اليمن: انشغال أطراف الصراع بالمواجهات المسلحة يخلف مآسي إنسانية خطيرة

حجم الخط
0

تعز ـ «القدس العربي»: خلّفت المواجهات المسلحة بين أطراف الصراع السياسي في اليمن وانشغال هذه الأطراف بها جروحا غائرة في المشهد الإنساني في البلاد، يصعب اندمالها في المدى المنظور، ومن المرجح أن تنسحب انعكاساتها السلبية على فترة ما بعد الحرب بشكل أو بآخر.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر حقوقية، أن الحرب اليمنية التي تجاوزت شهرها السابع عشر، خلقت جروحا عميقة في مختلف الاتجاهات، حيث لم يخل أي بيت من قتيل أو جريح أو مشرد أو معتقل أو مطارد، في الجانبين الشرعي والانقلابي، مع الفارق الكبير في حجم الانتهاكات والمآسي التي ارتكبها الانقلابيون في حق معارضيهم، في العاصمة صنعاء وفي العديد من المحافظات التي يسيطرون عليها بقوة السلاح.
وأوضحت أن الوضع الإنساني اليمني «يعيش حالة مأساوية جراء الحرب الراهنة وازداد قتامة وقساوة في ظل غياب أو تعثّر الرصد والتوثيق الحقوقي وإظهارها للعالم الخارجي، سواء عبر الإعلام أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي «.
وأكد أن الجانب الحكومي فشل إلى حد كبير في خلق رأي عام إقليمي ودولي حيال إبراز مآسي الوضع الإنساني الصعب في المناطق التي يسيطر عليها والتي تتعرض لانتهاكات خطيرة من قبل ميليشيا الانقلابيين، رغم كفاءة وزير حقوق الإنسان اليمني الذي يعتبر من الكوادر المخضرمة في المجال الحقوقي.
وأشارت إلى أنه رغم الامكانيات الكبيرة والأدوات المهمة التي يمتلكها الجانب الحكومي اليمني غير أنه لم يستطع مجاراة النشاط الحقوقي للطرف الآخر الانقلابي، بشقيه الحوثي والمخلوع علي صالح.
وأرجعت العديد من المصادر الميدانية في العديد من المناطق اليمنية أسباب انهيار الوضع الإنساني إلى العديد من العوامل التي أسهمت في اتساع دائرة الخرق على الراتق، وفي مقدمتها عدم المبالاة من الجانبين الانقلابي والحكومي بالشأن الإنساني وعدم الاهتمام بمعاناة الناس خلال فترة الحرب والتي خلقت نتائج كارثية على حياة العامة، إثر تركيز الطرفين بشكل كبير على السباق العسكري المحموم لتحقيق المكاسب العسكرية ولو على حساب حياة الناس الذين أصبحوا ضحايا بدون ذنب.
وشهدت الساحة اليمنية خلال فترة الحرب مآس كبيرة ومعاناة إنسانية واسعة، أفقدت الناس أغلب مقومات الحياة الكريمة وأصبح المواطن العادي هو الذي يدفع ثمن الحرب غاليا أكثر من أطراف الصراع أنفسهم.
القضية الإنسانية اليمنية في نظر العديد من المراقبين تظل القضية الغائبة أو المغيّبة عالميا لأنها لم تأخذ حقها في الاهتمام ولم تستطع الوصول إلى الرأي العام العالمي وكذا إلى المحافل الدولية، للقصور الكبير في تغطية هذا الجانب من قبل المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في اليمن، بشكل متوازن ومهني واقتصرت في الكثير من الأحيان في التركيز على بعض الحالات الواقعة في العاصمة صنعاء، التي يسيطر عليها الانقلابيون والتي تتخذها المنظمات الدولية مقرا لممــارسة نشاطها الإنساني والإغاثي.
وذكرت العديد من المنظمات والوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة أن نحو 21 مليون مواطن يعيشون حاليا تحت خط الفقر، أي ما نسبته 80 في المئة من إجمالي عدد السكان، في ظل استمرار الحرب وانعدام فرص العمل وتوقف الأعمال والوظائف العامة والخاصة وارتفاع التضخم الاقتصادي وارتفاع الأسعار جراء انهيار سعر صرف العملة المحلية الريال مقابل العملات الأجنبية.
وأشارت إلى أن حدة المواجهات المسلحة بين أطراف النزاع والانهيار الاقتصادي واكبه أيضا انهيار شبه تام في الخدمات الأساسية كالخدمات الطبية والتعليمية والتموينية والمواصلات والكهرباء وغيرها، ولم يعد المواطن اليمني قادرا على تحمل الأعباء الثقيلة المتراكمة جراء استمرار الحرب بعد نضوب كل ما لديه من مدخرات ومن أملاك خلال السبعة عشر شهرا من الحرب المستعرة في أكبر من جبهة وفي أكثر من محافظة.
وفي حين تغيب الاحصائيات الميدانية الدقيقة عن حجم الكارثة الإنسانية في عموم اليمن، تشير بعض التقارير الدولية، رغم قصورها، إلى أن فاتورة الحرب كلفت سقوط أكثر من 6500 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى ودمار مئات الآلاف من المنازل والمساكن والبنى التحتية في مختلف المحافظات اليمنية وإجبار نحو 5 مليون يمني على النزوح داخليا، وترك منازلهم ومدنهم، إما بسبب الحرب الدائرة بين الميليشيا الانقلابية والقوات الحكومية في مناطقهم أو بسبب الملاحقات والمطاردات من قبل الميليشيا الحوثية التي أفرطت في استخدام القوة ضد معارضيها من خلال القتل والاعتقال والملاحقات والمطاردات، والتي اكتضت معتقلاتها بالسياسيين والإعلاميين والنشطاء الحقوقيين.
وذكرت مصادر حقوقية لـ«القدس العربي» أن المعتقلات الحوثية تكتض بأكثر من 3500 معتقل سياسي وناشط وإعلامي وتمارس ضد الكثير منهم صنوف التعذيب الجسدي والنفسي والحبس الانفرادي، لدرجة أن ميليشيا الحوثي اعتقلت قبل أكثر من 6 أشهر الشاب عادل عبده الزوعري وأخفته في مكان مجهول وأخرجته جثة هامدة قبل أيام، حيث رمت بجثته جوار مستشفى الشرطة في صنعاء بعد أن فارق الحياة جراء التعذيب الشديد الذي بدت ملامحه على أنحاء عديدة من جسمه حسب شهود عيان ومصادر حقوقية.
وأصيب كذلك مهندس النفط ياسر أحمد الناشري بشلل كامل وفقدان الوعي إثر تعرضه للتعذيب الشديد في معتقلات الحوثي في محافظة حجة، حبث اعتقل فيها قبل نحو 8 أشهر.
قد تنتهي الحرب قريبا في اليمن وقد يطول أمدها، ويجد أطراف الصراع طريقا للحل سواء عبر الحسم العسكري أو عبر طاولة المفاوضات ويغلق ملف الحرب، لكن الجراحات الإنسانية لن تندمل بسهولة، وستظل ذكراها محفورة في ذاكرة اليمنيين لأمد بعيد، خاصة وأن هذه الحرب أيضا خلقت أيضا شروخا اجتماعية كبيرة لن يستطيع أي نظام سياسي مقبل في اليمن أن يردم الهوة التي خلفته هذه الحرب، وفقا للباحثين الاجتماعيين.

اليمن: انشغال أطراف الصراع بالمواجهات المسلحة يخلف مآسي إنسانية خطيرة

خالد الحمادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية