واشنطن ـ «القدس العربي»: تفضل إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما البقاء على هامش الكارثة اليونانية المالية التى يمكن ان تقلب الأسواق المالية في العالم رغم دخول الأزمة في منعطف هام حيث رفض الناخبون في البلاد خطة انقاذ جديدة من شأنها تقديم جولة أخرى من الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي بشرط اتخاذ تدابير تقشف إضافية.
واكتفى المسؤولون الأمريكيون بمشاهدة الدراما التي تجري عبر المحيط الأطلسي رغم أخطار الملحمة الاقتصادية التي قد تؤدى إلى قلب الاتحاد الاقتصادي الأوروبي ورمي الأسواق المالية في حالة من الفوضى.
وقال السكرتير الصحافي للبيت الأبيض جوش ارنست ان القادة اليونانيين والأوروبيين يجب ان يستمروا في العمل نحو إيجاد حل وسط مع الإشارة إلى وجود خلافات كبيرة بين الجانبين ولكن الولايات المتحدة في الواقع لم تقم بأي دور في هذه المسألة غير هذا الالحاح. وأضاف ارنست للصحافيين: «مسؤولية حل الأزمة تــقـع على عــاتق أوروبا في نهاية المطاف».
وقد قرر أكثر من 60 في المئة من الناخبين اليونانيين رفض حزمة المساعدات التي رفضها، أيضا بعض أعضاء الحكومة ولكن مفاجأة القرار تركت قادة أوروبا بدون خطة، كما ارتفعت احتمالات خروج اليونان من منطقة اليورو بشكل غير مسبوق، وقرر البنك اليوناني المركزي اغلاق البنوك لعدة أيام في حين أعلن البنك الأوروبي انه لن يتم زيادة الائتمان للبلاد كما وضع ضغوطا إضافية على الموارد المالية المتعثرة في اليونان.
واستقال وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس بشكل مفاجئ بعد إعلان نتائج الاستفتاء، فقد كان من أشد منتقدي تدابير التقشف التي طالبت بها أوروبا وخاصة المانيا، أما المؤشرات الأولية من المسؤولين الدوليين فقد تمثلت في محاولات معرفة الخطوة المقبلة بعد ان رفضت اليونان اقتراحاتهم السابقة وقالوا ان الخطوة المقبلة تقع على عاتق اليونان. وقالت كريستين لاغارد، العضو المنتدب لصندوق النقد الدولي ان الصندوق يراقب عن كثب الوضع وهو على استعداد لمساعدة اليونان إذا تمت مطالبته بذلك.
وابتعدت الولايات المتحدة تماما عن خضم الاضطراب عبر البحار وبقيت على هامش الأزمة، وفي أحسن الأحوال، حاولت القيام بدور استشاري لقادة العالم بحثا عن نوع من التسوية. ورغم إصرار إدارة اوباما من خلال التصريحات على فتح خطوط اتصال مع المسؤولين في الخارج إلا ان واشنطن في واقع الأمر قامت بتحركات فقيرة جدا لا تقارن مع صخب التعليقات.
وقد أكدت إدارة اوباما مرارا وتكرارا ان الولايات المتحدة لديها علاقات اقتصادية مباشرة محدودة مع اليونان لذلك فسيكون تأثير الانهيار محدودا جدا على الاقتصاد الأمريكي. والخبراء بدورهم أقل قلقا من تأثير الصراعات اليونانية على الاقتصاد العالمي ولكن خوفهم يتركز على حالة الفوضى والشكوك التي قد تصيب الأسواق المالية العالمية.
ويتفق المحللون الأمريكيون على ان مخاوف تأثير الديون اليونانية قد تبدأ في الانتشار في بعض الدول الأوروبية الأقل سلامة من الناحية المالية مثل اسبانيا والبرتغال ولكن هناك قلقا من انتشار العدوى مما قد يفجر أزمة مالية واسعة تؤدي إلى انهيار الأسواق وهو أمر سيكون محسوسا في الولايات المتحدة، وإلى حد ما كما يقول المحلل بيتر شرودر فقد تمكنت أسواق المال الأمريكية من السيطرة على الأمور حيث انتهى اليوم الأول من التداول في مؤشر جونز بعد الاستفتاء بإنخفاض لا يتجاوز 47 نقطة.
