اليمين المتطرف ليس أخطر الموجود!

مَن يتابع الصحافة الفرنسية بمختلف أنواعها واتجاهاتها وإصداراتها هذه الايام يصدّق بصعوبة انها هي نفسها التي أقامت الدنيا بين دورتي الانتخابات الإقليمية التي جرت الأسبوع الماضي والذي قبله.
بقدر ما حضرت الانتخابات في شكل دراما سياسية اجتماعية تلك الايام، بقدر ما غابت هذه الأيام وبسرعة فائقة وعجيبة.
الانتخابات كحدث، ثم تقدم الجبهة القومية اليمينية في دورتها الأولى فتراجعها في دورتها الثانية، أمر يشبه سيناريو فيلم سينمائي من نوع «الأكشن». لكنها في واقع الحال هدية إلهية نزلت من السماء على المجتمع السياسي والإعلامي الفرنسي في توقيت قد لا يوجد أفضل منه، يتمثل في ما بعد هجمات باريس والمزاج العام في البلاد الجاهز لما حدث في دورتي الانتخابات يوم 6 و13 من الشهر الجاري.
كانت فرنسا بحاجة للخروج من مزاج ما بعد هجمات الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. ولم يكن ليخرجها من ذلك المزاج غير رجة قوية من حجم تقدم الجبهة في سباق انتخابي.
كان لا بد للمؤسسة السياسية الفرنسية أن تقيم كل تلك الهالة والضجيج حول تقدم الجبهة القومية، حتى تغطي على فشلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كان لا بد من مشجب تعلق عليه الهزائم وخيبات الأمل المتعددة المتراكمة منذ عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.
ولا يوجد مشجب أفضل من الجبهة القومية على الرغم من أنها ليست أسوأ الموجود ولا تشكل عقدة إلا للمؤسسة السياسية، فالمجتمع اختارها ومنحتها قرابة الثلث من أصوات ناخبيه، وعلى الرغم من أن ما حققته هذه الجبهة في انتخابات الأسبوعين الماضيين لا يساوي شيئا أمام مرور زعيمها جون ماري لوبان إلى الدور الثاني من انتخابات الرئاسة في 2002 وراء الرئيس آنذاك جاك شيراك بفارق بسيط في الأصوات.
الجبهة القومية اليوم مشكلة للسياسيين، أعجزتهم وضيّقت هامش مناورتهم: فهي موجودة سياسيا ومتجذرة اجتماعيا ودائمة الحضور كفكرة. وهي تتميز عن الآخرين بجرأة وصراحة خطابها السياسي، ما جعل المؤسسة السياسية، في الحكم والمعارضة، عاجزة عن إيجاد طريقة مثلى في التعامل معها.. نبذها لم يفد كثيرا، مهاجمتها أتت بنتائج عكس المأمول، حظرها غير وارد، إدماجها في المؤسسة السياسية غير ممكن. ولا يُستثنى من فئة العاجزين هنا الإعلام بمختلف أطيافه واتجاهاته الذي ارتبك وفقد موضوعيته وتوازنه في التعاطي مع ظاهرة اسمها الجبهة القومية التي تشكل للإعلاميين مادة دسمة ومغرية، صحافيا، ومخيفة سياسيا واجتماعيا.
وستصبح المشكلة أكثر تعقيداً كلما تقدمت فرنسا نحو الانتخابات الرئاسية التي تفصل عنها نحو سنة ونصف السنة. ما سيحدث أن الجبهة القومية ستواصل تمددها أفقيا (داخل المجتمع) لظروف موضوعية مفهومة وأخرى غير مفهومة ولا مبرر لها، مقابل تعرضها للتضييق عموديا (من مؤسسة السياسة والحكم) لكي لا تتجاوز سقفا معينا يحق لها الوصول إليه. هذا الحزب الذي ورثت الزعامة فيه مارين لوبان عن والدها جون ماري وتديره بعقلية العائلة، لا يكتفي بإزعاج المؤسسة السياسية الفرنسية، بل يعري عيوبها وقصورها المتكاثر.
مثلا: إذا كان موضوع الهجرة هو أحد الأوتار الحساسة التي تتهم الجبهة بالعزف عليها باستمرار، فلم يعد هناك فريق واضح بين اليمين واليسار «المعتدلـَين» في المزايدة على الهجرة والمهاجرين. ما تطالب به لوبان وطالب به والدها في قضايا الهجرة نفذ بعضا منه ساركوزي كرئيس ولا يتوانى عن تنفيذه فرانسوا أولاند. ساركوزي لا يقل يمينية عن لوبان، قولا وفعلا، ولو صُنِّف بإنصاف كان موقعه سيكون مع لوبان أو على يمينها. وأولاند لا يختلف كثيرا عن ساركوزي، بل احيانا يزاود عليه، ولو من باب الاستجابة لضغوط يتعرض لها من داخل حزبه ومن الوسط السياسي ككل. كل ما في الأمر ان الانتماء السياسي للرجلين، وموقعيهما داخل المؤسسة السياسية يسمح لهما بقول وتشريع ما يشاءان في موضوعات الهجرة والأجانب، بينما ممنوع على لوبان أن تتجاوز بعض الخطوط المرسومة لأن موقعها هو خارج المؤسسة السياسية. ولم يكن احد من هؤلاء جميعا، لوبان وأولاند وساركوزي، في حاجة إلى هجمات باريس إلا ليشعر براحة أكبر وشرعية اكثر في المطالبة بالتشدد تجاه الأجانب، والمقصود هنا المسلمين والعرب. ذلك أن الحاضنة الشعبية مستعدة وجاهزة، محليا وإقليميا، حتى لم يعد مطلوبا من سياسي في فرنسا أن يستحي من المطالبة بالتشدد إزاء غير الفرنسيين، فأوروبا كلها تسير في الاتجاه نفسه وأمريكا كذلك، وروسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تشهد نموا وانتشارا غير طبيعيَين لمشاعر التعصب القومي وكراهية الآخر.
عندما يرتفع السقف في أمريكا إلى حد الوعيد بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة (دونالد ترامب)، وفي أوروبا إلى حد اقتراح (دونالد تاسك) سجن اللاجئين سنة ونصف السنة بعد وصولهم للتأكد من أنهم ليسوا إرهابيين.. عندما يرتفع السقف إلى هذا المستوى، تصبح لوبان حملا وديعا ويسارية أممية.
الخوف اليوم أصبح ممن لا ينتسبون بوضوح إلى اليمين المتطرف. ومشكلة المؤسسة السياسية في فرنسا أنها غير مطمئنة لنظرة موقف الجبهة القومية تجاه اليهود وأوروبا. وما لا يعرفه كثير من المسلمين والعرب أنه لا يحتلون مساحة كبرى جداً في جدول أحقاد وأمنيات السيدة مارين لوبان.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية