تعز ـ «القدس العربي»: تصاعد حدة الأزمات البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشكل رأس الحربة في قوات التحالف العربي لدعم السلطة الشرعية في اليمن، خلق انسدادا في الأفق على المدى القريب على الأقل أمام أي تحرك لحل الأزمة اليمنية وإنهاء الحرب هناك، وشعر اليمنيون أنهم وقعوا في (نفق مسدود) بشأن ذلك.
وأكد عدد من السياسيين أن «الأزمة الراهنة بين الدول الخليجية قصمت ظهر اليمنيين، أكثر من الخليجيين لأن تأثيرها على الصعيد الخليجي يعبر سياسيا بينما على الصعيد اليمني إنسانيا بسبب الحرب المشتعلة منذ مطلع 2015 والذي زادته الأزمة الخليجية تعقيدا وتأزما».
وأوضحوا لـ«القدس العربي» أن «الأزمة الخليجية التي قسّمت دول مجلس التعاون الخليجي إلى جبهتين، الأولى تتزعمها السعودية والإمارات في مقابل جبهة قطر والتي تتصاعد بشكل متلاحق على حساب القضية اليمنية، حيث لعب إنشغال دول التحالف العربي بأزمتهم المحلية دورا كبيرا في الإنشغال عن القضية اليمنية التي كانت قضيتهم المحورية منذ آذار (مارس) 2015 حين تدخلت قوات التحالف على خط الأزمة اليمنية وزادتها تأزيما وتعقيدا، فلا هي حسمت الأمور لصالح السلطة الشرعية ولا هي تركت اليمنيين يتحاربون فيما بينهم بإمكانياتهم المتواضعة وتنهار قواهم بسرعة ويصلوا إلى طريق في إنهاء الحرب».
وأشاروا إلى أنه منذ اندلاع الأزمة الخليجية بين الدول المكونة لقوات التحالف العربي نسي العالم الحرب في اليمن واتجهت بوصلة الإعلام العربي والدولي نحو الأزمة الخليجية وتداعياتها المتلاحقة، واليمنيون يموتون تحت قصف الميليشيا الانقلابية التابعة للحوثيين والرئيس السابق علي صالح، كما يموتون أيضا تحت وطأة الغارات الجوية لمن تبقى من قوات التحالف العربي في اليمن.
ويرى العديد من اليمنيين أن الحرب لم تحقق أي نتائج عسكرية نوعية طوال السنتين والنصف الماضية لصالح أي طرف بقدر ما خلقت إعادة تموضع وتشظّيا كبيرا في كل الجبهات العسكرية والسياسية والاقتصادية وأوصلت البلاد إلى حافة الهاوية، تقسّم في إطارها اليمن إلى 3 مناطق، الأولى تقع تحت سيطرة الانقلابيين الحوثيين وصالح والثانية تقع تحت سيطرة السلطة الشرعية برئاسة عبدربه منصور هادي والمنطقة الثالثة تقع تحت سيطرة القوات الإماراتية والميليشيا المحلية التابعة لها.
ووفقا لهذه المصادر «لم تحقق أي انجازات عسكرية حقيقية لتدخل قوات التحالف العربي في اليمن، غير انتقال بعض المناطق اليمنية التي كانت تقع تحت سيطرة ميليشيا الانقلابيين الحوثيين ـ صالح في الجنوب إلى قبضــة القوات الإماراتية والميليشيا التابعة لها التي لا تعترف الحكومة بشرعية هذه القوات التي تخضع ماليا وإداريا للقوات الإماراتية».
ووفقا للعديد من المصادر السياسية «انتقلت (المناطق المحررة) في الجنوب من أيدي الانقلابيين الحوثيين وصالح وهي قوات محلية إلى أيدي القوات الإماراتية والميليشيا التابعة لها وأصبحت توصف بـ(مناطق محتلة) بكل ما في ذلك من تفاصيل وفي مقدمتها الاعتقالات العشوائية وحالات التعذيب المريرة في السجون والمعتقلات وارتكاب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان».
وأوضحوا أن «السلوكيات والانتهاكات الحقوقية التي تمارسها القوات الإماراتية في جنوب اليمن أصبحت أسوأ من الممارسات الحوثية ضد خصومها في صنعاء وبقية المدن التي تقع تحت سيطرتها، والتي كانت السبب الرئيسي وراء مقاومة اليمنيين للانقلاب الحوثي ـ صالح على السلطة، لما واكب ذلك من انهيار لسلطات الدولة وارتكاب الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان».
تقسيم اليمن
وبعد نحو سنتين ونصف توقفت عجلة الحرب في اليمن عند هذا التقاسم الثلاثي لمحافظات اليمن، حيث تسيطر الميليشيا الانقلابية (الحوثي – صالح) على العاصمة صنعاء، ومحافظات صنعاء، عمران، وصعدة، وحجة، والمحويت، والحديدة، وذمار، والبيضاء، وإب، وسيطرة جزئية على بعض مناطق محافظة تعز، وتسيطر القوات الحكومية التابعة للسلطة الشرعية على محافظات مأرب، والجوف ومدينة وضواحي محافظة تعز وأجزاء من محافظة عدن، فيما تسيطر القوات الإماراتية والميليشيا المحلية التابعة لها على محافظات عدن، لحج، والضالع، وابين، وحضرموت، وشبوه، والمهرة وسقطرى وساحل محافظة تعز.
وكشفت مصادر دبلوماسية لـ«القدس العربي» أن «المعطيات الراهنة تعطي مؤشرات قوية أن الإمارات العربية تسعى إلى تقسيم اليمن إلى عدة دويلات، تهيمن فيها على أحدها، وهي التي تتمتع بثروات طبيعية ومواقع بحرية استراتيجية، ولذا رفضت مرارا تقديم أي دعم لتحرير مدينة تعز، المجاورة لمحافظتي لحج وعدن، حيث تتمركز قواتها، بينما تحركت مؤخرا نحو السواحل الغربية لمحافظة تعز كمدينة المخا وباب المندب وذوباب، لأنها ترى في تلك المناطق الساحلية أهمية استراتيجية بالنسبة لها، لإطلالتها على المضيق البحري باب المندب، جنوبي البحر الأحمر، الذي يتحكم بحركة الملاحة البحرية الدولية».
ويزداد الإحباط في اليمن مع تصاعد المخاوف من سلوكيات القوات الإماراتية في المناطق التي تقع تحت سيطرتها والانتهاكات التي بدأت تظهر إلى السطح عبر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية والتي قالت مصادر يمنية موثوقة أن هذه التقارير الدولية ما هي إلا رأس الجليد في حجم وبشاعة الانتهاكات الحقوقية الإماراتية في اليمن، والتي قد يكشف المستقبل الكثير منها، والتي تجاوزت الانتهاكات الحوثية في بشاعتها رغم أنها أقل عددا منها.
وكشفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير لها أصدرته الخميس أن الإمارات العربية المتحدة تقدم الدعم لقوات يمنية احتجزت تعسفا وأخفت قسرا عشرات الأشخاص خلال عمليات أمنية. وقالت ان «الإمارات تمول وتسلح وتدرب هذه القوات التي تحارب في الظاهر الفروع اليمنية لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضا باسم داعش)، كما تدير مركزيّ احتجاز غير رسميين على الأقل، ويبدو أن مسؤوليها أمروا بالاستمرار في احتجاز الأشخاص رغم صدور أوامر بإطلاق سراحهم، وأخفوا أشخاصا قسرا وأفادت تقارير بأنهم نقلوا محتجزين مهمين خارج البلاد، بما في ذلك إلى قاعدة لها في إريتريا».
وقال التقرير ان «هيومن رايتس ووتش وثّقت حالات 49 شخصا، من بينهم 4 أطفال، تعرضوا للاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري في محافظتي عدن وحضرموت العام الماضي. ويبدو أن قوات أمنية مدعومة من الإمارات اعتقلت أو احتجزت 38 منهم على الأقل. ذكرت عدة مصادر، منها مسؤولون يمنيون، وجود عدد من أماكن الاحتجاز غير الرسمية والسجون السرية في عدن وحضرموت، من بينها 2 تديرهما الإمارات وأخرى تديرها قوات أمنية يمنية مدعومة من الإمارات. وثقت هيومن رايتس ووتش حالات أشخاص معتقلين في 11 من تلك المواقع في المحافظتين». إلى ذلك كشفت الأزمة الخليجية الراهنة عن حقيقة الدور الإماراتي في قوات التحالف العربي، الذي تلعب فيه القوات الإماراتية الدور العسكري الأكبر في الميدان وتعتبر ثاني أبرز دولة بعد المملكة العربية السعودية في هذا التحالف العربي.
جمود القوات الحكومية
وأوضحت مصادر عسكرية لـ«القدس العربي» أنه «رغم الانعكاسات السلبية للأزمة الدبلوماسية الحادة التي اشتعلت مؤخرا بين الإمارات العربية والسعودية من جهة وبين دولة قطر من جهة ثانية على مجريات الأحداث اليمن، الا أنها أماطت اللثام عن الوجه الحقيقي للدور الإماراتي في اليمن، عبر بوابة قوات التحالف العربي».
وأوضحت أن «القوات الإماراتية البرية التي فوضتها قوات التحالف العربي بدور قيادة القوات البرية على الأرض في اليمن كانت السبب وراء عرقلة التقدم في الكثير من الجبهات وفي مقدمتها جبهات تعز، التي تعاني من النقص الحاد في المعدات العسكرية والذخائر والتي رفضت القوات الإماراتية مرارا دعمها أو مساعدتها في تحسين وضعها العسكري».
وكشفت أن «القوات الإماراتية لعبت دورا كبيرا في جمود حركة القوات الحكومية في تعز وتوقف تقدمها في العديد من الجبهات، بسبب الضغط عليها من أي عملية تقدّم، بل ان الوضع وصل في العديد من الحالات إلى تنفيذ غارات جوية إماراتية على القوات الحكومية عند تقدمها في بعض الجبهات، بمبرر تجاوزها للخطوط الحمراء التي رسمتها لها القوات الإماراتية».
وأشارت إلى أنه «سقط الكثير من القتلى من القوات الحكومية اليمنية وقوات المقاومة الشعبية الموالية لها في الجبهات الأمامية، ليس من قذائف القوات الانقلابية الحوثية وصالح ولكن من الغارات الجوية لقوات التحالف التي يعتقد أنها طائرات إماراتية».
وظلت قوات التحالف تسجل تلك الحوادث على أنها حوادث (نيران صديقة) خاطئة، بينما العديد من (الحالات الموثقة) تكشف أن كافة الحالات الخاطئة لغارات التحالف لم تكن عفوية، بل كانت ممنهجة وموجهة لمنع تقدم القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في الجبهات ضد القوات الانقلابية الحوثية «لأن القوات الإماراتية ترفض تحقيق القوات الحكومية أي مكاسب لصالحها في تعز» وبالذات على الشريط الساحلي.
وذكرت المصادر ان المخططات العسكرية الإماراتية تكشّفت مع تقدمها نحو تحرير الشريط الساحلي الغربي لمحافظة تعز والتي رفضت بشدة مشاركة أي قوات حكومية يمنية أو من المقاومة الشعبية فيها، كما كانت في السابق تمنع تقدمها نحو هذا الشريط الساحلي وذلك لتتمكن قواتها من الانفراد بهذا الشريط الساحلي وتسيطر عليه بالكامل بعيدا عن القوات الحكومية اليمنية».
وضاعفت الأزمة الخليجية الراهنة من إحباطات الشارع اليمني، الذي كان يطمح إلى أن تضع الحرب أوزراها في القريب العاجل، بينما أدخلتها الأزمة في عداد النسيان، وسيظل اليمنيون يدفعون الثمن غاليا ويتقاتلون لصالح إجندات خارجية، بدأت معالمها تتكشف بشكل واضح عبر المستجدات الراهنة في الخليج العربي والتي استخدم فيها اليمن ساحة صراع إقليمي لتصفية حسابات قوى إقليمية على الساحة اليمنية.
وشعر اليمنيون أن ليلة القدر مرّت عشية الجمعة على كافة البلدان الإسلامية إلا أنها لم تمر في اليمن، لشدة الإحباط الذي هيمن عليهم لما شاهدوه من انسداد للأفق أمام طريق الحل للأزمة التي يعانون منها منذ نهاية 2014 وتزداد تعقيدا مع مرور الوقت، في ظل غياب كامل لكل الحلول الممكنة.
خالد الحمادي