عمان ـ «القدس العربي» من بسام البدارين : تزامن الإعلان عن مدونات سلوك وظيفية جديدة في الأردن تخص العسكر ورجال الأمن هذه المرة، مع منحنيات حادة وحرجة في الخطاب المحلي وتطورات لا يمكن الإستهانة بها في الوضع الإقليمي والأهم مع تفعيل خطط إعادة الهيكلة على مستوى المؤسسات السيادية بالتوازي مع الإعلان، ورغم الأزمة الاقتصادية والمالية، عن فتح باب التجنيد العسكري مجددا للشباب الأردني في خطوة تدلل على عافية الدولة واستعداد مؤسساتها للمساهمة في تخفيف البطالة.
على الصعيد المحلي سبقت الأطر السلوكية الانتخابات البلدية واللامركزية التي يتردد ان توجيهات عليا صدرت بعدم التدخل رسميا فيها على أي نحو وبأي صيغة، وهي ضمانات قد لا تؤدي حسب الخبراء لتحقيق قفزة نوعية على مستوى الأداء البلدي واللامركزي في مجالس الأطراف والمحافظات لإن النخب التي ترشحت حتى الآن ما زالت في السياق الكلاسيكي وضمن دائرة الثقل العشائري والمناطقي بعيدا عن التنوع الحزبي.
وخلال اليومين الأخيرين تكاثرت مجددا ظاهرة «الاجماعات العشائرية» التي طالت انتخابات البرلمان في موسم عام 2016 وعادت الظاهرة نفسها لتلقي بظلالها الثقيلة على مستويات التنوع والتعدد بالمرشحين وبصورة تردع المثقفين وأصحاب الخبرة السياسية من الترشح لمثل هذه المجالات باستثناء التيار الإسلامي الذي يبدو متحفزا للمشاركة في الانتخابات البلدية بصورة مباشرة وفي المحلية اللامركزية بصورة غير مباشرة مستثمرا كالعادة في الثقل المناطقي الجغرافي وفي الثقل العشائري.
لا توجد دراسات مفصلة حتى اللحظة تختص بدراسة التنوع في عملية الترشيح، لكن القراءة الأولى توحي ان غالبية المترشحين لهذه الانتخابات محلية الطابع أما مقاولون طامحون لتعزيز مصالحهم أو شخصيات عشائرية وبسيطة تتحدث عن محطة أولية بإتجاه برلمان عمان المركزي أو شخصيات كلاسيكية.
وسط غياب ملموس للترشيح على أساس برامجي أو كتلوي أو حزبي، تشهد البلاد قريبا الوجبة الأولى من انتخابات البلديات وتعقبها اللامركزية بعد أيام فقط من الجملة النقدية الملكية الملموسة التي طالت أداء الحكومة والوزراء والمراجعات الفنية للعديد من الملفات الحيوية وبطريقة انتهت بتعزيز مشروع إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتمهيد لذلك بمدونات السلوك القانونية المشار إليها.
ويحصل كل ذلك في الأردن بعد ظهور ملامح جدية توحي ان السياق المرجعي عزز قناعته بمرحلة «اخفاق» الأدوات والإقرار بهذا الاخفاق وبطريقة تعيد إنتاج درب المبادرة عبر تعزيز الإصلاحات في السلكين القضائي ثم العسكري على أمل ان يوازن ذلك الصورة بعد سلسلة المراجعات الأخيرة للترهل الإداري والحكومي.
وهي في كل الأحوال مراجعات تعيد إنتاج شكل الإدارة في الأردن لكن بالأدوات والرموز نفسها، الأمر الذي يخشى بعض الحريصين على الدولة معه ان يشكل نقطة ضعف أساسية في مجمل عملية الهيكلة الإصلاحية الحالية وإن كان القصر الملكي قد اختار قيادات أكثر شبابا وقدرة في إدارة المؤسسات السيادية مؤخرا عشية الاقرار الضمني بأزمة الأدوات على مستوى الحكومات المتعاقبة.
وسارت خطط إعادة التهكيل في مؤسسات الأمن والجيش وفقا للخطة المرسومة بالتوازي مع التوسع في عملية التجنيد، وهي عملية تهدف أيضا للتنويع وتجديد الشباب في بعض المستويات بالمؤسسات السيادية بحيث تعكس طبيعة التنوع الاجتماعي الأردني كما فهمت «القدس العربي» مع أن رئيس الأركان وقائد الجيش الجنرل محمود فريحات حرص طوال شهر رمضان على شرح التفاصيل التي يمكن شرحها بخصوص خطة إعادة الهيكلة مع جرعة مكثفة تركز على ان الأولويات التي تشكلت التحديات للعقيدة الأردنية هذه الأيام هي مواجهة الإرهاب بكل أشكاله في الداخل والإقليم.
طبعا سارت وتسارعت مشاريع إعادة الهيكلة وإعلانات التجنيد بالتزامن مع استحقاق التحول المثير على صعيد انتخابات اللامركزية وفي ظل ما يتردد في أروقة وقنوات الغرف المغلقة عن «اكتشاف» حصول مخالفات مباشرة في ظل قيادات أمنية سابقة للتوجيهات المباشرة التي قررت عدم التدخل بأي صيغة أو نمط في انتخابات البرلمان للعام الماضي حتى انتهى الأمر بمجلس نيابي كلاسيكي مزعج ومقلق للسلطات في مرحلة «غير عادية» تتغير فيها كل المعطيات في المحيط الحيوي للدولة الأردنية ابتداء من طبيعة التحديات التي فرضها الإرهاب مرورا بالوجود العسكري الدولي الثقيل لدول كبرى في الجوار مثل أمريكا وروسيا وانتهاء بالاخفاق في مشروع حل الدولتين وبتغيير معطيات ملف المساعدات للأردن أمريكيا وخليجيا وبصورة محددة سعوديا.
عمليا يحصل كل ذلك وسط استمرارا التهابات الإقليم واقتراب المنطقة وتحديدا في الملفين السوري والعراقي وفقا لأهم المصادر الأردنية من مناخ الصفقة الشاملة أو التسوية الكبرى، وهو مناخ يأمل الأردن ان يخوضه ويتجاوزه بالقدر الذي يحفظ دوره ومصالحه الأساسية والحيوية.
وإلى حد سياسي لا يمكن اسقاطه من أي حساب منطقي، يمكن القول ان مناخ التسوية الشاملة يقترب من الأردنيين الذين يريدون أن يكونوا جزءا من إنتاجه وقد اقترب فعلا عندما شاركت عمان في الترتيبات الأخيرة التي طالت تخفيض التوتر في منطقة درعا جنوبي سوريا.
تلك كانت بروفة على طريقة فدلرة سوريا تؤسس لدور أردني أساسي وأخطر ما فيها انها تمهد لتسويات شاملة في المنطقة على المحور الإقليمي، وعمان لا تريد مغادرة اللعبة وفقا لقواعد وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر الذي قال ان الفارق واضح بين «إصلاحات وطنية تقررها بنفسك» وإصلاحات مستوردة تفرض عليك.
على نحو أو آخر نبوءة المعشر تقترب في عمان رغم الاقصاء الذي تعرض له شخصيا طوال ست سنوات ومن جميع المؤسسات الرسمية. وعلى هذا النحو يمكن قراءة «التسريع» الكبير والمباغت في لغة الإصلاح والهيكلة في هذا البلد.