الواقع حسب الأسد

حجم الخط
0

بين ثمانية من ممثلين وسائل الإعلام الاجنبية ممن تلقوا من الحكم السوري تأشيرات دخول واذون عمل، لرفع التقارير عن القتال في حلب، كانت ايضا سيسيليا أودن، المراسلة القديمة وكثيرة الجوائز للراديو والتلفزيون في ستوكهولم. تعرف أودن حارتنا جيدا. فمنذ عشر سنوات وهي تسكن في حي المعادي في القاهرة، ورفعت تقاريرها في الماضي من الاردن، وتقفز بين الحين والاخر إلى القدس وإلى رام الله، تتكلم العربية بطلاقة ونشيطة وعلى اتصال بمن ينبغي. يوم الاحد الماضي هبطت في دمشق وانطلقت نحو حلب، لا ترى الخطر في العينين.
مثل باقي زملائها، أرفقت وزارة الإعلام بأودن مرافقا شخصيا، عرض نفسه كمعلم رياضيات. ويتمثل دوره، مثلما تسير الامور في الانظمة الدكتاتورية بالوشاية: أين تتجول أودن، من نجحت في اجراء المقابلات معهم، وعما توشك ان تكتب تقاريرها. الصحافية، السائق والمرافق وصلوا إلى غربي حلب، وعندها تلقوا أمرا بعدم الخروج من الفندق. ان يكونوا مغلقين ومنغلقين حول شجرة السرو المزينة بالاضواء الملونة التي أقاموها، ويا للمفارقة، في قاعة فندق سبحا – وكأن ثمة سببا وجيها للاحتفال هنا بالذات. وطلب من الصحافيين الانتظار إلى أن يقرر الأسد رفع الحصار عنهم أيضا وان يأخذهم الموظفون إلى جولة النصر. هذا فقط كان ينقص الأسد، ان يتجول الصحافيون والمصورون في المدينة المقصوفة وأن ينقلوا إلى العالم قصص الفظاعة.
ماذا يفعل صحافي محبط حين يضغط مسؤولوه عليه؟ يصور ما يراه من نافذة غرفته التي تطل على الاحياء المقصوفة من حلب، يسترق من خلف ظهر المرافق ويخرج للبحث عن الفارين، يوثق قصصهم الممزقة للقلب، ويرفع إلى البث وإلى الشبكات الاجتماعية كل ما ينجح في جمعه.
وبينما تتجول الصحافة الاجنبية بيدين مقيدتين، نشر بشار الأسد مقابلتين صحفيتين يشكو فيها ضمن امور اخرى من الصحافيين الذين يعالجون «من بعيد» قصة حلب، ويمجدون معارضيه فقطـ، ويلوثون صورة حكمه «المتنور» و «الانساني» . وذلك بدلا من الوصول إلى الميدان، هكذا ادعى الأسد، وكشف «القصة الحقيقية». وبروايته العنيدة، فإن مئة الف عائلة بقيت في حلب اصبحت رهينة في يد «عصابات الإرهاب»، وإن الجيش السوري خرج إلى المدينة الكبيرة كي يحمي سكانها.
يوم الثلاثاء ليلا، حين هدد اتفاق الإخلاء الاول بالانهيار، استوعبت أودن بأنها باتت مستهدفة. فقد حذرها المرافق بأنهم «في دمشق غير راضين عن تقاريرك»، وأخذها ممثل الحكم من الشارع وطلب فحص العتاد والبث. وفي صباح الغد جمدوها من الجولة التي نظمتها وسائل الإعلام للصحافيين في ضواحي حلب، بعيدا عن الاحياء المحاصرة. وعندها جاءت إلى غرفة أودن ممثلة الحكم وأعطتها محاضرة طويلة عن كيف ينبغي ان يعمل صحفي أجنبي ينال معاملة خاصة، بعد أن منح تأشيرة الدخول والعمل في داخل سوريا.
وعند الظهر هبط عليها أمر ابعاد: طلبوا مني أن اغادر سوريا على الفور، تروي أودن، وابلغوني بأنه محظور علي البث، وأخذوا التأشيرات، اتهموني بنشر معلومات كاذبة وافهموني بأني أثرت اعصابهم. ولم يجدِ نفعا احتجاج السفير السويدي في وزارة الخارجية السورية، ولا الشكوى الحادة لمديرة الراديو والتلفزيون في ستوكهولم. اتخذت أودن سيارة عمومية، وقررت بأن المسار الاقل خطورة بالنسبة لها هو الوصول قبل كل شيء إلى دمشق وبعدها تغيير السيارة ومواصلة الطريق إلى بيروت.
هي بالطبع غاضبة، محبطة، خائبة الأمل. من حاجز خروج نازحي حلب نجحت في أن تنتزع شهادات مقلقة من الفارين، رفعت في نهاية الاسبوع إلى البث في الراديو وفي التلفزيون. وفتح ابعادها جدال عاصف بين الموالين للأسد ومعارضيه، إلى أي عمق مسموح السماح للصحافيين، اذا كان ممكنا على الاطلاق النبش في جروح سوريا وكيف يمكن ربطهم بـأساليب اكثر ذكاءاً لحملة بقائه.
سمدار بيري
يديعوت 19/12/2016

الواقع حسب الأسد
في سوريا لا يسمح إلا للإعلام الموالي أن يبث قصصا تؤكد رواية النظام وحده فقط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية