يوسف بزي يؤشر انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية، إلى أن «تفاهما» سعوديا ـ إيرانيا هو أمر ممكن، إن في لبنان أو في أي قضية أخرى. المسألة في لبنان أهون مما هي في اليمن أو في سوريا أو في العراق.
ما حدث في بيروت، بعد إرهاق دام سنتين ونصف السنة من الشغور في سدة الرئاسة، يوحي لنا أن التسويات ليست مستحيلة. وهي تظل أفضل من استمرار الاستنزاف، حتى ولو لم تكن «تسوية عادلة». هذا يشيع أملا ضئيلا لسكان منطقتنا. ليس فقط في تفاهمات إقليمية بل أيضا في تسويات «وطنية» مطلوبة لمجتمعاتنا، من السودان وليبيا ومصر إلى فلسطين والبحرين واليمن وسوريا والعراق.
لكن كل هذا هو إيحاء كاذب، فما جرى حقيقة هو «استسلام» فعلي. ما حدث هو أن هزيمة بلا حرب وقعت للطرف الذي رفض وصاية النظام السوري على لبنان ويرفض الوصاية الإيرانية المستجدة. هزيمة فادحة وواضحة اضطر معها المعارضون لـ«حزب الله» إلى الرضوخ لشروطه ولوصايته.
انتخاب ميشال عون هو انتصار لمرشح «حزب الله»، لا شك في ذلك. وإن بدا انتصارا محاصرا باحراجات واستحقاقات لا يريدها هذا الحزب. فاكتمال نصاب الدولة ومؤسساتها الدستورية يعيد لبنان إلى مسؤولياته والتزاماته. وهذا كان واضحا في «خطاب القسم» للرئيس الجديد، أي الالتزام بقرارات الأمم المتحدة وتبعاتها، الالتزام بموجبات عضويته في الجامعة العربية، الالتزام بمقتضيات الدستور ووثيقة الوفاق الوطني (1989)، كذلك ما يخص المعاهدات الدولية وما ينسجم مع ضوابط المجتمع الدولي.
ربما كان «حزب الله» يفضل أن يبقى عون مرشحه وحسب، مرشحا غير مقبول من الآخرين. مبادرة الآخرين إلى انتخابه، بدت وكأنها تقويضا مفاجئا للعبة الابتزاز التي مارسها الحزب طوال السنتين والنصف سنة من استعصاء الانتخاب: إما الحرب الأهلية أو الصفقة القذرة. كان «الفراغ الرئاسي» يمنح الحزب المذكور حرية في الحركة والعمل والسياسة من غير ضابط أو وازع، بل ووصاية غير مشروطة على اللبنانيين. الاستسلام كان أقصر الطرق لوقف الابتزاز.
لم يتوافر خيار آخر، الأمريكيون والعرب والفرنسيون شجعوا على قبول الهزيمة. الحماية الروسية للنظام السوري دفعت المعارضين اللبـــنــانيين إلى الإقـــرار بهـــزيمتـــهم. رئاسة ميشال عون صارت حتمية.
نظرا إلى تاريخه السياسي، السوريالي تقريبا والذي لا يخلو من الشطط، من الصعب جدا التكهن كيف سيمارس ميشال عون رئاسته، لكن يمكننا التكهن بأنه سيضيق ذرعا بمحدودية صلاحياته، ما قد يسبب أزمات متواترة بينه وبين أركان الحكم والسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. والأصعب هو التكهن بما سيفعله «حزب الله»، أكان داخل الحكومة أو خارجها، لكن حتما سيبقى حزبا يجر إلى لبنان تبعات تورطه في الحروب المعلنة والسرية، في المشرق العربي والخليج وحول العالم. لكن من السهل القول أن الزعيم السني سعد الحريري برئاسته للحكومة سيعود إلى النهج نفسه في حكومته السابقة وإن أكثر ضعفا وخذلانا: حد أدنى من الأمن والاقتصاد والدبلوماسية، والرضوخ لأمر واقع «دويلة حزب الله» الأقوى من الدولة، في قرار الحرب والسلم والحدود والسياسة الخارجية والمنظومة الأمنية والرقابية.
على الأرجح، يبدأ لبنان حقبة جديدة تترجم الشخصنة غير المسبوقة للتمثيل الطوائفي، بالتوازي مع الصقل التام للهوية الطائفية. لم يعد الماروني أو الأرثوذكسي أو الشيعي أو السنّي أو الدرزي..إلخ، ليعرّف نفسه إلا بهويته هذه. التجوهر في الهوية الطائفية الصافية بات تاما. وفي المقابل، انتهت كل طائفة إلى تنصيب «زعيم» أوحد مدى الحياة. زعامة قابلة للتوريث بطبيعة الحال. زعامة بالكاد تقبل أي منافسة. كل طائفة تتشخصن بذات زعيمها. ينطوي هذا الأمر على تفسير جديد لمعنى الوفاق الوطني: السلطة ستكون لأمد طويل قائمة على محاصصة دائمة ومعلومة بين زعماء الطوائف وحاشياتهم. قانون الانتخابات النيابية بل ونتائج هكذا انتخابات لن تخرجا عن هذه الحقيقة.
بهذا المعنى، الهامش المدني والعلماني والديمقراطي والليبرالي سيزداد هامشية في الحياة السياسية، ولو بقي مؤثرا في الحياة العامة ونضالاتها الحقوقية والثقافية. سيتراجع بالتأكيد نطاق الحريات السياسية والإعلامية وإن لم تمس الحريات الشخصية والاجتماعية. سنعيش في جمهورية تسودها أحط تفاسير الميكيافيللية للسياسة: إدارة الفساد. سيكون تمركز الثروات أشد بما يناسب تمركز السلطة بين هؤلاء الزعماء الحصريين، نرى ذلك منذ الآن مع التفاهمات والمحاصصات المتعلقة باستخراج النفط والغاز. سيكون توزيع الريوع والمغانم والمناصب الرسمية هو الشغل الشاغل لـ«الترويكا» الجديدة: نبيه بري، سعد الحريري، ميشال عون. ثلاثي السلطة الذي يترجم عمليا المثالثة الشيعية السنية المسيحية.
أدبيات ميشال عون وحزبه تنبئنا بحقبة تتصاعد فيها النعرة الطائفية بلا خجل، والأخطر هو التوجه الواضح لانتهاج سياسات عنصرية فجة تجاه اللاجئين السوريين والفلسطينيين، تفاقم من سواد الملف الحقوقي للدولة اللبنانية.
أخيرا، أظن أن «العهد الجديد» سيعود مرة جديدة ليكتشف الوهم نفسه بما يخص الفصل بين السياسة والاقتصاد أو «البيزنس» و«المقاومة». جميع اللبنانيين سيدفعون ثمن هذا الوهم مجددا.