برلين ـ من نسرين علام: يعود المخرج التشيلي سباستيان ليليو إلى مهرجان برلين السينمائي الدولي هذا العام بفيلمه «امرأة رائعة»، وهو من بين 18 فيلما تنافس للحصول على الدب الذهبي في المهرجان المنعقد من 9 إلى 19 فبراير/ شباط الجاري.
بعد فيلمه «غلوريا» الذي طرحه في برلين منذ أربعة أعوام، يعود ليليو بفيلم يناقش قضية شديدة الآنية والمعاصرة. «امرأة رائعة» فيلم ينتصر لحقوق المتحولين جنسيا، وهو صرخة في وجه التمييز ضدهم.
نحسب أن ليليو «امرأة رائعة» هي أفضل أعمال المهرجان حتى الآن، وأقساها وأكثرها إيلاما. الفيلم حقا عن امرأة رائعة مع التأكيد التام على شطري الاسم: فهو عن امرأة تضج أنوثة وهي حقا قوية شجاعة.
تلك البطلة التي سمي الفيلم باسمها هي مارينا (دانيلا فيغا) وهي متحولة جنسيا، وتحب أورليانو (فرانسيسكو رييس)، ذلك الرجـــــل الذي يكبرها بأعوام كثيرة. تحبه بصــــدق ودون هدف سوى أنها تحبه. يتوفى فجأة، فيعري موته كل التحامل داخل المجتمع للمتحولين جنسيا، ولهذا النوع الذي يعتبرونه شاذا عن الطبيعي والذي يرونه مسخا.
هي امرأة لا يعترف أحد بأنوثتها، وبشر لا يعترف أحد بهويته، ولكنها دوما صامدة قوية متحدية مجابهة. تبكي أحيانا ولكنها لا تسقط ولا تنهزم، ولا تبادل الشر والكره بمثليهما. تواجه ما تواجه من عداءات أسرة أورليانو بقوة دون أن تنكسر. تواجه المجتمع بفخر وكرامة كمتحولة جنسيا واثقة في نفسها تماما. سيناريو الفيلم محكم للغاية ولا ينزلق قط إلى الميلودراما والسينتمنتالية. أداء مقتدر من دانيلا فيغا، أداء صادق يدخل القلب في فيلم بالغ الصدقية. يذكرنا «امرأة رائعة» بالمخرج الإسباني بيدرو ألموفار في أفضل أفلامه.
مارينا مغنية وأورليانو صاحب مصنع للنسيج. أحبها بصدق مع علمه بأنها متحولة جنسيا، وانفصل عن زوجته وابنائه للعيش معها. ذات أمسية بعيد الاحتفال بعيد ميلاد مارينا، يصاب أورليانو بأزمة قلبية يتوفى على إثرها. تنقله مارينا إلى المشفى بأقصى سرعة، ولكن سقوطه على الدرج وإصابته أثناء النقل تؤدي بالشرطة إلى الاشتباه بها، خاصة بعد معرفتهم من أوراق هويتها أنها متحولة جنسيا. لمجرد اختلافها واختلاف هويتها تصبح موضع اشتباه السلطات. ويتعين عليها أن تقدم كل البراهين على صدق حبها لأورليانو، وتضطر اضطرارا إلى مواجهة صنوف التحقير والإيذاء النفسي، والامتهان والإهانة. تصوير الشخصيات النسائية وسبر أعماقها أمر يبرع فيه ليليو، حيث سبق أن قدم صورة بالغة الصدق لشخصية غلوريا في الفيلم المعنون باسمها، الذي فازت فيه باولينا غارثيا بجائزة أفضل ممثلة في برلين. الأمر ذاته يتحقق في «امرأة رائعة» الذي عهد ليليو فيه بدور البطولة إلى دانييلا فيغا، الممثلة المتحولة جنسيا، في أول أدوارها. تبرع فيغا في تجسيد ألم مارينا وقوتها وتحديها، في قصة تفضح عدم قدرة المجتمع على التعامل مع الاختلاف والاضطهاد والتهميش اللذين يتعرض لهما المتحولون جنسيا.
بحساسية وفهم وتفهم بالغين يصور لنا ليليو شخصية مارينا وتفاصيل كفاحها وتصديها للمجتمع. تجد مارينا نفسها فجأة تخوض حربا للمطالبة بأبسط حقوقها كامرأة تحب: أن تحضر جنازة ذلك الرجل الذي أحبته. ولكن أسرة أورليانو تقف لها بالمرصاد وتضطهدها كل الاضطهاد بسبب هويتها الجنسية.
ثمة مشهد في الفيلم تهب فيه عاصفة وتسير فيه مارينا في مواجهة الرياح العاتية التي تكاد تطيح بها، ولكنها تثابر ولا تسقط. ونرى في هذا المشهد خير مجاز على شخصية مارينا، فهي دوما مرفوعة الرأس متحدية مجابهة تواجه الصغوط فلا تسقط ولا تنحني ولا تنكسر.
العداء الذي تواجهه مارينا لا ينحصر فقط في أسرة حبيبها السابق، ولكنه يتأصل ويمتد إلى أجهزة الدولة. إنه اضطهاد مؤسساتي ممنهج. فالمستشفى الذي نُقل إليه أورليانا قبل أن يتوفى يشتبه في مارينا لمجرد الاطلاع في هويتها على ان اسمها الحقيقي اسم ذكر. والمحققة التي تتولى التحقيق، وهو
مما يعرف في الشرطة التشيلية باسم «قسم المخالفات الجنسية»، تعامل مارينا بتمييز بالغ وتتعامل معها بشتى صور التحقير والاحتقار والاضطهاد.
نلمس في الفيلم الكثير من روح ألمودوفار في الفيلم، سواء كان ذلك من حيث الموضوع وتناوله، ومن حيث التصوير البالغ الصدق لشخصية مارينا، ومن حيث التعامل مع اللون، حيث يكثر ليليو من استخدام اللونين الأحمر والأزرق، وهما من الألوان المفضلة لألمودوفار. لكن شخصيات ألمودوفار دوما تقارب حافة الانهيار النفسي والعصبي، بينما تبقى مارينا قوية شجاعة طوال الفيلم. تطوي صفحة أورليانو بكل ألمها، وينتهي الفيلم وهي على خشبة المسرح تشدو بصوت أوبرالي شجي، تغني كامرأة متحولة مرفوعة الهامة.