وقلل حاكم ولاية نيوجرسي كريس كريستي وهو واحد من المرشحين الجمهوريين لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة من مخاوف الأزمة اليونانية وسط التطورات الجديدة وقال انه لا يعتقد ان لها تأثيرا كبيرا على اقتصاد الولايات المتحدة ولكنه أكد في حديث مع برنامج «هذا الصباح» على شبكة «سي بي اس» ان تأثير الأزمة سيكون كبيرا جدا على أمريكا إذا أدت إلى انهيار الاتحاد الأوروبي.
وأدت العاصفة السياسية المحيطة بمتاعب اليونان إلى قليل من التموجات في الولايات المتحدة حيث أراد بعض الساسة في واشنطن استخدام محنة اليونان من أجل دفع خطط مماثلة للولايات المتحدة. وأشاد السناتور بيرتي ساندرز الذي يتبنى حملة ليبرالية رئاسية تقوم حل مشكلة عدم المساوة الاقتصادية بموقف الشعب اليوناني الذي رفض حزمة التقشف وقال: «في عالم تتفاوت فيه الثروة والدخل بشكل مذهل يجب ان تدعم أوروبا جهود اليونان لبناء اقتصاد قادر على خلق المزيد من فرص العمل والدخل وليس المزيد من البطالة والمعاناة». وفي الوقت نفسه، أشار الجمهوريون إلى مشاكل اليونان باعتبارها علامة تحذير وجادلوا بان الولايات المتحدة قد تواجه تحديات مماثلة اذا فشلت في كبح مشاكلها المالية.
واستغل حاكم ولاية اريزونا بوبي جندال الأزمة بالقول: «إذا رغبنا في نظرة خاطفة إلى مستقبل أمريكا مع هيلاري كلينتون أو بيرني ساندرز فعلينا النظر إلى ما يحدث في اليونان اليوم»، وأضاف «اليونان قدمت لنا الديمقراطية، والآن نشاهد كيف يمكن قتل الديمقراطية».
وأثار المحللون الأمريكيون الذين يراقبون المشهد اليوناني تساؤلات حول مدى قدرة رئيس الوزراء اليوناني على تقديم اقتراحات معقولة لأوروبا ومدى قدرته على التنفيذ حيث أشار الاستفتاء بما لا يدعو للشك ان الأغلبية الساحقة من الناخبين اليونانيين يعارضون زيادة التقشف المالي والاصلاح الاقتصادي الهيكلي. ووفقا لقول المحلل ديسموند لاشمان فان التصويت الساحق بلا في نهاية الاسبوع الماضي لا يترك مجالا للشك حول عمق الغضب الشعبي اليوناني من الأداء الاقتصادي الكارثي للبلاد تحت أداء الصندوق الدولي ووصاية الاتحاد الأوروبي، حيث شهد الاقتصاد اليوناني فترة من الكساد الاقتصادي على غرار تلك التي حدثت في الولايات المتحدة في الثلاثينيات من القرن الماضي، وانخفض الإنتاج بنسبة 25 في المئة وارتفعت البطالة إلى أكثر من 25 في المئة.
والحقيقة المحزنة، من الناحية السياسية، كما يضيف لاشمان ان اليونان ليست في وضع يمكنها من تلبية ميزانية واملاءات الاصلاح الاقتصادي الهيكلي من دائنيها، والتظاهر بخلاف ذلك يعني الانخراط في عملية من خداع الذات، ولذلك يتعين على الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد التصالح مع حقيقة ان البلاد لم تعد قادرة على البقاء ضمن قيود اليورو، كما ينبغي التفكير في خطة أخرى قد تساعد اليونان على الخروج من اليورو بشكل منظم.
ولكي نشاهد الصورة الكبيرة بدقة أكثر فلا بد من التمعن قليلا بعيدا عن التجاهل الأمريكي الرسمي للمأساة الاغريقية الحديثة، حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي في عام 2015 بسبب الضعف الاقتصادي الأخير في الولايات المتحدة وسط حالة من عدم اليقين في اليونان والصين. وفي حين تكافح اليونان من أجل البقاء في منطقة اليورو بينما تتراجع باستمرار سوق الأوراق المالية في الصين، فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى ان الولايات المتحدة هي السبب الرئيسي للخفض، حيث انكمش الاقتصاد الأمريكي بالفعل في الربع الأول بسبب طقس الشتاء القارس وتعطل الموانئ على طول الساحل الغربي بسبب النزاعات العمالية ناهيك عن قوة الدولار التي تعيق التصدير.
رائد صالحة