موضوع النجاح أو الفشل يرتبط دائما بتحديد الهدف. احيانا يكون الهدف متملصا وغير محددا، لكن يجب التعاطي معه، ويصعب التنازل عنه خلال النقاش الجماهيري الفظ الذي يصمم على تلخيص كل حدث بواسطة اعطاء العلامات للفائزين والخاسرين. رئيس الولايات المتحدة براك اوباما انتصر لأنه نجح في تمرير الاتفاق مع إيران.
وخسر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لأنه لم ينجح في محاولة كبح الاتفاق. إيران انتصرت لأنها وقعت على اتفاق في صالحها، ولأن العقوبات ستُرفع. إسرائيل خسرت لأن إيران انتصرت وهي ستزيد من اعمالها العدائية في الشرق الاوسط.
من هنا يمكن القول إن «الايباك»، اللوبي المؤيد لإسرائيل في اوساط يهود الولايات المتحدة، قد خسر. فقد عارض ايباك الاتفاق وحاول اقناع المُشرعين في الكونغرس للتصويت ضده أو على الأقل السماح بالتصويت عليه.
وانجازات ايباك ليست لامعة. اغلبية معروفة مسبقا عارضت الاتفاق، أقلية ديمقراطية معروفة مسبقا، لكنها كافية من ناحية العدد، أيدته، وليس بالضرورة أنها أيدت الاتفاق ـ الاقلية الديمقراطية أيدت الرئيس الديمقراطي. وإذا كان الهدف منع المصادقة على الاتفاق في الكونغرس، فان هذا لم يتحقق، وسارعت الخسائر في المجيء: «الهزيمة طرحت اسئلة صعبة حول مستقبل الايباك… على مدى السنين اعتمد اللوبي في قوته السياسية على ولاء اشخاص من الحزبين، لكن الغطاء الغير حزبي تلاشى في الاسابيع الاخيرة»، هكذا كتب في «نيويورك تايمز» تحت عنوان «مجموعة مؤيدة لإسرائيل تلقت هزيمة سياسية كبيرة».
سناتورات اربعة من الحزب الديمقراطي فقط اقتنعوا بأن الاتفاق مع إيران يتطلب التصويت ضد موقف الرئيس. منذ البداية كان تحدي ايباك هو اقناع اعضاء الحزب الديمقراطي، وفي الحزب الجمهوري كانت الاغلبية ضد الاتفاق. وقد تبين أنه ليس من السهل اقناع الديمقراطيين. إن لوبي على شاكلة ايباك مهما كان قويا فانه لن يكون بقوة رئيس الولايات المتحدة الذي استخدم كل قوته لتمرير الاتفاق. وايباك لن يستطيع التهديد مثل منتخبي الحزب الديمقراطي الذين لم يرغبوا في رؤية رئيسهم وهو يُهان.
معارضة صورية
لوبي على شاكلة ايباك يجب عليه معرفة حدود قوته، وأن يفهم أن هناك صراعات لا يمكن الفوز فيها. ويمكن أن يكون رؤساء اللوبي قد فهموا هذا وقرروا النضال، ليس لأنهم يعتقدون أن فرصة الانتصار جيدة، بل لأنهم لا يستطيعون عدم النضال حتى لو كان الامر مصيره الخسارة. ومن الواضح أنهم أرادوا الانتصار الكامل: عدد كاف من الاعضاء الذين يصوتون ضد الاتفاق، بل حتى منع الفيتو. لكن أحدا لم يعتقد أن هذا أمر ممكن.
السؤال الذي يطرح هو ماذا لو عرف رؤساء الايباك مسبقا أن فرصهم في تحقيق ذلك ضعيفة. هذا ليس سؤالا صعب لأنه كان هناك من عرف هذه النتيجة، ومع ذلك قرروا محاربة الاتفاق انطلاقا من مبدأ أن محاربته ظاهريا أفضل من عدم معارضته.
لقد قرر رؤساء اللوبي محاربته لأن هذا ما توقعه نشطاء الايباك. هؤلاء النشطاء يتحدثون منذ سنوات طويلة عن إيران ويفكرون بإيران ويضعونها على رأس سلم اهتماماتهم. ولم يستطع هؤلاء النشطاء سوى محاربة الاتفاق بعد اقناعهم أن الاتفاق خطير لدرجة تهديد وجود إسرائيل. وايباك لم يستطع التنازل عن الحرب بسبب المتبرعين: الذين يُمسكون بالتنظيم الذي قاموا بتحويله خلال عام ونصف من تنظيم تبلغ ميزانيته 15 مليون دولار إلى تنظيم وصلت ميزانيته في 2013 إلى حوالي 65 مليون دولار.
وفي هذا العام وصلت ميزانيته إلى 80 مليون دولار، حسب الشائعات. ايباك لم يستطع التنازل عن الحرب بسبب تعريفه وطابعه. ففي رسالة الكترونية من عشرات الرسائل التي تم ارسالها خلال الحرب من متحدثي اللوبي، جاء أن الحديث عن «موقف مبدئي». كيف سننظر في المرآة إذا لم نقاوم هذا الاتفاق؟ سأل أحد رؤساء الايباك عند سؤاله من زعماء اليهود في الولايات المتحدة عن سبب خروج اللوبي إلى معركة خاسرة مسبقا.
إذا كان الهدف «الحرب ضد الاتفاق»، فقد فشل ايباك. إنه حارب مثل الأسد وبميزانية كبيرة وحقق بعض الانجازات، بعضها يتصل بسلوك الادارة: ايباك فرض على ادارة اوباما التصرف بحذر وتقديم الوعود بالحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها النوعي بعد التوقيع على الاتفاق. حكومة نتنياهو تريد أخذ هذه الوعود، وبالذات تأييد الكونغرس بعد زيارة نتنياهو عند الرئيس اوباما في بداية شهر تشرين الثاني. من لا يحب الايباك ـ مثل الكاتب بيتر بنريت، الذي يحارب المؤسسة اليهودية ـ فانه يتمسك بهذه الحقيقة من اجل الاستمرار في محاربة اللوبي. صحيح أن اللوبي قد خسر في الكونغرس ولكن بسببه ستستمر العلاقات السيئة بين الولايات المتحدة وإيران. بكلمات اخرى، ايباك لم ينجح في افشال الاتفاق، لكنه أفسد الاحتفال.
الرأي العام معنا
هناك انجاز يتصل بالرأي العام الأمريكي الذي لا ينتمي كله إلى ايباك. في النقاش حول الاتفاق شارك الكثيرون، لكن ايباك ساهم في ضعضعة تأييد الجمهور للاتفاق مع إيران. وحسب الاستطلاعات فان 33 بالمئة من الجمهور الأمريكي أيدوا الاتفاق، وخلال ستة اسابيع تراجعت النسبة إلى 21 بالمئة فقط. 49 بالمئة يعارضون الاتفاق، وقد ساهمت في ذلك حملة الايباك من خلال تنظيم تابع لها أقيم خصوصا وبميزانية كبيرة لمعارضة الاتفاق.
يضاف إلى ذلك أن معركة ايباك لم تنته، حيث ستجري مفاوضات حول تعويض إسرائيل في أعقاب الاتفاق، وسيتم طرح الاسئلة حول مستوى الرقابة على الاتفاق وتنفيذه والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في كل ما لا يتعلق بالسلاح النووي، مثل ما الذي تفعله إيران في سوريا ولبنان واليمن في مجال الإرهاب. هناك من لم يقتنع بالتصويت ضد الاتفاق في الكونغرس، لكنه تعهد بأن يؤيد أن يكون التعويض مرتفع. وهناك من لم يخرج لمواجهة الرئيس، لكنه عمل من وراء الكواليس من اجل اعادة العلاقات إلى ما كانت عليه. وقد أثر الصراع على موضوع الترشح للرئاسة في 2016. ومن بين المرشحين للرئاسة هناك من زادت حدتهم نحو إيران. صحيح أن الانجاز لا يستحق عنوان في الصحيفة، لكن عند الحديث عن منظمة مثل ايباك، فان الامر مثابة نجاح له.
إذا كانت الانجازات تبرر الحرب، فان رؤساء الايباك قد فهموا في مرحلة مبكرة ضرورة وجود الحرب. إلى أي حد الحقوا الضرر بايباك؟ واضح أن كل هزيمة في التصويت تتسبب في تراجع التنظيم، وتراجع صورته القوية. والمقالات التي تتحدث في الصحف عن خسارة التنظيم حقيقية. إذا افترض المشرعون أن ايباك ضعيف فسيكون اسهل عليهم التغاضي عن مطالبه وضغوطه. اضافة إلى ذلك فان الحرب قد الحقت الضرر بعلاقة التنظيم مع اوباما التي كانت في الاصل متوترة، والحقت الضرر مع عدد من اعضاء الحزب الديمقراطي الذين تعرضوا للضغط من اجل تغيير تصويتهم، وهم لم يحبوا ذلك. ايضا العلاقة مع شرائح مهمة في الجالية اليهودية الأمريكية، الجالية التي عاشت فترة صعبة في السنوات الاخيرة، مرت بظروف صعبة مؤخرا عندما كان يحدث نقاش داخلي فيها «الصعوبة الاكثر التي اتذكرها»، قال لي احد الاشخاص في المؤسسة اليهودية، «هي أن الانقسام الداخلي يلحق الضرر بايباك الذي يريد تمثيل اجماع واسع، ويبدو أنه لم يعد قادرا على ذلك».
مرة اخرى كل شيء يعود لتحديد الاهداف: هل هو انتصار في الكونغرس أم فشل، هل هو انتصار على مستوى الرأي العام.
إذا كان تجنيد الرأي العام اليهودي ـ انتصار جزئي. إذا كان تجنيد الاموال ـ انتصار كبير. إذا كان الحفاظ على الصورة القوية ـ فشل ذريع. كل ذلك هو اقتراح جواب ابيض اسود لنتائج المعركة الرمادية التي لم تنته بعد.
معاريف 20/9/2015
شموئيل روزنر