تعز ـ «القدس العربي»: أبدى العديد من النشطاء والمثقفين اليمنيين تفاؤلهم المحدود لمباحثات السلام التي بدأ المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن اسماعيل ولد الشيخ التحرك في إطارها لتدشينها قريبا بين الأطراف اليمنية.
وفي الوقت الذي اتهموا فيه أطرافا يمنية بإفشال المباحثات السابقة وبالذات الطرف الانقلابي، أكدوا أن الأمل ضعيف في حلحلة الأزمة اليمنية الراهنة عبر المباحثات المقبلة، وأبدوا تحفظهم الشديد على العديد من مفرداتها والأجواء العامة التي ستعقد في ظلها، واتهموا أطرافا إقليمية ودولية بالإسهام في إفشال المباحثات اليمنية عبر تجييرها لخدمة (أجندات) إقليمية ودولية على حساب المصلحة اليمنية.
وبدأ ولد الشيخ تحركاته الدبلوماسية في المنطقة الأسبوع الماضي للدفع بعجلة مباحثات السلام اليمنية بزيارته لسلطنة عمان، ومن المقرر أن يلتقي الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي قريبا، لتمهيد الطريق أمام استئناف هذه المباحثات التي يرتجى منها إخراج اليمن من حالة الحرب والاقتتال الدامي بين القوات الحكومية والميليشيا الانقلابية (الحوثيين والرئيس السابق علي صالح).
وقال الناشط السياسي علي الشريف لـ«القدس العربي»: «أرى ان حل الأزمة اليمنية هو مسؤولية الأطراف اليمنية بالدرجة الأساسية؛ العامل الخارجي كان في البداية مساعدا لليمنيين لكن للأسف اليمنيون اعتقدوا أن مهمة الأمم المتحدة والأشقاء والأصدقاء هي فرض الحلول وفقا للتوافق الوطني ومخرجاته؛ والصحيح الذي لا يريد الجميع الاعتراف به هو ان الأطراف الخارجية لديها مصالحها ورؤاها التي تكون في الغالب متعارضة. ولهذا فالأمم المتحدة للأسف أصبحت تعكس موازين القوة ومصالح القوى الكبرى ومن يعتقد أنها منظمة محايدة تغلب مصلحة الشعوب فهو مخطئ».
وأضاف «دعنا نتحدث بعيدا عن الغموض والدبلوماسية، الأمم المتحدة تعكس مصالح مراكز القوة والنفوذ في النظام الدولي». وأوضح أن أبرز المعوقات أمام المباحثات في اليمن هو ان بعض الأطراف الدولية والإقليمية لديها أجندة رافضة لقيام دول ديمقراطية كما هي مطالب ثورة شباط/فبراير 2011 وغيرها من دول الربيع العربي، بل إن هذه الدول تقوم بمعاقبة قوى الربيع العربي والمساندين له.
واشار إلى أن الشيء المؤكد هو ان التحولات أفرزت واقعا جديدا ووعيا مختلفا ولا يمكن تضليل الشعوب بعد اليوم ولا خلق حلول معلبة لا تلبي مصالح هذه الشعوب وتطلعاتها؛ «ان أي حلول بعيدا عن شراكة الشعوب لا يمكن لها النجاح» . وعن توقعاته لمدى حدوث أي خرق في جدار الأزمة اليمنية عبر المباحثات المقبلة قال نائب رئيس المركز الوطني للمعلومات في رئاسة الجمهورية محمد العمراني لـ«القدس العربي» «بصفة شخصية لا أتوقع الكثير – طبعا في حالة صدقت الأنباء عن مشاورات جديدة – لأسباب متعددة، أهمها هو تعقيدات الملف اليمني وتشعباته، خاصة مع حالة الانقسام الواضح بين طرفي الانقلاب في تعاملهم مع الملفات المطروحة مع الإعلان عن حلول جزئية لا تلبي الطموح العام في سلام مستدام».
وأوضح «بالرغم من حالة المزاج الشعبي القلق من الأوضاع وما يمكن ان تؤول إليه الأمور في اليمن مع الأحداث الأخيرة إلا أن الحلول المطروحة لم تلفت انتباه الشارع اليمني وتمنحه الثقة بالحلول المطروحة، ناهيك عن ان أدوات الأمم المتحدة لم تعد – كما يظهر- تخيف أحدا ما دامت ستحيل فقط إلى محاكمات التاريخ أو ستضع عقوبات لا تملك هي أدوات تنفيذها».
وأشار إلى أن التعقيد الحاصل في الملف اليمني والتداخلات الإقليمية والدولية ومستوى التعقيد المحلي يفرض حلولا بمستوى التعقيد، حلولا شجاعة وجريئة وقابلة للتنفيذ، وهو ما يبدو متعذرا.
وعن أبرز معوقات مباحثات السلام قال العمراني ان بعضها متعلق بالطرف الانقلابي واختلافاته وهذا كان واضحا من مستوى الردود في المبادرة الأخيرة التي قدمها المبعوث الأممي الخاصة بمدينة الحديدة، «فكنا أمام حالة جديدة وقرارات متباينة وربما تضيف هذه الحالة بعض التعقيدات إلى المشهد، وبعضها متعلق بدور الأمم المتحدة وفاعلية الحلول ومستوى الجدية وبعضها بالتأكيد متعلق بالأداء العسكري لتحالف الشرعية على الأرض وما يمكن ان يشكله من ضغط حقيقي يجبر طرفي الانقلاب على الرضوخ للحلول» . في حين أشار إلى أن أبرز عوامل نجاح المباحثات المقبلة تحوّل المزاج الشعبي عن الحرب والأضرار الكبيرة التي وصلت كل بيت والحالة الإنسانية الرهيبة والأمراض المنتشرة والوضع العام في البلد، وكل هذا يمكن ان يشكل ضغطا معقولا على الجميع. وأضاف «أهم ما في الأمر هو جدية الأمم المتحدة في التعامل مع من يعرقل ومن يقف في طريق السلام وتعريته أمام العالم ومغادرة موقع البحث عن انصاف حلول، لأن الشعب اليمني لم يعد يحتمل الكثير» .
وقال الكاتب والباحث السياسي عبدالغني الماوري لـ«القدس العربي» من «غير المتوقع أن تحدث المباحثات المقبلة التي ترعاها الأمم المتحدة أي اختراق جوهري قد يسهم في وقف الحرب وبناء عملية سلام مستدامة، لكن من الممكن إحداث اختراق هامشي إذا قبل الحوثيون بمبدأ التخلي عن ميناء الحديدة، الذي يعد أساسا لتحركات ولد الشيخ الأخيرة، وهو أمر مستبعد حتى هذه اللحظة، ما يعني استمرار الوضع على ما هو عليه».
وأوضح أن «أبرز المعوقات التي تعترض هذه المباحثات، هي عدم وضوح رؤية التحالف العربي تجاه الحرب والسلام في اليمن، ويمثل إصرار ميليشيا الحوثي وصالح على اعتبار نفسيهما السلطة البديلة عائقا أمام الجهود الدولية لإحلال السلام».
وأوضح أنه إذا قُدّر لهذه المباحثات أن تحدث اختراقا فسيكون السبب في ذلك، انهيار المنظومة الصحية في اليمن وانتشار الكوليرا في أنحاء متفرقة في البلاد، فهناك ضغوط مستمرة لوقف الحرب نتيجة انتشار الأمراض والأوبئة وكذلك يشكل انهيار الوضع الاقتصادي ضغطا كبيرا في هذا الاتجاه، كما أن هناك عوامل وأسبابا أخرى تدعو لنجاح المحادثات لكن لا معسكر الانقلاب ولا معسكر الحكومة قادران على صنع مبادرة سلام.
وأعطى الماوري أولوية يفترض التركيز عليها في المباحثات المقبلة فقال «أرى ضرورة الإفراج عن المعتقلين المدنيين في سجون ميليشيا الحوثي من جهة، وإعادة فتح مطار صنعاء من جهة أخرى، ومعالجة الوضع الصحي، وإيجاد حل متوازن لمسألة الرواتب والأجور لمساعدة المدنيين على مواصلة العيش دون خطر».
وقال الكاتب الصحافي فيصل علي لـ«القدس العربي» «ربما يكون للمباحثات القادمة أهمية تكتسبها من طول فترة الحرب، وملل الأطراف المتصارعة مع الإحباط الذي ساد الشارع اليمني لما حال إليه أمر التحالف وخاصة بعد الخلافات الخليجية – الخليجية، حيث انعكست تلك الخلافات على الحالة اليمنية، وتحول التحالف من حرب الانقلاب إلى حرب ما يسمى بالإرهاب».
وأكد أن أبرز المعوقات أمام المباحثات المقبلة هي «تلكؤ الحوثيين وعدم استجابة السعودية والإمارات لما يطرحه مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة». في حين قال ان عوامل نجاح هذه المباحثات هي اللحظة التي يمر بها اليمن، وفي مقدمة ذلك الوضع الصحي وانتشار الكوليرا والوضع الأمني وانتشار الفقر، وكل هذا يرشح المباحثات لتحيق النجاح ولو جزئيا.
خالد الحمادي