إسطنبول ـ «القدس العربي»: قبيل أشهر قليلة فقط هدد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بإعادة الجنود الأتراك المنتشرين في قاعدة بعشيقة العسكرية بشمال العراق إلى أنقرة بالتوابيت، ولكن اليوم وبعد تغيرات سياسية وعسكرية كبيرة تعصف بالمنطقة تشارك وحدات عسكرية من الجيش العراقي في مناورات عسكرية مشتركة جنباً إلى جنب مع الجيش التركي في منطقة سيلوبي على الحدود التركية مع شمالي العراق.
هذا التقارب غير المسبوق بين تركيا والحكومة العراقية المركزية في بغداد تشارك فيه إيران أيضاً حيث تتخذ الدول الثلاث موقفاً موحداً يتمثل في رفض استفتاء انفصال إقليم شمال العراق الذي جرى، الاثنين، وشكلت هذه الدول لجان تنسيق وتعاون سياسي وعسكري واستخباراتي من أجل العمل على إفشال مشروع الانفصال.
وبعد يومين من بدء إيران مناورات عسكرية واسعة على حدودها مع شمالي العراق، بدأ جنود أتراك وعراقيون مناورات على الحدود بين البلدين، أمس الثلاثاء، حيث انضم جنود عراقيين مدججين بالأسلحة إلى قوات الجيش التركي التي تقوم بمناورات عسكرية واسعة مستمرة منذ تسعة أيام قرب معبر خابور على الحدود مع شمالي العراق.
وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة بين البلدين حول العديد من الملفات الجوهرية في المنطقة، إلا أن تركيا وإيران تتقاسمان نفس المخاوف من أن يؤدي انفصال الإقليم الكردي في العراق إلى تعزيز وتشجيع نزعة الانفصال عند الأكراد على أراضيهم، فيما ترفض بغداد الاستفتاء خشية استيلاء الإقليم على جزء كبير من الثروات النفطية بالبلاد وأسباب أخرى متعددة.
وبينما كانت العلاقات بين تركيا ومسعود بارزاني رئيس إقليم شمال العراق في أفضل حالاتها حتى قبل أسابيع وكانت يعتبر أبرز حلفاء أنقرة في المنطقة، وصلت الخلافات بين أنقرة وبغداد إلى درجات غير مسبوقة وأطلق البلدان تهديدات عسكرية متبادلة، حيث هدد العبادي بإرسال الجنود الأتراك في بعشيقة بالتوابيت إلى أنقرة، ورد أردوغان بتوجيه إهانات شخصية لرئيس الوزراء العراقي مطالباً إياه بـ»إلتزام مستواه وحدوه».
لكن اليوم ومع وجود ما تعتبره البلدان الثلاث «خطراً إستراتيجياً مشتركاً على أمنهم القومي» تعزز الدول الثلاث تعاونها على كافة الأصعدة، ويزور رئيس أركان الجيش الإيراني أنقرة لأول مرة منذ قرابة نصف قرن، ويهاتف أردوغان روحاني، ويتباحث يلدريم مع العبادي، ويلتقي وزراء خارجية البلدان الثلاث أكثر من مرة لتنسيق المواقف المشتركة، وأخيراً زار رئيس أركان الجيش العراقي أنقرة، فيما يستعد الرئيس أردوغان لزيارة طهران في الرابع من الشهر المقبل.
وقبل التقارب الأخير المتعلق باستفتاء الإقليم الكردي في العراق، تحدثت مصادر تركية عن أن طهران وأنقرة عززتا تعاونهما العسكري والاستخباري فيما يتعلق بالحرب على تنظيم بي كا كا في شمال العراق وعلى الحدود بين البلدين، وقالت صحف تركية إن خطة لتنفيذ عملية عسكرية مشتركة ضد التنظيم في شمال العراق مطروحة بقوة على الطاولة.
جميع هذه التطورات لا تبدو بمعزل عن التطورات المتلاحقة في سوريا، فالجيش التركي الذي أرسل مئات الدبابات والمدرعات والآليات العسكرية وآلاف الجنود والقوات الخاصة إلى الحدود مع سوريا يستعد لتنفيذ عملية عسكرية كبيرة في محافظة إدلب تستهدف التنظيمات المتشددة في إطار اتفاق مناطق عدم الاشتباك وذلك بتعاون عسكري كامل مع روسيا وإيران.
وبعد سنوات من دعم تركيا لفصائل المعارضة السورية ضد نظام الأسد المدعوم من قبل موسكو وطهران، وجدت أنقرة نفسها مضطرة للتعاون مع البلدين للتعامل مع تعتبره أيضاً «خطراً استراتيجياً على أمنها القومي» وهو منع إقامة دولة كردية على طول الحدود التركية في شمالي سوريا.
وعلى الرغم من أن تركيا تهدف إلى القضاء على تواجد التنظيمات المتشددة على حدودها مع سوريا كما فعلت سابقاً مع تنظيم الدولة، إلا أن الهدف الأساسي يتمثل في المبادرة لسحب هذا المبرر من قبل المجتمع الدولي وطرد التنظيمات المتشددة من إدلب خشية إيكال هذه المهمة إلى الوحدات الكردية كما حصل في منبج والرقة سابقاً، وهو ما يعني تمكين وحدات حماية الشعب من الحدود التركية بشكل أوسع ووصل مناطق سيطرتها شرق وغرب نهر الفرات، كما تأمل أنقرة أن تتيح لها هذه العملية مهاجمة الوحدات الكردية وطردها من عفرين.
ويتضح من جميع التطورات والمعطيات السابقة أن روسيا وإيران وتركيا والعراق ـ والنظام السوري ضمنياً- تجمعهم مبادئ أساسية تتمثل في رفض إقامة دولة كردية في سوريا أو العراق، والحرب على التنظيمات المتشددة وحتى المعتدلة ـ مع تحفظ تركي نسبي ـ في سوريا والعراق، بالإضافة إلى مواجهة النفوذ الأمريكي في سوريا من خلال وحدات حماية الشعب.
ويبدو أن النظام السوري ليس بعيداً عن هذه المعادلة بمجملها، فهو يتفق مع هذا المحور في القضايا التي تجمعهم، لكن الخلافات العميقة مع تركيا لا تسمح حالياً بالحديث عن أي تقارب أو حوار بين الجانبين، لكن عملياً تبدو أن التحالفات القائمة تصب جميعها في مصلحة النظام السوري الذي يمكن أن يعود للتقارب تدريجياً مع تركيا التي باتت تعتبر بقاءه أقل خطراً من قيام دولة كردية في شمال سوريا.