يوم الاثنين 14 أيار/مايو يمكن استخدامه في المستقبل نقطة انطلاق ممتازة للمؤرخين الذين يريدون تحليل الواقع في إسرائيل في السنة السبعين على اقامتها. الاحتفال في القدس واندفاع فرح الجمهور في ميدان رابين في اليوم الذي قتل فيه 60 فلسطينياً غير مسلح الذين حاولوا «تدمير إسرائيل»، حسب اعلان نتنياهو، تعبر عن ملخص التوجهات التي تشكل صورة المجتمع الإسرائيلي.
الاحتفال المسيحاني المجنون وتحويل الفائزة في الاورفزيون إلى أيقونة تستحق السجود أمامها مع تجاهل كامل للواقع الفظيع على حدود قطاع غزة، تدلل على أن التوق إلى الاساطير وقدرتها على تجنيد الجمهور لم تتغير حتى في الفترة التي أصبحت فيها التكنولوجيا تسيطر على المجتمع وتهدد تماسكه، لذلك فان اللقاء الاكاديمي الذي عقد مؤخراً في جامعة تل أبيب في موضوع بناء أساطير في العصر الحديث، كان من شأنه أن يثير اهتمام اكثر من حفنة مشاركين، حيث أنه في الوضع الراهن يدور الحديث عن نقاش في مكونات ستحدد شكل المجتمع الانساني بشكل عام والمجتمع الإسرائيلي بشكل خاص. المؤتمر الذي خصص لكتاب دافيد أوحانا «الترتيب الأسطوري للحداثة» (اصدار الكرمل)، ركز في أغلبه على الدور المركزي الذي لعبته الأساطير في الثورة الصهيونية وفي انشاء دولة إسرائيل. ولكن رغم أنه من المهم الاعتراف بحقيقة أن إسرائيل قامت كنتيجة واضحة لتبني الأساطير القومية التي تمت بلورتها في أوروبا كبديل للدين، فانه في إسرائيل 2018 من المهم اكثر فهم الطريقة التي خلقت بها الاساطير وكيف تؤثر على الواقع الاجتماعي والسياسي.
المتحدثون ومن بينهم البروفيسور موشيه آيدن والبروفيسور رون مارغولين والبروفيسور موشيه كوتسرمن قاموا بطرح الخلفية التاريخية للظاهرة العالمية التي ترافق المجتمع الانساني منذ بدايته. الاساطير، كما قالوا، تعمل على الاحساس والخيال وهي أكثر خيالية من التفسيرات المنطقية. هذه الأساطير تنشر مثل قصص، تعطي أهمية وتفسيراً للعالم، وتمنح هوية لمجموعة وتستخدم مثل الصمغ الذي يجمع أعضاءها.
هذه الحقائق، كما يتبين، لم تتغير حتى عندما ظهر في القرن الثامن عشر والتاسع عشر أن العلمانية والعلم والتفكير المنطقي ستؤدي إلى نهاية الاساطير البدائية.
في إسرائيل الحالية ليس من الصعب تشخيص تأثير مجموعات صغيرة، يتم تحريكها من قبل الايمان بأساطير الشعب المختار، التي يريد أعضاؤها العودة إلى الايام الاولى من خلق العالم ومستعدون للموت من أجل حجارة «مقدسة». ولكن من المهم أكثر ملاحظة أساطير أقل بطولية آخذة في التشكل أمام أنظارنا.
أولاً وقبل كل شيء يجدر تحليل مفهوم «الشعب» الذي يزداد استخدامه يوما بعد يوم، ليس فقط في الشبكات الاجتماعية بل أيضاً في وسائل الإعلام المؤسسة. هكذا تم تبشيرنا مؤخرا ثانية بأن «الشعب» مع اليئور ازاريا وضد نتالي فورتمان. يبدو أن الامر يتعلق بظاهرة هامشية، لولا حقيقة أنه في تزايد الانباء التي تنسب لنفسها ملكية الشعب يكمن خطر: من دون إدراك هي تتحول إلى اللبنات الصغيرة التي تبنى منها في النهاية الاساطير الجديدة لبداية القرن الواحد والعشرين.
هكذا مثلا خلق التحديد المطلق لمفهوم «شعب» مع اليمين اسطورة ايضا في الجانب الثاني من الخارطة السياسية، الذي وجد تعبيره في شعور اليأس الذي يرافق معسكر اليسار. حقيقة أنه في الاسبوع الاكثر نجاعة في الحياة السياسية لنتنياهو عندما وفق بين دونالد ترامب وفلادمير بوتين منحته الاستطلاعات فقط 5 مقاعد أخرى، تدلل على أن ليس كل «الشعب» يتدفق خلفه بعيون مغمضة. حتى لو تقلصت كتلة اليسار فان كتلة الوسط ما زالت مترددة بين الجانبين.
اضافة إلى ذلك فإن الندب على هزيمة النخب «القديمة» مبالغ فيه. قوتها بارزة ليس فقط في الاكاديميا، في الثقافة والفن، ايضا في الاقتصاد الذي يعتمد على أشخاص مهنيين ذوي ثقافة عالية ـ اقتصاديون، علماء، محامون واطباء ـ تستند في أغلبها على رجال «الماضي» الذين بدون علاقة مع الخلفية الطائفية يميلون إلى دعم اليسار ـ وسط.
المشكلة هي أنه في اليسار ليس فقط لا توجد اليوم أساطير مجندة، بل أيضاً ليس في أوساطه من يفكر بتشكيلها. في المقابل، اليمين ليس فقط يؤسس قوته على احد الافكار التي تلفها الاساطير والتي لديها قوة التجنيد الاكبر في العهد الحديث ـ القومية ـ بل يوجد في اوساطه ايضا من ينجح في استغلالها بنجاح. لا شك أن نتنياهو خبير في هذا المجال. استحواذه بشأن الاعلام ليس صدفة. هو يعرف جيداً حقيقة أن هذه هي الوسيلة الناجعة جداً لبناء أساطير مجندة يمكنها تشكيل الخارطة السياسية.
حتى لو أنه لم يقرأ كتاب أوحانا أو كتباً أخرى منشغلة بهذا الموضوع، فهو يعمل بالضبط بنفس الاسلوب الذي أوصى به في نهاية القرن التاسع عشر المفكرون الذين مهدوا الارضية للمأساة التي حدثت في الثلاثينيات. لقد ناقشوا الأساطير كوسيلة سياسية ودعوا إلى إنتاج أساطير عنيفة من أجل تغيير الواقع. حقيقة أننا نعيش في فترة يتم التحكم بها من قبل زعماء عدوانيين مثل ترامب وبوتين وأردوغان وزعماء شرق أوروبا «الجديدة» الذين رفعوا عن أنفسهم كل القيود الاخلاقية، تذكر ايضا بواقع الثلاثينيات الذي تحولت فيه أساطير عنيفة إلى برامج عمل.
هآرتس 23/5/2018