في أزمنة القحط وعصور الانحطاط وفي غياب قوى الحداثة والتغيير تصعد الى واجهة الاحدات قوى التسلط والهيمنة التي غالبا ما تحتكم في حضورها ومشروعيتها على وفرة العنف وقوة السلاح، ولا تمتلك في المقابل أي بديل أو طرح حقيقي قابل للحياة وقادر على استيعاب الاخرين باختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم.
جماعة الحوثي وفر لها إرث النظام السابق وعجز هادي كل الحجج والمبررات لتتوسع وتتمدد وتنتصر… الفساد الضارب بجذورة في كل تفاصيل حياة اليمنيين استدعى كل شياطين العنف واطلقها من مواطنها عندما استشعر بالخطر بعد 2011 لكنه بالتاكيد لن يستطيع السيطرة عليها. وإعادتها لمعاقلها..
مناخات الفقر والجهل هي انسب الظروف المؤاتية لمحاريث القوى الدينية لكي تستبيح العقول وتجيش العواطف وتحشد الغوغاء، وذلك ماعملته «القاعدة» والجماعات السلفية، وفعلته اليوم وبالامس جماعات الحوثي، والجميع يدعي محاربة الفساد وإقامة شرع الله ويتم ذلك باستخدام الخطاب الوعظي الصاخب المموه بشعارات العدالة والمساواة.
لا يمكن تحويل الشعارات والاكاذيب الى وقائع وحقائق والبناء عليها، وطالما حدث ذلك يصبح الرهان بها والتسليم بنتائجها مغامرة محفوفة بالمخاطر والمآسي، ذلك ما ينبغي على جماعة الحوثي ادراكه، فالخطــــاب الذي تسوق له الآلة الاعلامية للجماعة عن محاربة «الدواعـــش» والمؤامرات الخارجية وبناء الدولة نوع من الأكاذيب التي يتم البناء عليها، لكن ثمارها لم تنتج حتى الان سوى مزيد من التشظي في النسيج الاجتماعي، واتساع نطاق التذمر والاحتجاجات وتجريف كل الآمال في غد مشرق بالحرية لا تعصف به رياح الطائفية..
محاولة الحوثيين فرض سياسة الامر الواقع بقوة السلاح سوف تصطدم في المدى المنظور بموقف اقليمي ودولي لن يستطيع معه الاقتصاد اليمني الصمود والإيفاء بالتزاماته تجاة مواطنيه.
لم يترك الحوثيون أي مساحة بيضاء للمناورة بعد ان ملؤها بالأدخنة والحرائق ومحاولات تركيع كل من يختلف معهم.. يبدو ان الجماعة اختارت السير في طريق القوة الى نهايته وسيكون لذلك ثمن باهظ واستحقاقات مريرة.
في خطاب النصر الاخير زعيم الجماعة ظل لاكثر من ساعة ونص الســــاعة يخاطب قوى خفية ويطالبها بالشراكة وبناء الدولة وظل يعيد ويستعيد الخطاب الديني الصاخب نفسه بدون ان يقدم البدائل، أو يحدد شكل الدولة أو يدعو لانتخابات، والجميع يعلم انه المتحكم في كل القرارات منذ 21 سبتمبر.
اليوم يجلس الرئيس اليمني في الدار الرئيسية وهو مجرد من أي مهام سوى اضفاء الشرعية على استئثار الحوثيين بكل مقادير اليمن، والمحزن في الامر انه لم يبك كالنساء ملكا مضاعا لم يحافظ عليه كالرجال، كما فعل ابو عبدالله الصغير يوم سقطت الاندلس.
٭ كاتب من اليمن
سفير سعيد الشعبي