الهيبي الحلال (Halalhippie)

حجم الخط
0

كلمة واحدة مدمجة، الأصل من كلمتين: هيبي من حركة الهيبيين وتمرّد الشباب في الـ 68، وكلمة حلال هي الذبح على الطريقة الإسلامية. استخدم المصطلح لأول مرة من قبل ناصر خضر السوري من أصل فلسطيني، البرلماني الذي تنقل ما بين الأحزاب، كما تعاقبت عليه الألقاب ابتداء من البطل حبيب الدنماركيين، وانتهاء الى المهرّج والمتلوّن.
أطلق خضر الصفة بالأخص على الذين يسيئون فهم حقيقة المواقف المختلفة بمناصرتهم المطلقة للمهاجرين. ذلك كان عام 2000، من خلال مقالة نُشِرَت في جريدة «الإنفورميشيون» في أول استخدام لها وانتشارها بعد ذلك في الإعلام، ومن ثم انتقالها إلى كل من النرويج والسويد.
وقد أضافت لجنة اللغة الدنماركية الكلمة إلى قاموسها عام 2004 (معلومة جانبية تخصّ اللغة الدنماركية هي تميزها بخاصيتين أساسيتين معروفتين، أولاهما هي الكلمة أو المصطلح المدمج الذي يمتد إلى دمج ثلاث كلمات أحيانا في كلمة واحدة، بطريقة تمدّ اللغة بدقة شديدة وصورة متخيلة لا تقبل الخطأ، ثانيتهما هي روح السخرية التي تتطلب معرفة عميقة باللغة لاكتشافها).
يحضر المصطلح القديم هذه اللحظة لأنه كما ذُكِر أُطلق على اليساريين خاصة (المعادين لأمريكا)، حيــــث الكثــــير منهم أثبت فوضــــوية وعته التفكــــير اليساري للأسف، وحـــيث الموقف السياسي أو الأيديولــــوجي هو ما يحســـم موالاتـــهم في الغالب. مؤســـف حيـــن لا يبقى لديه من شــيء غـــير الكلمة النـــوستالجـــية: Fuck USA, Fuck Israel إلخ، يطلقها في كل مظاهرة وتعليق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تبقى اعتراضاتهم، احتجاجاتهم وصيحاتهم حبيسة مجتمع مثقفين ضيق، محض صدى يتردد في أماسٍ يدورون فيها حول أنفسهم من دون فعل ذي تأثير.
ونحن أيضا ضد المصطلح عينه بدرجة أشدّ، حين يستخدمه الجناح اليميني الضاري والشرس كالمنشار آكلا عبره صعودا ونزولا في الباطل.
والعلاقة في ما تقدم هي ردود الأفعال المختلفة في الإعلام المحلي والعالمي، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن قانون أطفال الغيتو (يخصّ تحديدا أطفال العوائل المتعبة ماديا واجتماعيا) الذي صدر مؤخرا من قبل الحكومة الدنماركية، حيث ينصّ على إرسال الطفل ابتداء من عمر السنة إلى الحضانة لمدة 25 ساعة أسبوعيا قسرا، كي يتسنى للطفل الذي يقيم في هذا البلد تعلّم اللغة، المجتمع والقيم الدنماركية، بخلافه تطبّق عليه عقوبات تنصّ على إيقاف «شيك الأطفال» وهو مبلغ لا يستهان به بالنسبة لدخل هذه الأسر، ومن ثم معاقبة الإدارات التي تتهاون في تطبيق القرار. قانون مجحف وعنصري بحت، وتدخّل صرف في حياة الإنسان وخصوصياته، ومحاصرة وتحرّش بكرامته، ما الذي تبقى من إنسانية هذا الشعب السعيد إذن؟
ليس من الضرورة أن نكون من اليسار كي نقول إنه نفسٌ ترامبي بحت (نسبة إلى ترامب) وقد أخذت سمومه تستشري، وكل عاقل بإمكانه تحسس ضياع البوصلة لدى السياسيين الدنماركيين. رغم أن وزيرة الأجانب والاندماج لن يرفّ لها جفن، ولا حكومتها التي تتكئ إلى الوراء مرتاحة لتوليها المهمة. كما إن القانون كان إجباريا من عمر الثالثة للطفل، فما سبب هذا التضييق وسياسة التذويب لا الاندماج؟
