الوثائقي «نازلين التحرير» للمخرج سميح منسي: تحية للشعب وإدانة لمن أهدروا ثورته

القاهرة ـ «القدس العربي» : العام الرابع لثورة 25 يناير/كانون الثاني، التي لا نصفها بالذكرى لأنها كلمة يختص بها الأموات، العام الرابع للثورة، رغم كل ما يحدث بشكل منظم لتفريغها من معناها والقضاء عليها، هذا الحدث الذي أتاح للمصريين أن يخرجوا من قبورهم مرة أخرى، ويعرفون مدى جدارتهم بالحياة. تحاول بعض الأعمال الفنية الجادة القبض على اللحظة الثورية وجعلها لحظة دائمة، حالة يجب العيش والتفكير داخلها، لا مجرد النظر إليها من الخارج أو التعليق عليها بشكل أو بآخر، وهذا ما قام به المخرج سميح منسي خلال فيلمه الوثائقي «نازلين التحرير»، الذي عُرض مؤخراً بمركز الثقافة السينمائية بالقاهرة، بمناسبة احتفالات ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. الفيلم من إنتاج المركز القومي للسينما 2014، وتم تصويره بداية من 25 يناير 2011، وحتى أحداث 30 يونيو/حزيران 2013، التي انتهت بسقوط الإخوان وخروجهم من السلطة. وكما ذكر منسي أنه قام بتصوير ما يُقارب 140 ساعة لتوثيق هذه الأحداث، وأن «نازلين التحرير» يعتبر جزءا أول ــ مدة الفيلم حوالي 45 دقيقة ــ استعرض أحداث الثورة ومجازر المجلس العسكري ووصول الإخوان للسلطة، وان الجزء الثاني سيتعرض لفترة حُكم الإخوان وتداعياتها حتى أحداث 30 يونيو. أعقب العرض ندوة أدارتها الناقدة والكاتبة صفاء الليثي، وشارك بها العديد من السينمائيين والمهتمين من الجمهور.

التوثيق الفني

رغم أن ثورة 25 يناير كانت من أكثر الثورات التي تمت مشاهدة أحداثها بشكل يكاد يكون لحظياً بفضل الفضائيات، وهو ما لم يحدث مع أي ثورة سابقة، إلا أن لقطات منسي وفريق عمله كانت تكشف جانباً آخر لم تستهلكه الفضائيات ــ شارك منسي في الثورة منذ يومها الأول كواطن ــ الكاميرا كانت تركز وتتتبّع وجوه المصريين وانفعالاتهم بكل طوائفهم وفئاتهم الاجتماعية، أحلامهم ومطالبهم، ربما لا يجيدون الحديث أمام الكاميرا، وهو ما أعطى مصداقية لكلماتهم، التي تختلف عن كلمات وعبارات المثقفين. نجد بسطاء من الرجال والنساء، وجوها لم نشاهدها من قبل، كوالد أحد الشهداء، يسأل قناص روح ابنه .. عن كيفية إحساسه وهو يدقق النظر عبر سلاحه، وينوي في لحظة اختطاف روح الفتى! ومن خلال بناء فيلمي يعتمد لقطات صاخبة بطبيعتها… أحداث التحرير، أحداث العباسية، الانتخابات الكاريكاتورية التي أوصلت الإخوان للحُكم، التزوير والدعاية الانتخابية، المجلس العسكري وجرائمه من قتل وإهانة للمصريين ككشوف العذرية على سبيل المثال، وسحل الفتيات وتعريتهن، ومساعدته في تزوير الانتخابات لصالح الإخوان، وطبيعة الحكم العسكري الذي لم يرد التخلي عن السُلطة في أي لحظة، كل هذا كان يوحي لصانع الفيلم بأن يُطلق عليه اسم «نازلين التحرير».

