متخفّفة من تونات النبرة النسوية العالية، تسرد الهنوف الدغيشم مقاطع سيرية من حياتها في ألمانيا كمبتعثة لاستكمال دراستها في طب الأسنان، وذلك في كتابها «فرايبورغ – رِقَّة العزلة» الصادر حديثاً عن الدار العربية للعلوم ناشرون، فهي تتحدث كذات أنثوية تجد نفسها مستفردة في فرايبورغ، أو هكذا انتبهت فجأة إلى معنى أن تتحمل قدر وجودها كذات، وأن تؤدي فروض الحياة بعيداً عما تسميه «الصخب الاجتماعي» الذي اعتادته في الرياض، مقارنة بما تستشعره من الهدوء الصارخ في المكان المختلف الذي استوطنها، وهي تحاول أن تقيم بشكل لا إرادي بعض العوازل النفسية بينها وبينه، إلى أن تحول «الارتباك والحساسية تجاه الغربة مع الوقت، ليس لمجرد تصالح، بل تباهٍ بهذه الغربة التي صنعت منها عزلة ووطناً صغيراً».
فرارها من القفص الاجتماعي بمعناه القامع للإرادة الفردية هو الذي وضعها على حافة الخوف والتحدي في آن، فللعزلة الباهرة نشوتها وضريبتها «أظنني وصلت إلى مرحلة أتباهي فيها بعزلتي، هذه العزلة رقيقة وملهمة، إنها تفتح لي أبواب تأملات لا تنتهي، فأشعر كأنني أتقافز داخلي من فكرة إلى أخرى، حتى المرور العابر للآخرين لا يمنح أفكاري إلا نمواً، ولا يزيد تأملاتي إلا سعة»، وعلى هذا الأساس كانت تتباهى «صرت ماهرة في صنع تلك المسافات، وفي تواصلي الاجتماعي على كل المستويات»، حيث أصبحت بعيدة عن ذلك الاعتياد الاجتماعي اليومي المستهلك «لا توجد أصوات للآخرين في ذاكرتي، لا حوارات تتكرر قبل النوم، لا تفسيرات لشيء حدث، فكل شيء عابر، لا أحد هنا، إلا أنا، وأنا بشكلي المتصالح مع ذاتي، لا أعرف متى تخلصت من الآخر، لكنني تعلمت أن أقدس فرادتي».
هذا ما أرادته لنفسها، أي بعض العزلة، كما تفصح عن ذلك المبتغى الذي تلبّس عنوان الكتاب بلغة رهيفة تعرف مراميها «قادتني العزلة إلى اكتشاف دهاليز روحي المعتمة، واكتشاف وكشف الضوء عن ملامحي الذهنية، فنفضت غبار الضجر وشاغبت الرتابة الساكنة في داخلي، لقد ركضت طويلاً وحيدة داخل مساحات توجساتي الداخلية الشاسعة الخائفة من كل ما هو مجهول وغير مدرك» إذ لم يكن ذلك الركض إلا خروجاً واعياً من مركزية (الأنا) إلى رحابة (الآخر) وإعادة ضبط المسافات المستوجبة للتماس مع الإنسان والمكان «كنت أرى الآخرين غرباء، والمدينة مختلفة، ولم يدم شعوري طويلاً، إذ سرعان ما أدركت أنني أنا هي الغريبة والمختلفة وليس الآخرون».
لا تريد الهنوف أن تروي بقدر ما تبدو مهجوسة بعرض وثيقة حياتية لما يمكن أن يحدثه الانتقال من المدار الضيق المسيج بالمحرمات الحياتية الصغيرة إلى فضاء واسع، ومتعة تحويل المكان العدو إلى مكان صديق، كما يبدو ذلك من حس المديونية التي تعلنها لفرايبورغ، بوابل من الأسئلة الإمتنانية التي تختزن إجاباتها «كيف تؤثر الأماكن في أرواحنا؟ كيف تعجننا، وتشكلنا، وتمنحنا ألوانها؟ وكيف تحيل أرواحنا الغريبة إلى أرواح طرية كما هي روحي الآن؟»، حيث تبدي فرحتها القصوى بامتلاك قدرتها على التعبير عن نفسها بدون الخوف من أن يُقبض عليها متلبّسة بمشاعرها «في فرايبورغ كنت متصالحة مع بكائي في الشارع، ربما لأن المدينة تبدو مسرحاً مفتوحاً وحقيقياً للإنسان، لا تزييف فيها ولا تجميل».
رِقَّة العزلة كتابة ليست منذورة لهجاء الرياض كحاوية اجتماعية، وكشف عيوب التمثيلية المسرحية التي يتقنها أهلها، ولكنها مؤسسة على المقارنة بين ما تهبه المدن المفتوحة والمدن التي تحرّم فيها متع الحياة البسيطة، حيث تستعرض بعض تلك الأماني المقموعة قبالة ما عاشته من انعتاق مكاني وروحي هناك «في الرياض لم أمش يوماً في الأزقة، ولم أجرب كيف لأقدامي أن تسير في الطرق الضيقة، لكن خيالاتي كانت تحمل تصوراً سينمائياً عن تلك الأماكن التي كثيراً ما ظننت أنها تحمل نكهة الحميمية»، ومقابل ذلك الحرمان صارت في فرايبورغ تمشي في شوارع أليفة وتجلس باسترخاء في الحدائق على مقاعد خشبية وتتسكع في الأزقة وتستمتع بموسيقى الشارع وصيحات الباعة وترتاد السينما، بل تجرأت على زيارة مقبرة غير مبالية بما يقال عن لعنة الملائكة لزائرات المقابر.
لهذا السبب قررت أن تكتب لتمكيث التجربة داخلها، وتوطين كل ما عاشته كخبرة جديرة بأن تُحكى، وهكذا قررت أن تسرد ما طرأ على روحها من تحولات «أكتب الآن، لأدون رحلة السير بقلق إلى نفسي، إلى ذاتي النقية، أكتب عن تحولاتي وما انتابني من تغيير في هذه المدينة الصغيرة، وبداخلي امتنان لكل العابرين غير المبالين، الذين صنع عبورهم الناعم حكاية في داخلي، أكتب لأن ذهني لا بد أن يحوّل كل صورة عابرة إلى كلمة، كل موقف إلى كلمة، رأسي لا يتوقف عن البحث عن الكلمات، وما يقلقني هو حاجتي إلى كلمة لا تأتي، إلى تعبير لا أستطيع الوصول إليه».
لم تتمكن الهنوف من التحرُّك في فرايبورغ بتلك الخفة الشعورية إلا بعد أن تخفّفت من عبء الثقافة المتحدّرة منها، حيث كانت في البداية تعتقد أن كل ما تواجهه يتعلق بشخصيتها، إذ كان زملاؤها يطلقون عليها ألقاباً ذات دلالة «الوحش- النفّاخة – العصبية» بسبب حس التحفظ المبالغ فيه، فهي لم تكن تصافح الرجال ولا تجلس إلى جانبهم في عربات النقل العام، بل لم تكن تتوافق مع زوجات أصدقاء زوجها، إلى أن أدركت أنها بحاجة إلى تبديد التوجس مع كل من حولها «سطوة ثقافتي في هذه الغرفة كانت على كتفي تراقبني وأنا أقلب الأدوار، أن عليّ أن أعرف متى أبدل دوري بين ثقافتين، ومتى أستقرئ الآخر وبأي ثقافة؟ لكن هذين الدورين، مع ما بينهما من مسافات شاسعة، يتبدلان بسرعة تفوق قدرتي أحياناً».
نوف مثقفة جداً، ومحبة للشعر والغناء، مفتونة بمحمود درويش وفيروز ومحمد عبده، تقرأ روايات أمين معلوف ويوسا وإبراهيم أصلان، وهذا هو زادها في الغربة، فالكتب تهبها مرونة روحية، حسب قولها، بالإضافة إلى حنينها كنجدية مزدحمة بذاكرة الجدات، حيث اقتربت من معنى عبارة الغربة مرة، واكتشفت أن بداخلها «امرأة تنحاز إلى مرارة الغربة تماماً كما تتذوق مرارة القهوة»، وفي المقابل هي لا تتثاقف، تتحدث عن كل ما تعانيه المرأة في السعودية من حرمانات كقيادة المرأة للسيارة والنقاب والاختلاط، وغيرها من القضايا التي تطاردها حتى وهي فرايبورغ، ولذلك تفرح كطفلة عندما تقتني دراجة هوائية لتستخدمها كوسيلة مواصلات إلى العمل، وتترفع عن أي حديث يستبقي المرأة في خانة الحريم «لا أحب الأحاديث حول إرضاء الرجل، والبحث عن كل طريقة للوصول إليه»، فقد تجاوزت أوهام العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة بالثقافة «أشعر الآن بانتصار على ترسباتي الثقافية، فالرجل هنا يعاملني بحيادية تامة، ليس ثمة تودّد مبالغ فيه، ولا ثمة تجاهل قاهر».
الحياة المزدحمة بالأهداف والأدوار والفروض العائلية، كانت توهمها أحياناً بأنها امرأة لا مرئية، وكانت تتمنى أن تتوقف قليلاً لتفهم بعض ذلك الذي ينحت روحها، أو كما تهدهد نفسها «أتذوق طعم سعادتي»، فهي الآن سعيدة ومتصالحة مع نفسها «لا توجد داخلي نساء يتصارعن لأجل التفكير بما يريد الآخرون، وماذا يناسبهم؟ هنا أنا مكتفية بذاتي، هنا أنا كاملة، هنا أنا بلا خجل، بلا تردّد ،، هنا أنا نقية، هنا أنا هي أنا فقط»، هنا امرأة اقتربت من «استعادة روحها النقية»، وهي الآن على وشك العودة إلى الرياض لتنحبس وراء جدار إسمنتي، بعد أن كانت تتأمل الوجود من خلال لوح زجاجي وستائر دانتيل طويلة في شقتها الفرايبورغية، إنها الأم والطبيبة والأنثى التي جربت الإنصات إلى صوتين: صوت يحميها وصوت يدفعها للتعايش مع الآخر، إمرأة عاشت قلق مغادرة الرياض وتعيش الآن قلق العودة إليها، امرأة تتساءل بانذهال «أي امرأة أصبحت الآن؟ ومن سأكون بلا هذه التجربة؟».
كاتب سعودي
محمد العباس