من جهة أخرى، وبعيدا عن كل ما درج، لو نظرنا من الداخل إلى ما في داخل الغيتو واقتربنا من آباء وأمهات الغيتو وأطفال الغيتو، لعثرنا في ما بينهم على مَنْ لا نجد من بدّ غير تطبيق قانون العقوبات عليه للأسف، فئة لا تفهم معنى القانون، ولا تفهم حتى الدين والشرع الذي تتبناه وتعمل وتدير حياتها وفقه. وهي في الغالب عوائل متعبة جاهلة فقيرة جدا بالمعرفة. العائلة من بين هؤلاء لا تود دفع قسط الحضانة والروضة لأنه باهظ ( كانت الدولة تتكفل بذلك سابقا، لكن باختلاف الحكومات، وبعد أن تمّ استغلال ذلك على نحو سيئ اختزلت المعونات كثيرا). ولكن وإن توفر المبلغ فالأب غير مستعد لإنفاقه على الأطفال أولا، وثانية لا ينفقه وهو يظن أنها مهمة يمكن للأم توليها مادامت ربة بيت. ليس في العقل مجال لاستيعاب دور هذه المؤسسات في تربية الطفل اجتماعيا، في توسيع مداركه وتعلّمه وتهيئته ليكون طفلا سويا متفتحا يفهم أقرانه، كما يفهم كيف يتعامل مع هذا المجتمع. اليوم الواحد بإمكانه أن يكون مصدر سعادة وتفتّح إضافيين في حياة الطفل. وكحقيقة علمية فإن 1000 يوم الأولى في حياة الطفل مهمة في تحفيز مداركه. وجميعنا يعرف مآل القصة، يختار الوالدان مدرسة إسلامية خاصة لاحقا ستبعده تماما عن المجتمع لينشأ إنسانا غريبا عما حوله، يتناقل المخاوف والاتهامات التي تدور في مجتمعه الضيق (مصادرها الحسينية والجامع وأعضاء العصابات من فئة المراهقين والشباب من المجرمين). جميعنا يعرف تماما الصورة التي ينتهي إليها هذا الطفل: إن هذا المجتمع فاسد، ساذج، بالإمكان التحايل على قوانينه بسهولة، (وبناته أيضا سهلات جدا مع اعتذاري الشديد لهن)، الخنزير خط أحمر، وكأنه العامل الحسم في استقرار وسلام العالم، وكأن زنخة الخروف لا وجود لها (رأي شخصي). وقد حرّم الدّين عليهم مدّ اليد والمصافحة والأكل والاختلاط، و… السلام!
هامش:
٭ كلفة تطبيق ما يسمى بعرض التعلّم لأطفال الغيتو تصل إلى 94 مليون كرونة سنويا، ومن المتوقع بدء العمل فيها في الأول من شهر يوليو/تموز لعام 2019. (مدفوعة من الميزانية المخصصة لصندوق المعونات في مجال العمل والصحة والمجتمع).
٭ من المتوقع أن يشمل القانون الملزم بالتعلّم 500 طفل عام 2019 ـ ويرتفع هذا العدد إلى 700 طفل سنويا في العام الذي يليه. القانون هو جزء من خطة مكافحة الغيتوات وحلّها حتى عام 2030 (المصدر وزارة الشؤون الاجتماعية والطفل).
٭ شيك الأطفال أو منحة الأطفال تمّ العمل بها منذ عام 1987 وهو مبلغ غير خاضع للضريبة وحق لكل عائلة لديها أطفال في استلامه أربع مرات في السنة. يختلف المبلغ حسب دخل العائلة وعمر الطفل، تصل إلى 18 ألف كرون سنويا للفئة بين 0-2 سنة، ومبلغ ينخفض إلى 11 ألف كرون للفئة 15-17 سنة. (المصدر موقع المواطن وإدارة الخدمات الاجتماعية).
٭ كاتبة عراقية

الهيبي الحلال (Halalhippie)

دُنى غالي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية