السياسة هي المجال الواسع الذي تتفرع عنه كل القضايا المرتبطة بخدمة البلاد وتحقيق كرامة المواطن. هي سلاح ذو حدين، حد اللعب والغواية حين تطغى الأنانية الفردية وتستهوي الأفراد امتيازات السلطة واغراءاتها. وحد الجد والانغماس في خدمة الصالح العام حين تتغلب الروح الوطنية ويكون الانتماء وشروطه الهدف والمبتغى.
تتحمل النخب التعليمية والمثقفة والسياسية نصيبها الأكبر في ضخ الدماء عند الأجيال المتعاقبة. التغيير السياسي والاجتماعي لا يتأتى الا بوجود مواطن تربى في الاحضان. أسوأ ما يمكن أن يصل اليه أي شعب هو أن يتنافى وجوده مع فضاء عيشه. أن يصبح هم المواطن مقتصرا على ذاته ومصالحه ضاربا عرض الحائط المجتمع الذي تبناه وساهم بروحه في تربيته وتكوينه.
كانت التجارب السياسية المغربية منذ عهد الحماية إلى تاريخنا الحالي مدرسة لتجاذب الاختيارات ومشتلا لنمو ثقافة المواطنة أفرزت نخبا متباينة في المرجعية والتصورات والأهداف.
عرفت فترة الاستعمار بوحدة جميع الأقطاب لمواجهة العدو تحت شعار الدفاع عن الوطن واستقلاله. تاريخنا يشهد بما قدمه آباؤنا وأجدادنا لحرية البلاد. الحركة الوطنية متمثلة في النخب والأحزاب قامت بدور فعال في تأطير المجتمع ولعبت دورا كبيرا في تعزيز روح المواطنة لدى الشعب المغربي.
لقد كانت محطة الاستعمار لبنة هامة في نشوء الوعي بأهمية المشاركة والنضال الجماعي لتحقيق شعار التحرر والاستقلال. مكنتنا من التوحد ومجابهة العدو وأخرجتنا من نير الاستعباد. كما فتحت أعيننا على الغد بنخب جديدة متسلحة بالعلم، مستعدة للدخول في غمار البناء وتثوير المجتمع بإعادة تشكيل ثقافته ورؤيته ونمط عيشه.
بعد أن حقق المغرب استقلاله وجد نفسه عاريا في مواجهة مجموعة من التحديات في مختلف المجالات. فالانتقال من مجتمع شبه بدوي قبلي إلى مجتمع مدني عصري تطلب أفق تفكير مغاير. كان لا بد من صراعات، ومن خوض معارك لإرساء لبنات المجتمع الحديث. تطلب التغيير مجابهة حقيقية بين القوى الاقتصادية والسياسية والثقافية المتباينة. تضاربت المواقف والمصالح، وبرزت قوى متناقضة في اختياراتها. احداها محافظة تتشبث بمكتسباتها التاريخية وبمرجعيتها التقليدية، رافضة التغيير. الأخرى تحررية تحمل فكرا عصريا متشبعة بثقافة غربية. وقوى ثالثة كانت تدعو إلى الحفاظ على الروابط مع الدولة الفرنسية وضرورة العيش تحت ظل توجيهاتها. خاضت هذه النخب المتباينة صراعا سياسيا وفكريا مريرا أعطى نتائجه المحصلة والمتناقضة.
تميز نظام الحكم في المغرب في عهد الاستقلال بنظام شبه ديمقراطي يراوح بين الانفتاح والانغلاق بين دعم الحريات وقمعها. حيث عاشت الدولة صراعا بين اختيارين:
اختيار البناء المؤسساتي واختيار الحفاظ على أمنها والتحكم في موازين القوى. خلقت هذه الأوضاع المتوترة فورة واحتقانا سياسيين. أثرت على المدى الطويل في نفسية المواطن الذي خابت ثقته تدريجيا في مصداقية السياسة والسياسيين وخفتت روح المواطنة لديه وتغيرت نظرته للحياة والمجتمع والمستقبل. فما حققناه اليوم من حياة الاستقرار بوضع أسس المجتمع العصري مؤسساتيا، وتحقيق نظام دولة بمفهومها الحديث. تخللته كثير من الخروقات السياسية والاجتماعية، أربكت وعينا كمغاربة وكبحت من تطلعاتنا. فجاءت النتائج في محصلتها ضدا على أفق انتظاراتنا وتطلعاتنا وأحلامنا كجيل حمل رزمة من المشاريع والمطامح.
على المستوى السياسي، التجربة الديمقراطية في الحكم والانتخاب وتداول السلطة، لم تعرف مسارا محكما. كانت الدولة متسامحة مع التجاوزات بل تورطت فيها في كثير من المحطات. فالديمقراطية عندنا امتزجت بتدخل السلطة في إفراز خرائط سياسية وفقا لمنظورها مما أربك الحسابات وأنهك المسارات، وأضعف من المصداقية. ترتب عنه تراجع الثقة لدى المواطن واختلت العلاقة بين المواطن والنخب السياسية.
على المستوى الحقوقي حصلت انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وزج بالمناضلين الشرفاء في السجون والمعتقلات. وضع خلق رهابا جماعيا، وحصل تشويش مقصود للحياة السياسية ابانها، فالفورة النضالية التي قادتها الأحزاب الوطنية التاريخية واليسار الاشتراكي عموما، أزعجت السلطات المغربية. فساهمت في تشجيع خلق مجموعة من الأحزاب بدعم بعضها أو بتسليط الضوء على البعض الآخر. بهدف مواجهة القوى الوطنية التقدمية التي تمكنت من استقطاب الشارع وتثويره في تلك المرحلة.
ولد هذا الوضع أحزابا متعددة اخترقت في فترة وجيزة الخارطة السياسية، وفرضت مكانتها وسيطرتها الكمية والنوعية في المجالس والبرلمان والمؤسسات المختلفة. ان تدخل الدولة في تلك الفترة بكل الأشكال المتاحة لديها باستغلال نفوذها، مكنها من تغيير الخريطة السياسية وتوجيهها لخدمة أهداف الراسخين في السلطة. هذه الأوضاع أعطت نتائج مقلقة على المستوى السياسي. تحللت كثير من الأواصر بين المواطن والسياسة والأحزاب، تراجع التأطير السياسي القوي الذي طبع تجربة الأحزاب الوطنية إلى حدود التسعينيات بكل ما كان يحمله من تنظيم محكم للشباب وباقي مكونات المجتمع.
تلكم أهم الإعاقات التي قلصت من دينامية المسار الديمقراطي في بلادنا. فالتراجع عن الاختيارات الديمقراطية داخل الأحزاب الوطنية بنهج سياسة تعدم روح الحوار والنقد والنقد الذاتيين، باعتبارهما ركيزة الحركة الثورية وسر نجاحها من جهة. وبتغليب الهاجس الأمني للدولة على حساب النمو الاجتماعي الاقتصادي من جهة اخرى. كانت أسبابا في تخلف مسيرة المجتمع المتطلع نحو تركيز اسس مغرب ديمقراطي.
استطاعت الدولة المغربية مع بداية القرن الجديد أن تتوفق نسبيا في تحقيق التوازنات السياسية وفي ضخ روح مغايرة في آليات تدبير السلطة. أصبحت الاختيارات السياسية أكثر نجاعة بنهج أسلوب متقدم في تنظيم المجتمع برؤية متماسكة، واختيارات حداثية تطمح إلى القطع مع الممارسات القديمة في تسيير دفة الحكم.
ان الاختيارات العامة للدولة المغربية المعاصرة والنجاحات المحققة جاءت نتيجة لصراعات اجتماعية ولنضالات مستميتة عبر حقب متتالية لعبت فيها مختلف الأطراف السياسية والنقابية دورها بنسب متفاوتة. المؤشر الأساسي الذي ساهم في إنجاح هذه التجربة بعيوبها هو روح الوطنية الصادقة عند مجموعة من الوطنيين الغيورين من مختلف المشارب والتوجهات والذين ادوا دورهم بصدق وتفان. فالأوطان تبنى برجال ونساء من طينة سامية تؤمن بأن خدمة البلاد مقدسة وفوق كل اعتبار.
منصف بندحمان – كاتب من المغرب