الوساطة الروسية في الأزمة السعودية ـ الإيرانية:  بين القبول والرفض

حجم الخط
1

موسكو ـ «القدس العربي»: أدى إعدام رجل الدين الشيعي البارز في السعودية الشيخ نمر النمر إلى تدهور سريع في العلاقات السعودية الإيرنية بين ليلة وضحاها. وتحول الخلاف إلى أزمة اقليمية  قد تشكل نواة نزاع عالمي .
موسكو من ناحيتها لم تتمكن من إدارة ظهرها لهذا التطور الخطير، فقد أعلن مصدر رفيع المستوى في وزارة الخارجية الروسية عن استعداد الكرملين القيام بلعب دور الوسيط في تسوية النزاع بين هذين البلدين. فيما أشار بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية إلى ضرورة حل الإشكالات والخلافات بين الدول بالحوار والمفاوضات. وأشار المصدر كذلك إلى أن موسكو تدعو لمواصلة المباحثات بصيغة فيينا حول سوريا، بمشاركة كل من إيران والسعودية. وقال الدبلوماسي الروسي: «من دواعي سرورنا أننا استطعنا، وبدعم من الأمريكيين، تشكيل المجموعة الدولية لدعم سوريا، والتي تشارك فيها السعودية وإيران، وهما دولتان لهما نفوذ كبير جدا في المنطقة. وأملنا أن تستمر هذه الآلية وأن تعمل بما يخدم إيجاد حل سياسي للأزمة السورية».
ويرى يفغيني ساتانوفسكي، مدير معهد الشرق الأوسط في موسكو، أن لدى موسكو جميع الفرص والأمكانيات للقيام بالوساطة بين إيران والسعودية. ويضيف قائلا: «آخذا بعين الاعتبار أنه تربط روسيا والسعودية علاقات مقبولة وعلاقات موسكو مع إيران يمكن أن نصفها بالودية، وعليه يمكن لموسكو أن تكون وسيطا لحل النزاع وإخماد الحريق بنجاح في هذه المرحلة. ولكن السؤال الأهم هنا: هل سيقبل طرفا الخلاف هذا الاقتراح؟».
هل سيكون صوت موسكو مسموعا من قبل إيران والسعودية؟ يبدو أن قبول المقترح الروسي بلعب دور إصلاحي يتوقف بشكل كبير على ماهية مقترحاتها. ولكن، وفي الوضع الحالي لا يرى الخبراء الروس إمكانية كبيرة لدى روسيا للتأثير على هاتين الدولتين. ولا يرى ليونيد إيسايف الأستاذ في قسم العلوم السياسية في مدرسة الاقتصاد العليا أي دولة يمكن أن تساعد في تسوية هذه الأزمة منفردة، ويشير إلى ضرورة انشاء ائتلاف من أجل ذلك ويضيف قائلا: «لا أعتقد أن موسكو ستكون وسيطا جيدا هنا. حيث لا يكفي قبول أحد الطرفين بالوسيط ومقترحاته، بل من الضروري أن يتمتع هذا الوسيط بنفوذ معين. ومعروف أن لدى روسيا نفوذ في الأوساط السياسية الإيرانية ولكن لست واثقا بأنها تتمتع بذات النفوذ والتأثير على القيادة السعودية. ولذلك لا أرى أفقا لهذه الوساطة. وأعتقد انه لا بد من إنشاء ائتلاف دولي موسع من أجل حل هذا النزاع الصعب والمعقد».
ويعتبر هومير إيسايف، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصر في سان بطرسبورغ ان العقبة الكبيرة أمام الوساطة الروسية في هذه المسألة هي العملية العسكرية الروسية في سوريا.
«لدى روسيا اتصالات هامة مع النخبة الإيرانية والسعودية الأمر الذي قد يساعد على الوساطة. ولكن التدخل الروسي في الحرب جعلها أحد أطراف النزاع الذي يُعتبر بشكل أساسي مواجهة اقليمية بين السعودية وإيران. وفي هذا الإطار، ليس من الممكن لروسيا ان تكون وسيطا محايداً»، يقول هومير إيسايف في مقابلة خاصة مع «القدس العربي».
من البديهي أن النزاع بين إيران والسعودية لا يؤثر على مصالح هذين البلدين فقط بل هو أكبر وأوسع من ذلك حيث يؤثر على العمليات الأخرى في المنطقة. فقد أعلنت السلطات البحرينية والسودانية قطع علاقاتها مع طهران، واستدعت كل من الكويت وقطر وجيبوتي سفرائها من إيران. بالإضافة إلى ذلك، أوقفت الرياض علاقاتها التجارية مع إيران وأوقفت الخطوط الجوية من وإلى طهران. والسؤال الآخر: هل ستكتفي السعودية بهذه التدابير؟ يرى ليونيد إيسايف انه على الرغم من إستحالة تطور الأمر إلى حد النزاع العسكري المباشر بين إيران والسعودية ولكن عملياً الحرب بينهما مستعرة ولكن في أراضي محايدة. ويضيف الخبير قائلا: «لدى السعودية نزاعات عديدة تشارك فيها دون نجاحات في الوقت الراهن ومنها اليمن وسوريا. وبالنسبة للسعودية، من المهم تحقيق النجاح على الساحة الدولية. ومن أجل ذلك لا بد لها أن تتخذ اجراءات لتغيير الوضع وصرف أنظار الشعب السعودي عن مشاكل المملكة الداخلية نحو القضايا الدولية. وانطلاقا من هذا، ركزت السعودية على عرض ما أسمته الخطر الإيراني الشيعي على العالم السني كله وبدأت بعمليات عسكرية فيما يسمى الأراضي المحايدة».
ولم تتمكن الدولة السعودية التي تواجه منذ أكثر من 40 سنة الجارة المتعبة إيران، ان تقبل واقعا جديداً يتمثل بخروج عدوها الرئيس (إيران) من العزلة السياسية والاقتصادية. والآن، بعد إعدام النمر، قد تتخذ إيران خطوات قاسية من شأنها إستدراج  رد فعل غربي سلبي. والسؤال هنا: هل تفهم إيران ذلك؟ فلاديمير أحمدوف، العضو في مركز دراسة المشاكل العامة للشرق الأوسط، يرى أن طهران تفهم وتعي جميع العقوبات المحتملة لهذا الوضع بالنسبة لها كونها دولة متعددة الأعراق، ويضيف قائلا:»من الواضح أن إيران تعمل على تكثيف تواجدها وتأثيرها في دول الخليج العربي ولها مجموعات شيعية في العديد من البلدان العربية. إلا أن الاستمرار في دعم هذه الجماعات  أصبح غير ممكن الآن، وغير ذي جدوى بالنسبة لإيران حيث الثقل الأكبر والسلطة والتأييد الشعبي أكبر للسنة في هذه البلدان وهنا في روسيا أيضاً. هذا الوضع الجديد يثير التساؤل حول قدرة إيران على المشاركة الفعالة في تسوية الأزمة السورية».
وفي سوريا، تعمل القوات الإيرانية الخاصة جنبا إلى جنب مع القوات الروسية. ولا يمكن المبالغة في تقدير المساعدة الإيرانية للنظام السوري. ومع دخول روسيا إلى العملية العسكرية في سوريا، وجدت روسيا نفسها إلى جانب إيران الأمر الذي يعد امتحانا للدولة التي يعيش فيها حوالي 25 مليون مسلم معظهم من أهل السنة. ومع بداية العملية في سوريا انقسمت آراء مسلمي روسيا، البعض إستهجن قيام روسيا بدعم إيران الشيعية وحلفائها، حيث أن أغلبية المسلمين الروس هم من أهل السنة. ويعتبر فلاديمير احمدوف أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في السؤال نفسه ويضيف قائلا: «في سوريا وبلدان عربية أخرى، السكان السنة متطرفون جدا للأسف. ولا ترغب روسيا في تسرب هذا التطرف إلى الحدود الروسية». من جانبه، يرى ليونيد إيسايف أن التدهور في العلاقات بين إيران والسعودية سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع في سوريا والعراق. وليس من المستبعد أن يقوم الائتلاف الذي أنشأته السعودية بأعمال عسكرية في الأراضي السورية والعراقية وتحت مظلة الائتلاف الإسلامي السني قد تنتشر قوات تركية في شمال العراق وسوريا.

فيكتوريا سيموشينا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية