ذات مرة كان من المسلي مناكفة اليسار. حين كان اليسار قويا وجديا، كان من الصحيح توجيه الاسئلة التي زعزعت الوحدة من النوع الذي قدسه. حين سيطر اليسار على الحكومة، وسائل الإعلام، القضاء والاكاديميا والجيش كان من المهم وضع الحقائق التي هرب وتنصل منها امامه، ولكن الآن حيث أن اليسار ضعيف جدا يعتصر القلب ألما. حيث ان اليسار مُلاحِق ومُلاحَق فلا حاجة إلى رش الملح على جروحه.
رجال اليسار هم اخواني واخواتي. أنا أشاركهم القيم وأتألم من سقوطهم. لذلك حين يوجهون الي الاقوال البلهاء أنا أتجاوز الأمر واعض على الشفاه وأواصل. ولكن في بعض الاحيان لا يوجد خيار ويجب العودة وتفسير ما تشوش. متى وكيف انتحر اليسار.
انتحر اليسار الراديكالي حين انفصل عن الواقع. رفضه الاعتراف بالفشل لاتفاقيات اوسلو، ومؤتمر كامب ديفيد وعملية انابوليس أدت إلى اعتبار اليسار في اسرائيل بانه بدون مصداقية. رفضه الاعتراف بان الانسحاب (المحق) من قطاع غزة أدى إلى سقوط الصواريخ على عسقلان، اسدود وتل ابيب، دفع إلى اعتبار اليسار في اسرائيل كهذياني. رفضه مواجهة حقيقة أن الشرق الاوسط فظ وان الكيان السياسي الفلسطيني لا يعمل أدى إلى اعتبار اليسار في اسرائيل بأنه محلق. الانفصال عن الواقع يدفع الكثير من الاسرائيليين إلى عدم الاستماع للاقوال الصحيحة التي يقولها اليسار عن الاحتلال، والمستوطنات والتهديد على الديمقراطية الاسرائيلية.
انتحر اليسار الراديكالي حين انفصل عن مفخرة الاسرائيليين. معظم الاسرائيليين فخورون بدولتهم. صحيح أنه من الصعب العيش هنا حيث الغلاء والاكتظاظ والصراع ولكن مع ذلك قامت هنا أمة. الاسرائيليون يحبونها. لذلك حين يقول لهم اليسار انهم بشعون ومنفرون ـ فإنهم لا يتلهفون من ذلك، وحين يقول ان كل شيء سيء هنا ـ لا يشترون هذه البضاعة. انهم غاضبون على حامضي الوجوه الذين لا يسمحون لا لأنفسهم ولا للآخرين بالاحتفال باسرائيل وبانجازاتها.
انتحر اليسار الراديكالي حين ضعف امام الفلسطينيين. صحيح: لا يوجد تناظر بين شعب محتل وشعب تحت الاحتلال وتتحمل اسرائيل المسؤولية الاساسية عن الاحتلال. ولكن ماذا عن القيادة الفلسطينية؟ ايضا عام 1937 وأيضا عام 1947 كان يمكن اقامة دولة فلسطينية ومنع النكبة، لكن الفلسطينيين قالوا «لا». أيضا عام 2000 و 2008 كان يمكن اقامة دولة فلسطينية وانهاء الاحتلال، ولكن الفلسطينيين قالوا «لا». مرة وراء الاخرى اختاروا تخليد الاحتلال.
هل هاجمهم اليسار الراديكالي بنفس الغضب الذي يهاجم فيه حكومات اسرائيل؟ هل ذهب إلى رام الله وضرب على الطاولة وقال لمحمود عباس الاشياء التي يكتبها هذا اليسار عن بنيامين نتنياهو؟ لا. عدم القدرة على النظر إلى جيراننا بمستوى العينين ادى إلى عدم تعاطي الفلسطينيين والاسرائيليين ايضا مع اليسار الراديكالي بجدية او احترام.
الانفصال عن الواقع وعن الاسرائيلية واستجداء الفلسطينيين يدفعان اليسار الراديكالي الآن للانقضاض ايضا على مفهوم الدولة اليهودية الديمقراطية.
يفهم باراك اوباما وهيلاري كلينتون ايضا انه لا يمكن تقديس الدولة القومية للشعب الفلسطيني واحتقار الدولة القومية للشعب اليهودي. لكن اليسار الراديكالي ليس كذلك. بالنسبة له ان الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني قد بدأ مع الاحتلال ويدور حوله فقط. بالنسبة له ان مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بوجود شعب يهودي هي سادية. وحسب رأيهم ان الحقوق القومية المعلنة في البلاد هي لغير اليهود فقط.
في هذه النظرة الاحادية الغير تاريخية والبعيدة عن الواقع لا يمكن احداث تغيير سياسي في اسرائيل. ولا يمكن ايضا انهاء الاحتلال أو تجربة السلام. اليسار الراديكالي وبعد أن انتحر يساعد اليمين الآن من أجل انتحارنا جميعا.
هآرتس29/8/2016