الثورة المستمرة

يدل عنوان الفيلم على أن الفعل الثوري مستمر، وان الحالة الثورية رغم تكالب جميع القوى عليها لتحقيق مصالحها، يدين الفيلم بالأساس المجلس العسكري الذي أوهم الثوار بوقــوفه جـــوارهم، ثم قــام بتصفيتهم بعد ذلك، بمشـــاركة الأحزاب الكارتونية والفضائيات والتيارات الدينية، لم تكن الثورة تعنيهم بقدر ما كانت أزمة على الجميع تخطيها، لأنها زلزلت مخططاتهم وأفكارهم الرديكالية، والعنوان يوحي بأن ما تعيشه مصر الآن هو نتاج هذه الأفعال مُجتمعه، حالة من التواطؤ شارك الجميع بها، والنتائج هي القتل وترصد الثوار واعتقالهم وإهانتهم بكل الأسلحة الممكنة وعلى رأسها الآن الإعلام، الذي يرى في الثورة مجرد ذكرى.
حاول منسي عبر اختياره للقطات دالة أن يؤكد وجهة نظره في هؤلاء من دون مواربة أو إيحاء، وهو ما جعل الفيلم ليس مجرد استعادة لمشاهد قديمة، بل حالة لم تزل قائمة على أرض الواقع، وهو ما نأى عنه التوثيق لفعل حدث، واقترب به من التحليل لحدث أصبحنا نعيش نتائجه الآن. أين الحرية المزعومة؟ وأين الحُكم المدني؟ وأين أهداف الثورة؟ هذه الـ(أين) تطل دائماً مع كل لقطة من لقطات الفيلم، وكأن شيئا لم يتغير، وهو الأدعى لعنوان عمل يحرّض على استمرار الفعل والحالة الثورية مهما حدث من محاولات منظمة للقضاء التام عليها، وان يكشف في بساطة وعمق من دون جعجعة فارغة كأعمال كثيرة عن أعداء الثورة الحقيقيين، حتى لا تتحول الثورة إلى ثورة يتامى.

ثرثرة القاعة المظلمة

يتيح الظلام لحظات من الانفلات ــ ظلام قاعة السينما ــ في التصريح بأفكار أو وجهات نظر معينة، وقد استمعت إلى بعض التعليقات مِمَن هم بجواري، محكومين بأعمارهم وقِلة حيلتهم، ومساهمتهم بشكل أو بآخر في الوضع المتدني للثقافة في مصر، كانوا يسخرون طوال العرض من الثورة والثوار والهتافات وميدان التحرير وكل ما صنعه المصريون! كان الرجلان من ضيوف العرض، ويعملان بالحقل السينمائي، وتواضعاً منهما جلسا في الصف الأخير من القاعة، كانت سخريتهما من كل شيء أمامهما، وبمجرد انتهاء العرض وإضاءة الأنوار، شاركا الحضور التصفيق، وذهبا لتحية المخرج وطاقم عمله، وتبادل الصور التذكارية معهم! هذه المفارقة لا نذكرها على سبيل الكشف عنها، بل لأنها تكشف عن سلوك نفسي لقطاع عريض من مناهضي الثورة، بينهم وبين أنفسهم، لكنهم لا يتورعون عن المشاركة في الاحتفال والاحتفاء بها. والقياس على هذا الموقف ينصرف إلى العديد من العَجَزة قليلي الحيلة، الذين يؤمنون ويرتكنون إلى أصوليات الفكر والمصالح، عاشوا أعمارهم في خدمة كاب عسكري، ويريدون قضاء المتبقي منه في خدمته أيضاً. المفارقة في وجه صانع الفيلم الفرِح وبين ابتساماتهم المزيفة، هي نفسها الوضع الراهن لما تحياه مصر، من دون أي شكل من أشكال المُبالغة.
«نازلين التحرير» … تصوير ممدوح قطب، مؤنس حسين/صوت إبراهيم عبد العزيز، دارين حسام/مونتاج أحمد حمدي/موسيقى محمد الشاذلي، سيناريو وإخراج سميح منسي، وهو مخرج وثائقي له على سبيل المثال… «للذاكرة وقائع، أوان البحر، مقاه وأزمنة، الشيخ يُغني (عن الشيخ إمام)، إضافة إلى فيلم روائي طويل بعنوان واحد كابيتشينو».

محمد عبد الرحيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية