عرض استثنائي نادر قد لا تصادفه في بلد عربي آخر، تقدم من خلاله السلطات في تونس بكرمها الحاتمي الزائد عن الحد لمواطنيها الأعزاء على طبق وبالمجان نماذج ومجسمات طبيعية، تساعدهم في التعرف إلى مدن وبلدات خارجية، صارت اسماؤها رديفة لمظاهر الخراب والفوضى.
العرض مفتوح بشكل مستمر ومتواصل وإلى أجل غير معلوم، أمام جمهور متنوع وواسع، ولكنه يهم بالاساس فئات وشرائح من الناس لم تتح لها في السابق فرص الاكتشاف المباشر على الأرض أو الافتراضي على المواقع الإلكترونية لتلك المناطق الغريبة والمخيفة. أما انطلاق التجربة فكان بواحدة من المدن الافغانية ذائعة الصيت، التي صار بمقدور التونسيين مشاهدتها عن قرب، بعد أن عثر القائمون على شؤون الفكر والثقافة، قبل ايام فقط، على مجسم يتيح للمشاهد والزائر في وقت وجيز أن يطلع بالكامل على كل ما فيها من سوءات وكوارث، بدون أن يحتاج لجواز سفر أو تأشيرة عبور، والاهم من ذلك أن يخرج في النهاية باستنتاج واضح عن حجم الدمار والخراب والتخلف والانحطاط الذي يسودها، مقابل التحضر والمدنية والرقي والهدوء التي تنعم بها بلاده. ومن الناحية الاجرائية يبدو الامر سهلا وبسيطا ولا يتطلب جهدا خارقا أو نفقات زائدة، اذ يكفي القيام بزيارة إلى مكتبة العطارين في قلب المدينة القديمة بالعاصمة تونس، حتى يحصل ذلك الاكتشاف المبهر، ويتمكن الزائر من دون عناء ولا مشقة من الوصول إلى قطعة اصلية من قندهار الافغانية، داخل مبنى المكتبة وفي رحابها. وحتى لا يحدث خلط أو سوء فهم للموضوع، فلا وجه هنا أبدا للمقارنة بين ما تقدمه أشهر المتاحف العالمية من عروض ومجسمات لحضارات وعصور حديثة أو غابرة، وبين النموذج الذي يصادفه زوار المكتبة التونسية والوافدون إليها لان الامر في الحالة الثانية يتجاوز الاكتشاف الحضاري العلمي والمجرد إلى صياغة مركبة لقالب فكري وايديولوجي جاهز ومفصل على المقاس. فوفقا لما اعلنته وزيرة الثقافة في تصريح لبرنامج صباحي يبث على محطة الاذاعة الرسمية، فالموقع الذي زارته هو «جزء من قندهار لكن أكثر تعاسة من حيث مظاهر الاوساخ والتخلف والظلامية» على حد تعبيرها. أما تفكيك ذلك الوصف والبحث عما اذا كان المقصود به موقعا تاريخيا، أم مسرحا لعمليات حربية أم مكبا للفضلات، فقد لا يكون مهما أو حاسما ما دامت الوزيرة اختارت قندهار بالذات عنوانا للمشهد الدامي والمريع، الذي شاهدته أو خيل لها أنها رأته في التاسع عشر من الشهر الجاري، لما نقلت عدة مواقع إخبارية صور دخولها الملحمي الظافر إلى مكتبة العطارين، بعد أن استعادتها الوزارة بحكم قضائي وضع حدا لشهور ظلت فيها تحت سيطرة من وصفوا بالمغتصبين والمتشددين. لقد كان الامر بمثابة استرجاع لآخر حبات عقد فلت في غفلة من خزائن دولة لا تهتم كثيرا لما سلب ويسلب منها من ممتلكات وأموال، ولكنها تغتاظ وتجزع للخروج الرمزي والمعنوي عن لوائحها وقوانينها. ومن الواضح أن الحلم الذي راود بعض الشيوخ قبل خمس سنوات من الان باستئناف جامع الزيتونة لنشاطه العلمي المعطل منذ بداية الستينيات قد تبخر بعد أن خسر امام الجامع موقعه ومعركته الاخيرة مع السلطة، في أعقاب صراع غير متكافئ عجل برحيله بشكل مذل ومهين أواخر مارس الماضي، بعد أن حضرت قوة امنية لاخراجه من المسجد تنفيذا لقرار قضائي صدر مطلع العام الجاري يقضي بعزله من الامامة وتعيين هيئة تسييرية جديدة. يومها استبدلت اقفال الجامع وهرع وزير الشؤون الدينية على وجه السرعة ليعلن للتونسيين عن تحرير اشهر مساجد تونس واكثرها رمزية ودلالة. لكن التحرير المعلن كان مجردا من كل معنى وفاقدا للتنوير العلمي والعقلي الذي قصده الشيخ محمد الطاهر بن عاشور العلامة الزيتوني، الذي لم يعد يعرفه الكثير من التونسيين.
رجعت مكتبة العطارين وعادت قبلها المدرسة الخلدونية، وهما مبنيان ألحقا في وقت سابق بجامع الزيتونة، إلى سلطة الدولة. لكن الإشكال لم يكن ابدا في مجرد العودة الرسمية والشكلية بقدر ما بقي في طبيعة الجهاز الاداري المتكلس الذي استعاد المباني ويطمع من ورائها لتطويع العقول والقلوب وفقا لخط سيره الجامد والثابت، الذي لا مجال مطلقا لتعديله، أو حتى طرحه على طاولة النقاش. فالمأساة الحقيقية في تونس هي أن التوافق السياسي الهش الذي كان سر نجاحها وسمح بقدر من التعايش القسري والمحدود بين الاسلاميين والعلمانيين تحت سقف ديمقراطية مهزوزة، لم يغير شيئا من واقع مختل تسيطر عليه خطابات الاعتدال والتسامح والانفتاح من جانب، وتسوده مظاهر الانغلاق والرفض والاقصاء من الجانب الاخر. ما زاد في تعقيد الامور هو أن المشرفين على مفاصل الثقافة والاعلام، واصلوا عملهم في حفر الخنادق حول القلاع المغلقة والحصينة التي تمترسوا وراءها منذ عقود طويلة، وظلوا يقظين ومتحفزين لاي دخول أو اختراق ولو محدود لتلك القلاع، من جانب من يرونهم غرباء غير جديرين بشرف البروز أو الظهور في ساحة لم يكن مسموحا أو متاحا لاحد سواهم الاقتراب منها والعيش تحت سمائها. لقد استمروا في رسم المسافات وخط الحدود ومنح الاذون والتصريحات وسحبها أو حجبها وفقا لمنطق المصلحة الشخصية أو الفئوية، ولم ينقطعوا ابدا عن ملء الساحات صخبا وضجيجا، وترديد مقولات قديمة جعلوها بمثابة المعتقدات التي لا تقبل المس أو التشكيك، والتي منحوا انفسهم بمقتضاها صكوكا على بياض تجعل منهم المكلفين الوحيدين والحصريين بحماية الحداثة وصونها من خطر الاندثار والذوبان السريع والعاجل، تحت اقدام الغزاة المتعصبين الذين لا هم لهم سوى إطفاء انوار البلد واعادته إلى عصور الظلام والانحطاط. إنها أم المعارك الدونكشوتية التي خاضوها واستمروا بخوضها بضراوة واندفاع، بدون التورع عن نعت كل مخالف أو معارض لطريقتها أو اسلوبها بالظلامي والرجعي والاخواني والداعشي دفعة واحدة، وبلا فرز أو تمييز. لقد عاد هوس الاستنتاجات الفورية والاحكام الباتة وغير القابلة للنقض أو التعقيب للسيطرة على العقول وتوجيهها. فلا توجد منطقة وسطى تسمح للآراء ووجهات النظر بالالتقاء عند نقطة مشتركة، لأن المقاييس المعيارية لا تسمح بالرؤية إلا من خلال زواية ضيقة لا وجود فيها سوى لأبيض فاقع البياض، أو اسود شديد الحلكة والسواد. وما تقود اليه تلك الرؤية المنغلقة والاحادية الجانب هو الاسترسال في تصفية الحسابات القديمة، وكأن هناك اعداء ازليين لا مجال مطلقا للصلح أو التفاهم معهم، رغم ارتباط الطرفين بذات الارض والمصير، ورغم الحرص بالمقابل على مد الايدي والاذرع للاعداء الحقيقيين واستجداء التقارب معهم تحت دواعي المصلحة القومية.
لقد كتبت صحيفة يومية محلية تابعت زيارة الوزيرة إلى مكتبة العطارين بأن حالة الاوساخ والفوضى التي وجدت في المكان تكشف عن «عقلية تعادي الجمال والنظافة رغم المعلقات المكتوبة بخط اليد، التي تحث على النظافة وصب الماء في دورات المياه. وكأن التتار مروا من هذا المعلم، الذي يمثل نموذجا لحالة تخريب عامة استهدفت اساسا المعالم الثقافية من سينما افريكا مرورا بالاعتداء على المثقفين والمسرحيين والمفكرين في سنوات الترويكا الدامية». وهنا بالضبط يكمن مربط الفرس، لأن ما لا تستطيع الوزيرة أن تقوله علنا بشكل كامل وصريح لاعتبارات سياسية مفهومة، هو ما يردده بقوة ووضوح فريق اركسترالي متجانس يظهر صباح مساء في وسائل الإعلام المحلية للترويج لمقولة بوش الشهيرة «من ليس معنا فهو ضدنا». وهو ما يعني ببساطة أن من يحاولون السير في الاتجاه المعاكس لاهواء ورغبات النافذين سوف يصنفون على الفور كأعداء فعليين للحضارة والفن والجمال.
أما ما بقي بعد ذلك فهو أن التونسيين باتوا متشوقين اليوم، واكثر من اي وقت مضى، لأن تقدم لهم السلطات في المرات المقبلة مجسمات لا لقندهار وكابل وتورا بورا وشقيقاتها، بل لباريس ولندن وجنيف وغيرها من مدن وعواصم الغرب التي احترقوا طويلا بانوارها الساطعة والبراقة، ولم يجنوا من القرب منها غير السراب والوبال.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية