في هذه الجغرافية العربية المترفة بسراب الصحاري وقسوة الشموس تضيع الحقيقة بين كثبان الرمال وضجيج العواطف والعواصف..
منذ الاعلان عن انتهاء «عاصفه الحزم» تجتاح المنطقة العربية عواصف لا تنتهي من التساؤلات والتحليلات.. ما الذي يحدث في اليمن؟ هل توقفت «عاصفة الحزم» فجأة كما بدأت؟ وماذا بعد الآن؟ وكان السؤال الاكثر طرحا وإلحاحا على مدى الايام الماضية، ما الذي تحقق طالما رموز الشرعية مجرد مسميات تملأ الفضاء، بينما على الأرض مازالت مليشيات الحوثي والجيش الموالي لها يحاصران المدن ويفرضان خيار الحرب على الجميع..
لم تستطع كل تلك الاجابات والتوضحيات – التي تم ضخها في عواصم التحالف- إيقاف ذلك السيل المتدفق من الاسئلة، بل زادتها غزارة وملأتها بالمخاوف والشكوك.. وعندما توجهنا للجانب الاخر ممن طالته ضربات العاصفة او اكتوى بلهيبها في صنعاء وطهران سائلين عما حدث، جاءت الردود اكثر غموضا وبعدا عن دائرة السؤال، وهي تتحدث عن التصدي للعدوان الامريكي وملاحقة الدواعش، حتى اننا ظننا ان ابوبكر البغدادي يقود المعارك في عدن…
الصراع بين الرياض وطهران وصل الى ذروته، بعد ان أصبح اليمن الحد الفاصل بين النصر والهزيمة بالنسبة للرياض، والفرقاء في اليمن وصلوا الى اقصى تخوم العجز وفشلوا في حل خلافاتهم وتفكيك الفخاخ التي زرعها صالح على طول اليمن وعرضه طوال اكثر من ثلاثين عاما فكانت الحرب.
أهم المحطات التي سبقت «العاصفة» ورافقتها بعد ذلك إلى طريق «إعادة الامل»
٭ رأت الرياض في تنامي قدرات طهران العسكرية وتمددها، الخطر الأكبر الذي يهددها ويهدد وجودها في المنطقة، لذلك كانت دائما حاضرة بسخاء على كل جبهات التمدد الشيعي (الايراني) وأنفقت الكثير من الأموال، لكن سلاح المال وحيدا لا يجدي نفعا دائما امام قوة الأفكار وجسارة الرؤى، مهما كانت تلك الافكار مموهة بالشعارات ومليئة بالمغالطات.
٭ واصل الحوثيون (فتوحاتهم) الدامية من جبال صعدة باتجاه العاصمة، وفي 21 سبتمبر وصلت قوافلهم المسلحة الى قلب صنعاء كان المنظر صادما للبعض ومدهشا للبعض الآخر. وأدركت الرياض أنها على وشك خسارة آخر معاقلها المنيعة في اليمن لصالح المشروع الايراني، الذي سيواصل تقدمه بالضرورة نحو مناطقها الشرقية، اذا ما ظلت صامتة، اضافة الى ما يعنيه ذلك السقوط المدوي للعاصمة صنعاء بيد الحوثيين من فقدانها لجميع أوراق حضورها في اليمن، ما سيسهل على طهران بعد ذلك مهمة المضي غربا لرفع راية انتصار مشروع ثورتها على تخوم اهــــم مجرى مائي للملاحة الدولية (باب المندب).
قررت الرياض خوض المعركة مع الحوثيين وطهران حتى النهاية بما تبقى لها من اوراق «المبادرة الخليجية وشرعية الرئيس هادي».
٭ أجرى الحوثيون مناورة عسكرية على حدود المملكة وكانت بمثابة رسالة تهديد وتحذير للرياض بعدم الاقتراب منهم، لكنهم اخطأوا في توقيت كتابتها ونجحت الرياض في قراءتها بالطريقة التي سهلت لها مهمة حشد اصدقائها وحلفائها الى جانبها واقناعهم بجدية الخطر الرابض على حدودها.
واصل علي عبدالله صالح فتح قنوات الاتصال بين الزاحفين نحو عدن وبين القادة الموالين له في الوحدات العسكرية، وضخ الملايين لشراء المزيد من الولاءات والانصار في الجنوب. اجتاز الحوثيون قاعدة العند الجوية بمنتهى السهولة واندفعوا نحو عدن، وخلال ساعات فقط كان وزير الدفاع (الجنوبي) قد وقع في قبضتهم بعد ان تم الغدر به من قبل قادة جنوبيين باعوا ولاءهم لصالح وجماعة الحوثي. وتخلت الوحدات العسكرية الموجودة في عدن – غالبية افرادها من الشمال- عن هادي وأعلنت ولاءها لصنعاء
وكانت الرياض تعيش لحظات عصيبة وهي تتابع التطورات، وعدن خطها الاحمر الذي وضعته امام صالح لن يصمد طويلا اذا ما تأخرت عنه.
قبل ذلك كانت الرياض قد نجحت مع حلفائها الخليجيين في تشكيل تحالف عسكري بإمكانه التدخل في اللحظات الاخيرة لمنع سقوط عدن، اذا ما دعت الضرورة، حيث يجلس هادي رمز الشرعية وآخر اوراقها الثمينة هناك،
واستطاعت ان تقنع اصدقاءها الغربيين بالوقوف الى جانبها إذا ما استدعت المستجدات ذلك.
الواضح ان تشكيل ذلك التحالف بإطاره العربي وتحت راية حماية الشرعية في اليمن، تم على عجل ومن دون الخوض في التفاصيل حتى ان بعض من ابدوا للرياض قبولهم المشاركة في التدخل العسكري، عادوا للعب دور الوسيط. وبعضهم الآخر لم يضع الرياض في صورة أوضاعهم الداخلية وكيف يتم اتخاذ قرار الحرب في أوطانهم لانهم لم يتصوروا ان الامور ستذهب نحو ذلك الاتجاه، فكان الحرج الكبير من نصيبها امام الرياض وبقية الخليج.
في 21 ابريل اعلن في الرياض عن انتهاء «عاصفة الحزم» وبدء عملية «إعادة الامل». لننظر ما الذي تحقق بفعل ذلك التدخل وهل هناك منتصر؟
على مدى ما يقارب الـ27 يوما منذ بدء «عاصفة الحزم» لم يتمكن الحوثيون والجيش الموالي لهم من السيطرة على عدن، بعد ان نجح التدخل الجوي في وقف تقدمهم، كذلك كان الامر في الضالع وأبين ولحج، بالإضافة الى تعز ومأرب وتم ضرب ميليشات الحوثي والجيش الموالي لها في جميع مواقعها وثكناتها وتم تدمير مخازن الاسلحة والتموين، وقطعت خطوط الاتصالات فيما بين القيادة العسكرية والقوات على ارض المعركة، وتم استهداف معظم طرق الامداد والتموين، وجرى تدمير البنى التحتية والعديد من المنشآت المدنية عندما كان يتم رصد أي وجود فيها للمسلحين الحوثيين، او يتم استخدامها من قبلهم.. ولم تحقق جماعة الحوثي اي اختراق على حدود المملكة، رغم عشرات المحاولات اليائسة لاعادة سيناريو 2009.. ومازال نزيف الدم اليمني يتدفق بضراوة وحياة اليمنيين تحولت الى جحيم حقيقي، لا وقود ولا ماء ولا كهرباء، ثم ان الاقتصاد اليمني المترنح، الذي يقوم على المساعدات والمنح والقروض لن يتمكن من الوقوف مجددا لزمن طويل، بفعل الدمار والخراب..
عجزت ايران هذه المرة عن انقاذ حلفائها، وتبدو المهمة امامها صعبة بعد ان نجحت الرياض وحلفاؤها في انتزاع قرار مجلس الامن الدولي، تحت الفصل السابع، بما يعنيه ذلك من ازاحة الكثير من الاعباء عن كاهلها واضفاء المشروعية على تدخلها العسكري، وبالتالي إلقاء عبء المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي، لايجاد حل لقضية اليمن، إذا ما طالت واستمرت معاناة اليمنيين، خاصة بعد ان جردت الرياض خصومها الحوثيين من اغلب قوتهم العسكرية التي رأت فيها خطرا عليها.
الشيء الذي يدعو للسخرية ان الحوثيين مازالوا يمارسون الخطاب المخادع المعبأ بشعارات الموت والحروب، رغم الثمن الباهض الذي دفعه اليمنيون حتى الان.
مشكلة الحوثيين انهم لا يملكون أي مشروع سياسي لبناء الوطن يقنع الناس بصدق نواياهم، بل ان تحركاتهم تجيء دوما لتؤكد ارتباطهم بمشروع طهران التوسعي في المنطقة، ولتؤكد ايضا تحالفهم مع صالح من خلال قيامهم بتحقيق رغبته في الانتقام من خصومه.
لا يبدو على المدى القريب أي سبيل للخروج من دوامة العنف الجهنمية التي تطبق على اليمن، ولم يعد بالإمكان اعاده النسيج الاجتماعي الممزق بعد كل تلك الدماء التي اريقت في عدن والضالع وتعز ومأرب..
لنعيد السؤال مجددا عن أي نصر يتحدث الحوثيون وحقائق الواقع تؤكد
ان القرار السياسي اليمني مازال رهينة تحت الفصل السابع. ولم تغادر الرياض الساحة اليمنية، وهي الآن اقوى اطراف الصراع، وتمسك بكل تفاصيل الملف اليمني، وحققت مكانة في العالم العربي لم تصل لها يوما بعد ان تقدمت للمواجهه بجيشها وتخلت عن سياسة المواجهه عن بعد. بينما لم يعد باستطاعه طهران سوى اصدار بيانات الشجب والتهديد والوعيد وقد شارف حلفاءها على الغرق..
لماذا توقفت «عاصفة الحزم» فجاءة كما بدأت؟
كانت «عاصفة الحزم» عملية هجومية ومنذ انطلاقها لم تتوقف المطالب في واشنطن وموسكو بسرعة إيقافها، ومع تزايد سقوط الضحايا المدنيين، وبعد أن استنفد التحالف رصيد الاهداف التي تم تدميرها، ارادت الرياض ان تنزع من الحوثيين ورقه الضحايا المدنيين واتجهت العملية من عناوين الهجوم الى خط الدفاع عن المدنيين، وذلك الامر يزيل الكثير من الحرج عن قوات التحالف.
أما عن ماذا بعد الان؟ فقد ابتعد الفرقاء اليمنيين كثيرا عن نقطة العــــودة للحوار، وأظن أن الحديث عن حل قريب لمأساة اليمن مازال حلما بعيد المنال.
٭ كاتب يمني
سفير الشعيبي