تثير بعض أجهزة الاعلام المصري قضايا عجيبة لا طائل من ورائها، كما تثير بعض أجهزة الاعلام العربي، التي لا شغل لها إلا تجريح مصر، حالة من التخبط الفكري والثقافي بل والاخلاقي لدى القراء والمشاهدين والمستمعين، بدءاً من اختيار الكلمات والالفاظ أو المشاهد. النقد الموضوعي يعين في البناء والتوجيه وأنا معه تماما، ولكن الهجوم والتجريح يأتى بنتائج عكسية.
مصر لاتزال جريحة، رغم نزوعها نحو الاستقرار بإقرار الدستور، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية، والسير نحو الانتخابات التشريعية (البرلمانية)، وبهذا تكتمل خارطة الطريق. ولكن خارطة الطريق وحدها لا تكفي للخروج من الازمات والتحديات، ولا توقف الدماء النازفة عبر السنوات الثلاث الماضية، ولا الظاهرة الجديدة، ظاهرة التحرش، كجزء من المشكلة الاجتماعية التي تشهدها مصر، ولا نجد لها علاجاً حاسماً حتى اليوم، خصوصا أن جزءاً منها أصبح انتقاما وتشويها لسمعة الجيران المختلف معهم، أو أصحاب المديونيات، أو حتى بعض ذوي القربى على سبيل المثال لا الحصر.
الجرائم التي ترتكب بحق الابرياء – كباراً وصغاراً – مفزعة، وتكرارها في شتى المحافظات من أسوان حتى مرسى مطروح يحتاج الى علاج جديد، لا يقتصر على الحلول الأمنية فقط، ولا السجن الذي يحمَّل الدولة الكثير من الجهد والانفاق بدون طائل، بل يشمل ويعالج روح وأسباب الاجرام، والكثير منها اجتماعية وثقافية وأخلاقية واقتصادية.
رغم كل ذلك، فإن مصر تجذبني وتشدنى إليها شداً قويا بمشكلاتها وتحدياتها، وأرى أن الاسهام في الخروج من تلك التحديات والمآزق هو من الجهاد في سبيل الله. الجهاد الذي أقصده، هو من قبيل الجهاد الذي أشار إليه ابن القيم في مرجعه العظيم «زاد المعاد» ومنه جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الأمر بالمعروف، وجهاد محاربة المنكر، وأضيف إليه اليوم وفي ظروفنا هذه، جهاد الخروج من الفقر والجهل والمرض، وجهاد التنمية، وجهاد التفكر في خلق السموات والأرض كما أمرنا الله تعالى، وجهاد اخراج الساكنين في المقابر والعشوائيات الى مساكن تليق بالانسان، وجهاد المحافظة على وحدة الوطن، حتى لا نصل الى حالة افغانستان أو العراق أو الصومال أو سوريا أو اليمن أو ليبيا، وكلها ماثلة أمام كل ذي بصيرة. أنا أعرف أن هناك بعض المتربصين بمصر وبالامة العربية والعالم الاسلامي شراً، وهناك من يدعم تلك المخططات بلا وعي ولا بصيرة. وهناك من يظن أنه يحارب النظام المصري القائم، فإذا به يقع في محاربة الوطن عن طريق التفجيرات، وحرق سيارات الشرطة والجيش والمواطنين، ويظن غافلاً أن ذلك من منافسة النظام..
وسط هذه الهموم والتحديات التي تحتاج الى عمل كبير بعد وضع سياسة يحترمها الجميع، جاء أداء اليمين للوزارة الجديدة في مصر الساعة السابعة صباحا، وخرج بعض الوزراء في جولات تفتيشية في اليوم الثاني والثالث لاداء اليمين، للاطلاع على العمل ومشاهدة الأداء، وقع بعضهم على جرائم تأخير الوصول الى المستشفيات وإهدار الوقت، أو جلوس المرضى على الارض بطريقة مزرية.
أنا أقول هذا هو عمل الوزراء، وليس الاستغراق في التوقيع على الاوراق التي لا تنتهي، فهذه يجب أن تكون مهمة وكلاء الوزارة والمديرين وليست مهمة الوزراء. الوزراء لهم مهمة محددة، جاءت في المادتين (167) (168) من الدستور.
هكذا يجب أن يكون عمل الوزراء كمجلس وككل، واهتمامهم وفق الدستور بوضع السياسة العامة للدولة ومتابعة تنفيذها بالشكل المفصل في الدستور وهذه مسؤولية جماعية يحاسبهم عليها رئيس الوزراء، ويحاسب الجميع رئيس الجمهورية، أما كل وزير على حدة فعليه أن يضع السياسة العامة لوزارته، بما لا يتناقض مع السياسة العامة للدولة كما كان يحدث من قبل، بل بما يتسق معها. نظرت بارتيــــاح شـــديد الى أداء الوزارة اليمين في تمام الساعة السابعة صباحا وربما تكون هذه هي المرة الأولى في التاريخ المصري الحديث على الأقل، التي يتم فيها أداء اليمين في هذا الوقت المبكر.
هذه الظاهرة يجب أن تكون جزءاً من احترام أهمية الوقت والاستفادة منه، ولذلك فإنني أشعر بالحزن عندما تدعونا القنوات التلفازية ولا تراعي الوقت الدقيق، حتى وقت سائق السيارة الذي يأتيك قبل موعده بساعة أو أكثر يضيع هباء. أقول لهم كل يوم كما اعتدت أن أقول لأولادي عندما ينزلون السوق، ويسألون عما اريده من السوق، كنت أقول لهم، إذا وجدتم وقتا يباع في السوق فأتوني بشيء منه.
ومن أجمل ماقاله الامام حسن البنا في رسائله عن الوقت وتعلمته منه، عندما سأل بعض من يجلسون على المقاهي ماذا تفعلون؟ قالوا له إنهم يقتلون الوقت، فقال لهم، إن من يقتل وقته هكذا فإنه يقتل حياته، إذ أن الوقت هو الحياة. لم يقل لهم حسن البنا كما يقول كثير من الناس، الوقت من ذهب، وكما يقول الغربيون، بل قال لهم إن الوقت هو الحياة. مفهوم جديد ودرس لا أنساه، ولا ينبغي أن ينساه الجميع، وكأنما أراد الرئيس السيسي أن يعيد الدرس نفسه للوزراء بطريقة أخرى وبشكل عملي.
٭كاتب مصري
د. كمال الهلباوي