصارهما، انتقلت زوجة فيصل لتسكن في المعتقل مع زوجها بطلب منها، ولكن قبيل تصفيته طلب منها المسؤولون عن المعتقل العودة إلى منزلها. ولاشك أن هذا الحادث يصلح مادة لرواية جريمة سياسية أو فيلم سينمائي درامي، وقد يستطيع مؤلف مثل تلك الرواية أو السيناريو أن يستقي بعض المعلومات من أناس مازالوا على قيد الحياة. وأنا هنا أتذكر على سبيل المثال ما أنجز سينمائيا أو روائيا عن خطف السياسي المغربي المهدي بن بركة. والحقيقة أن تاريخ اليمن الحديث شمالا وجنوبا حافل بأحداث درامية عنيفة مثل، مصرع الرؤساء الحمدي والغشمي وسالمين، ومذبحة 13 يناير/كانون الثاني 1986 الذي ذهب ضحيتها كما يقال عشرة آلاف خلال بضعة أيام، وإن كانت هذه الأرقام لا تبدو اليوم ضخمة جدا في ضوء ما حدث ويحدث في بعض بلدان ما يعرف بالربيع العربي.
أعود إلى قصة ولادتي فبعد «الهربة» عدنا الى عدن واستقر بنا المقام في الدور الأول من منزل جدي المكون من عمارة من أربعة طوابق وسطح، مبنية من الحجر في مدينة التواهي ميناء عدن، وقد سماها البريطانيون «ستيمر بوينت» أي نقطة لقاء البواخر، وأظن تلك البناية سنة 1927 ظلت لفترة من الزمن أعلى عمارة في مدينة «التواهي»، وكنا نسكن مع والدي في الدول الأول بينما يسكن جدي وأولاده في الأدوار العليا، أما الدور الأرضي فأظنه كان مؤجرا كدكان. وأذكر أنني عندما كنت طفلا كان يسمح لي أحيانا بالصعود في المساء إلى السطح، الذي يطل على أحد دور السينما فأشاهد فيلماً أو جزءا من فيلم من دون التمكن من سماع الحوار لبعد المسافة بين المنزل ودار السينما. وكان جدي عندما بنى البيت أضطر إلى الانتقال إليه مع والدته وأولاده قبل اكتمال البناء تماما هربا من الطاعون الذي اجتاح عدن في تلك الفترة وفتك بالآلاف، فقد كان على كل حال منزلا جديدا غير موبوء. ومنزل جدي مازال قائما، وقد وجدت صورته في صفحة الويكيبيديا الرئيسية في شبكة الإنترنت الخاصة بعدن. والشارع الجانبي بقرب المنزل يحمل اسم جدي عبده غانم منذ وفاته، أما الشارع الرئيسي أمام المنزل فيحمل اسم والدي منذ سنوات قليلة كنوع من التكريم لذكراه.
كانت في أحد الشوارع بالقرب من منزل جدي غانم في التواهي في تلك الفترة علامة مرور تختلف عن الإشارات الأخرى التي كنت أعرفها مثل إشارة «ممنوع الدخول» مثلا، فسألت والدي عنها فأخبرني أنها إشارة وضعت أثناء الحرب العالمية الثانية، كإشارة لموقع تجمع سكان الحي أثناء الغارات الجوية، وكان والدي ضابطا متطوعا في الدفاع المدني في سنوات الحرب. لذلك كان لديه في أحد دواليب المنزل كمية من الكمامات لتوزيعها على سكان الحي في حال هجوم عسكري بالغازات السامة. وقد أعطانا تلك الكمامات لنلعب بها بعد انتهاء الحرب، وأذكر أن المطاط الذي فيها كان يتمزق أو يتفتت بسهولة بسبب رداءة المطاط في ذلك الزمن، وبسبب حرارة الطقس في عدن، وكان ذلك قبل دخول المكيفات إليها بأكثر من عقد من الزمان.
وذات يوم عام 1945 وأنا بين الرابعة والخامسة من العمر قالت لي والدتي: «أدخل غرفة والدك ومد يدك هكذا وقل له أهنئك فقد حصل على جائزة». بعد شيء من التلقين فعلت كما وجهتني فاحتضنني والدي، وأظن شقيقي قيس فعل الشيء نفسه ربما قبلي. علمت بعدها أن والدي كان قد حصل على جائزة شعرية من هيئة الإذاعة البريطانية، وكانت تلك المناسبة أول مرة أسمع ذكرا لشيء أخذ اهتماما كبيرا في حياتي في ما بعد وهو الشعر. وقد قدمت هيئة الإذاعة البريطاني جهاز راديو ضخما يعمل بالصمامات اللمبات قبل اختراع الترانزستر بأعوام طويلة، جائزة لوالدي أو جزءا منها على فوزه في المسابقة، وكانت اثنتان من عماتي كثيرا ما تنزلان من الدور الثاني حيث تسكنان مع جدي لتستمعا للراديو معنا في المساء.
في واقع الأمر كانت تلك سادس – وآخر- مسابقة شعرية يشارك فيها والدي، إذ كان قد نال الجائزة الأولى في مسابقة جمعية العروة الوثقى في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1936 ونال كأسا فضية هي اليوم بحوزتي. وكانت تلك الجمعية قد استعارت لاسمها عنوان الصحيفة الشهيرة التي أنشأها جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده أواخر القرن التاسع عشر للدعوة لنهضة الأمة. وكان الذي يشرف على مجلة الجمعية التي كانت تحمل عنوان «العروة الوثقى» في الجامعة ببيروت، المفكر العروبي المعروف قسطنطين زريق، وكان والدي سكرتيرا للجمعية في مرحلة من مراحل دراسته هناك. وقد عاد والدي بشهادة بكلوريوس في الأداب بدرجة ممتاز، وكان الأول على كلية الآداب، بل كان في الواقع أول خريج من جامعة حديثة في الجزيرة العربية، أي المنطقة التي تشكل اليوم اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي.
ثم نال والدي خمس جوائز في مسابقات شعرية في سنوات الحرب العالمية الثانية بين 1941 و1945. وكانت تهنئتي له المذكورة أعلاه على فوزه في المرة الأخيرة، حيث حصل على الجائزة العالمية الثانية والجائزة المحلية الأولى في الوقت نفسه (والواقع أن والدي نال الجائزة المحلية الأولى في كل المسابقات الخمس، وأيضا بعض الجوائز العالمية). وكانت قصيدته الأخيرة بعنوان «رهين المحبسين» ومنها هذه الأبيات بدون توال:
شاعر الحكمة بين الشعراء ** وحكيم الشعر بين الحكماء
ألف عام بيننا مرت كما ** تنقضي في الفجر أحلام المساء..
هكذا المجد لمن يطلبه ** كل مجد غيره رهن انقضاء..
وإذا الشعر سمت أغراضه ** كان فيضا من شعاع الأنبياء
رب أعمى مهتد في سعيه ** وبصير ضل في تيه الغباء
إنما عين الفتى في قلبه ** ما تفيد العين محروم الذكاء..
لم يكن يرضيك سجن واحد ** حالك فاخترت سجنا من بناء..
غنت الدنيا فلم تحفل بها ** ورأيت العيش فيها كالهباء..
وكان من الذين اشتركوا في تلك المسابقات من اليمن الشاعر أحمد حامد الجوهري صديق والدي الذي عمل مديرا لمدرسة قرية «الحسوة» ونال في إحداها الجائزة المحلية الثانية.
أما خالي الشاعر علي محمد لقمان فقد كتب قصيدة بعنوان أبو العلاء المعري، نشرها في صحيفة «فتاة الجزيرة»، ثم في ديوانه الثاني «أشجان في الليل» ومنها:
لئن عشت في الدنيا كفيفا فإنما ** عيون الكفيف العبقري شعور..
(عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ** وصوت إنسان فكدت أطير)
وإن كنت رهن المحبسين فإنما ** لك الكون كرسي وأنت أمير..
ولكن علي لقمان لم يشارك في المسابقة إذ لم يكن له الحق في ذلك، لأنه كان يعمل في تلك الفترة مساعدا للمستشرقة الشهيرة «فرايا ستارك» في مكتب النشر بعدن وكان ذلك المكتب له علاقة رسمية بهيئة الإذاعة البريطانية.
ومن الذين اشتركوا في إحدى تلك المسابقات شاعر اليمن الكبير أبو الأحرار محمد محمود الزبيري بقصيدة جميلة ولكن الفوز كان من نصيب والدي. وقد قال الشاعر زيد الموشكي يومها لوالدي بأن شيطانه كان فلسطينيا، وكان يقصد أن المحكمين في المسابقة أو أحدهم كان فلسطينيا وقد فضل شعر والدي على شعر الزبيري الذي كان يعد أكبر فحول الشعر في اليمن المتوكلية قاطبة، وقد أسبغ عليه السيف أحمد بن يحيى حميد الدين عندما كان وليا للعهد لقب (شاعر الأمير) قبل فرار الزبيري إلى عدن وإنشاء حزب الأحرار مع الشيخ أحمد محمد نعمان وآخرين. وإلى ذلك يشير الزبيري في إحدى قصائده الموجهة لولي العهد:
قلدتني منصبا ضخما يسجل لي ** أني على الشعر نهاء وأمار
أكاد من لقبي يوما أطير به ** لو أن قوما على ألقابهم طاروا..
كان الزبيري في رأيي أهم شعراء الكلاسيكية الحديثة في معظم شعره، بينما كان والدي في تلك الفترة متأثرا بالتيار الرومانسي. وهو أول من أدخله في الشعر اليمني، حسب رأي نقاد مثل الدكتور الشاعر الناقد عبدالعزيز المقالح، وكما يدل على ذلك ديوانه الأول «على الشاطئ المسحور». وقد تأثر بوالدي بعض تلاميذه أمثال علي محمد لقمان ولطفي جعفر أمان من شعراء عدن، بل وأيضا ربما تأثر به من شعراء الشطر الشمالي أمثال إبراهيم الحضراني والسيد أحمد بن محمد الشامي، كما كتب الأخير في إحدى رسائله لوالدي، وكما أخبرني بذلك شخصيا، فقد كنا على اتصال في الثمانينات عندما كنت أدرس للدكتوراه في كارديف وهو يسكن في بريطانيا، وكان قبل ذلك قد تكرم بكتابة مقدمة جميلة لأول دواويني «بين شط وآخر».
وعندما كان الزبيري لاجئا في عدن قدم لوالدي كراسا مما يستخدمه طلاب المدارس يحوي بعض أشعاره الجميلة بخط يده وكتب في أدناها إهداء قال فيه: «إلى صديقي الشاعر العالمي العظيم والمربي الوطني الشهير الأستاذ السيد محمد عبده غانم أهدي هذه القصائد المتواضعة التمس بها لديه قرابة روحية قريبة وصلة أدبية شديدة وأرتهن بها عنده طائفة من سلالتي الفكرية رمز قلب وتوقيع ضمير وذكرى صداقة خالدة «– صديقك محمد محمود الزبيري، 27 مارس/آذار 1945، مستشفى الشيخ عثمان.
وأذكر ذات يوم – أظنه كان في سنة 1945 وأنا طفل صغير- زيارة لعدد من الرجال المهيبين في اللباس اليمني الذي يرتديه الأعيان في الشطر الشمالي من اليمن لشقة والدي في الدور الأول من منزل جدي في التواهي وعلمت في ما بعد أنهم كانوا الشعراء الكبار زعماء حزب الأحرار الزبيري ونعمان والموشكي والشامي. ولعلهم كانوا قد جاءوا ليهنئوا والدي بفوزه بالجائزة الشعرية.
وللحديث صلة..
شاعر وأديب اماراتي
شهاب غانم