من السابق لأوانه القول ما الذي ولد الرد الشاذ والقوي من الجيش الإسرائيلي ليلة أول أمس على الصاروخ الذي انفجر في سديروت. من الصعب أن نصدق بأن الحديث يدور بالفعل عن نوبة غضب من ليبرمان في اعقاب ازعاجات وسائل الإعلام (ولا سيما ليئور شلايم الممتاز) عن الفرق بين اقواله وافعاله. فالجهاز العسكري لا يعمل بطريقة تسمح بردود انفعالية عفوية من هذا النوع. ولذات الأسباب لا يزال من السابق لأوانه أن نقول بأنه كان هنا استغلال لفرصة عملياتية للجيش الإسرائيلي لـ «تنظيف» بضع قدرات منغصة لدى حماس تجمعت حولها معلومات مسبقة. كما أن الشائعات المرتبطة بالانفاق لم تنضج بعد إلى معلومات حقيقية.
ما يتبقى هو محاولة أن نفهم الأمور كما هي ببساطة. فقد نقل عن مصدر امني إسرائيلي أمس كمن ينقل رسالة واضحة لحماس: معادلة ردود الجيش الإسرائيلي على حماس تغيرت، ويجدر بالجميع ان يعتاد القواعد الجديدة. إذا كانت هذه هي القصة بالفعل، فينبغي الترحيب بذلك. وخلافا لباقي أفعال ليبرمان حتى الآن في وزارة الدفاع، فإن هذا التغيير حيوي ومطلوب».قواعد اللعب» التي كانت متبعة حتى الان كانت تقترب من التسيب. تنقيطات صواريخ هنا وهناك، او هنا وكذا هناك، بتوقيت غير دائم، رد عليها بشكل عام بهجوم تمثيلي من سلاح الجو على مثل هذه الكثبان الرملية أو غيره، لغرض وضع اشارة نصر في الدفتر الافتراضي. ترسب الغبار ـ والكل واصل كالمعتاد. الكل باستثناء أطفال سديروت وغلاف غزة، الذين يواصلون العيش في ظل «اللون الاحمر» (صافرة الانذار)، والإبقاء على مسافة لمسة من المجال المحصن.
لا توجد دولة سيادية في العالم توافق على ان يدير مئات الالاف من مواطنيها حياة عادية تحت تهديد دائم كهذا، وان يكونوا خاضعين لأمزجة بضع عصابات ملتحية في غزة.
عندما خطط ارئيل شارون لفك الارتباط، طلب أن يرد على كل صاروخ قسام يطلق بنار مدفعية عديم التمييز من الجيش الإسرائيلي نحو المكان الذي اطلق منه الصاروخ. اوضحوا له بأنه ستكون صعوبة قانونية لتبرير مثل هذا الفعل. شد شارون على اسنانه، ولكن لم تكن لديه فرصة لإسداء نصيحة بديلة. اما افيغدور ليبرمان فقد أخذ زمنه في وزارة الدفاع، حقق بعض الثقة بالنفس وهو ينتهج الان قواعد لعب جديدة وبالأساس وتيرة اخرى. حاول تسريع هدم منازل المخربين في اعقاب العمليات (بنجاح محدود) وهو يحاول او يثقل اكثر فأكثر على مناطق وعلى سكان يخرج منهم الإرهاب (مثلما هو الحال آنفا). مبادرته لتغيير مستوى ردود الفعل الإسرائيلية في غزة هامة، شجاعة، ولكنها خطيرة ايضا.
من يغير قواعد اللعب بشكل أحادي الجانب ينبغي أن يكون مستعدا لأن يسمح للطرف الآخر بأن يحاول بلورة قواعد خاصة به. والسؤال هو هل لدى إسرائيل ما يكفي من «الهواء» كي تحتمل جولة عنف مع حماس في التوقيت الحالي، مع نهاية الصيف وبداية السنة الدراسية؟ وهل نتنياهو، الذي اظهر مناعة متدنية جدا في الجرف الصامد، هجر سياسة الاحتواء التي اتخذها مع موشيه بوغي يعلون في صالح المعادلة الجديدة لليبرمان؟
ان الإسناد الذي اعطاه نتنياهو لليبرمان الان غير ذي صلة. والسؤال هو كيف سيتصرف عندما تصطخب المدافع ويجلس السكان في الملاجيء. من أجل تغيير معادلة استراتيجية هناك حاجة لكفاءة مناعة، قدرة امتصاص واستعداد لدفع الثمن. نحن قبيل نهاية الصيف الثاني على التوالي بلا مواجهة في غزة. فهل نتنياهو مستعد لأن يأخذ الرهان لاشتعال واسع قبيل أعياد تشري العبرية؟
سنحصل على أجوبة جزئية على هذه الاسئلة في الايام القريبة القادمة. اما حاليا، على الطريق، فقد هاجم سلاح الجو امس، برشاقة كبيرة، جهاز اطلاق نار سوري في اعقاب «تسلل» قذيفة هاون إلى هضبة الجولان. لقد انتهى عصر التسللات، يعلن ليبرمان. لا في الجنوب ولا في الشمال. من المهم الاشارة بأن قبله ايضا ردت إسرائيل على كل تسلل، ولكن بشدة اخرى. اما الان فيوجد رب بيت جديد على الساحة. سنرى إذا كان سينجح في تغيير اللعب.
معاريف 23/8/2016