انبعاثها تأثراً وانهيارها كان لأسباب داخلية… حركة التنوير وملامح تحولات الريادة العربية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: يحدد الباحثون أكثر من بداية للتنوير العربي، منهم من يقول إن إبراهيم باشا أحد الأسباب الرئيسة للتنوير أو عصر النهضة، وبعضهم يرجعه إلى محمد علي باشا، الذي اهتم بالتعليم وافتتح المكتبات وترجم أمهات الكتب إلى العربية، في حين يؤكد آخرون أن نابليون بونابرت هو المحفز الأول لعصر النهضة، ومنذ دخوله لمصر بدأت البعثات إلى فرنسا لينطلق بعدها الكتاب العرب، وفي هذا يقول الناقد الفلسطيني فيصل درّاج «بعد أن امتطى التاريخ جواد بونابرت، خلق اﻹنسان نفسه بنفسه واستولدت أصابعه المبدعة كونا أصيلاً».
بعيداً عن البدايات، والأسباب التي أدت لها، غير أن هذا العصر أنتج لنا أدباء من طراز رفيع، أدباء حاولوا تغيير الواقع بطرائق شتى، منهم فرنسيس فتح الله مراش، فارس الشدياق، الطهطاوي، الرافعي، الأفغاني، محمد عبده، وغيرهم الكثير وصولاً إلى محمد حسين هيكل وطه حسين.. فما الذي حدث لعصر النهضة العربية؟ وكيف وصل الأمر بالوعي والثقافة والتجديد العربي إلى درجة الموت في ظل انبثاقات عدّة بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر، لتتعثر في خمسينيات القرن الماضي وصولاً إلى ما وصلت إليه ثقافتنا العربية الآن؟

مشروع لقيط

يرى الكاتب المصري أحمد الخميسي أن مشروع النهضة العربية الأول ارتبط بالتأثير الفكري للغرب في المفكرين العرب، خاصة في ظل الثورات الفرنسية الثلاث: 1830 وثورة 1848 وكمونة باريس عام1871 التي شكلت في مجملها انتفاضة على الإقطاع الأوروبي نحو تحرير الإنسان، ولهذا كان معظم المنورين العرب بدءاً من فارس الشدياق الذي أولاه لويس عوض عناية خاصة، ورفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي ممن سافروا إلى أوروبا واحتكوا بصورة مباشرة بثمار الحياة والفكر هناك، وقد عادوا بدعوة للنهضة ذات ملامح عامة تقوم على تمكين العقل، ورفض الاستبداد المطلق، والأخذ بالدستور، والعلم، وتحرير المرأة، والإصلاح الديني، وأيضاً الدعوة للعدل الاجتماعي بدرجات متفاوتة حسب مفهوم العدل في مطلع القرن التاسع عشر.
ويضيف الخميسي أن جهود أولئك الرواد أثمرت بظهور جيل آخر تزعمه عدد كبير من المفكرين في مطلع القرن العشرين، تراوحت رؤاهم بين أقصى اليسار في الدعوة للاشتراكية، كما هي الحال عند فرح أنطون، واليمين بالتركيز على الإصلاح الديني، كما هي الحال عند محمد عبده. لكن تلك النهضة سرعان ما انهارت، على الرغم مما تركته من بذور في الأرض، والسبب الرئيس في ذلك يرجع إلى تبدل طبيعة الثورات الأوروبية من التحرر إلى التمكن من الحكم، ثم الانقلاب على كل مثل التحرر التي دعت إليها تلك الثورات. السبب الثاني في تقدير الخميسي أن المجتمعات العربية لم تكن أيضاً مؤهلة بالقدر الكافي لتمرير مشروع نهضوي عملاق بالمعنى الحقيقي. ولم تكن مصادفة ذلك التزاوج بين ردة الثورات الفرنسية والاستبداد السياسي في البلدان العربية، وإهمال مشروع النهضة الذي أمسى لقيطاً من دون قوة اجتماعية محلية تتبناه أو قوى دولية تفسح الطريق له، لقد أمسى المشروع ضد من خلقوه في أوروبا وكان لابد من تنحيته.

موجهات النهضة

ويحدد الناقد العراقي عقيل عبد الحسين ظهور مشروع النهضة العربية في ظل سعي حاكم مصر محمد علي لإيجاد دولة حديثة في مواجهة الدولة العثمانية البالية. مبيناً أن مصدر التحديث هو الغرب. ومما لا يخلو من الدلالة أن يكون المبشر الأبرز بالنهضة، وبما عند الغرب من حضارة، هو الشيخ الطهطاوي، الواعظ المرافق لطلبة البعثة الذي يمنعهم من الـ»انهمام» بملذات الغرب، ويعيد وصلهم بالمنظومة القيمة والأخلاقية الإسلامية، ليعودوا بالعلم إلى مصر، من دون أي شيء آخر!
ويضيف عبد الحسين أن النزعة الأخلاقية كانت إسلامية الطابع، وهي كامنة في مشروع النهضة العربية منذ بدايتها. وهما معاً، أي النزعة الإسلامية ومشروع النهضة، كانا موجَهين من الحاكم. والطهطاوي نفسه في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» يمثل للمسافة التي يجب أن تكون حاضرة في أي مشروع نهضوي أو تحديثي، وهي مسافة يحضر فيها الحاكم بوصفه موجِها ومرشِدا (في الكتاب إشارات كثيرة إلى حرص الحاكم على المبتعثين ومتابعتهم عبر تقارير دورية ومتابعة ما يحصّلون بشكل دوري)، ويحضر فيها الواعظ، ممثل المنظومة القيمية الإسلامية السليمة التي توجه المشاهدات، وتتحكم في طريقة إيرادها وتقييمها، ففي الغرب ما يستحق أن ننقله ونفيد منه في تحقيق التحديث المطلوب. وهو ما يتصل بالقوانين الحديثة وتنظيم الحياة السياسية كالدساتير. وفيه ما يجب أن نهمله كليا ونسكت عنه كما فعل الطهطاوي، أو ما يجب أن ننبه إلى أنه مما لا يناسبنا، كما فعل فيما بعد تلميذ الطهطاوي، علي مبارك في كتاب سردي مطول، حوالي 1200 صفحة هو «علم الدين»، وفيه يحافظ السارد على عناصر التمثيل التقليدية التي وجهت مشروع النهضة، أي الحاكم ممثلاً في شيخ الأزهر المتنور الذي يرشح علم الدين لمصاحبة العالم الإنكليزي الذي أراد أن يعرف الثقافة العربية، والواعظ وهو رجل الدين «علم الدين»، والمعايير القيمية الإسلامية التي تتحكم بالمادة المسرودة في الكتاب. والأخيرة تتسع لتشمل فضائل الغرب كحب المعرفة وتنوع العلوم والتقنيات والفنون، ومعايبه كالاختلاط وتبرج المرأة.
ويشير عبد الحسين إلى أن العناصر السابقة ستظل متحكمة بمشروع النهضة في الحقب اللاحقة، وإن اختلفت في الظاهر، فمع تحوّل الدول العربية ومصر تحديدا إلى الجمهورية، وإلى القومية، صار التاريخ الإسلامي والمنظومة القيمية المستندة إلى الإسلام فعّالين في خطابات الإنهاض والدعوة إلى الوحدة ومقاومة الاستعمار والغرب الإمبريالي، واستبدل الواعظ في كتابات هذه الحقبة بالأكاديمي والمثقف المتواطئ مع السلطة، وأحيانا بالنهضوي نفسه، كما في حالة طه حسين الذي تحوّل في الحقبة الناصرية إلى الإسلاميات. وظلت السلطة حاضرة في إشرافها على العنصرين الأولين.
وينهي عبد الحسين كلامه قائلاً: يحمل مشروع النهضة العربية في بنيته احتمالات انحساره وموته، بل تحوّله إلى الردة الفكرية والنقدية، فهو موجَه بالسلطة، ومشروط بالإسلام. وبتغيّر السلطة وتحولاتها يتغيّر البعد الأخلاقي والقيمي لخطاب مشروع النهضة، في الظاهر فقط، ولكنه في جوهره ثابت لا يبتعد عن الإسلام، وعن التراث والمنظومة القيمية الناجمين عنه.

نموذج أوروبي

في حين يبين الكاتب المغربي أحمد يماني المقيم في إسبانيا أنه أيَّاً ما كانت بدايات النهضة العربية، سواء عن طريق الاتصال المباشر بأوروبا (الحملة الفرنسية على مصر والشام) أو عن طريق التطور الداخلي المتكون حثيثاً في عصر علي بك الكبير (حسب نظرية بيتر جران في كتابه عن الجذور الإسلامية للرأسمالية)، فإن النموذج الذي انبنت عليه تلك النهضة كان نموذجاً أوروبياً… ومن الجليّ أن تجربة محمد علي في مصر كانت دالة على ذلك. يعزو البعض توقف مشروع النهضة العربية عند المرحلة القومية، بعد هزيمة 1967، التي أعقبت المرحلة الليبرالية، كأحد الأسباب الخارجية للفشل، على أن الأمر في تصوري أكثر إشكالية من ذلك، فنحن لم نبن بيتنا على أسس راسخة، وإن تحديثاً لا يعني حداثة، كطريقة عقلانية شاملة في رؤية العالم. وإذا كان محمد علي قد نجح في نقل مصر إلى مستوى تحديثي ما، إلا أنه لم يكن شاملاً وإذا كان نموذج التطور لدينا قد بني على أساس أوروبي فإن أسئلة المفكرين العرب لم تكن بمثل جذرية مثيلاتها الأوروبية، فلم يتم؛ مثلاً، تشريح وعينا الديني وفهم طبيعة تداخله في حياتنا المعاصرة وفك الارتباطات بين العقلي والمقدس والإيديولوجي والتاريخي والعلمي…إلخ. هذا لا يعني التقويض، بل يعني فهم موقعك من العالم، البناء على بعد كلاسيكي، كما تبنت أوروبا اليونان كمرجعية كلاسيكية (حتى إن كانت أثينا سوداء ذات جذور أفريقية وآسيوية حسب مارتين برنال) وما كانت لتصل إلى هذه المرجعية لولا ابن رشد مثلاً، وقد نسينا أننا نتشارك مع أوروبا تلك المرجعية.
الأمر في تقدير يماني لا يتعلق بمحاولتنا فهم مشروع النهضة الحديثة عبر أزمنته السياسية من ليبرالية وقومية وأصولية وغيرها‘ وننسى أن تلك الأزمنة ما هي إلا تجليات لأفكار أيَّاً ما كانت جدية تلك الأفكار وأصالتها وأنه سيظل علينا أن نطرح أسئلة جذرية تتعلق بمقدسات، منها الديني ومنها التاريخي. ربما تقع الأزمة في طريقة طرح السؤال ذاته، أو في طريقة فهمنا للنهضة بوصفها عملاً جماعياً يجمع تحته البلدان الناطقة بالعربية، أو ما يسمى بالعالم الإسلامي ولابد أن يتم على مستوى جمعي، معتقداً أننا بحاجة كذلك لمراجعة هذه الأفكار. ثمة انقطاع عن حضاراتنا القديمة، ثمة غياب لمرجعيات كبرى ابتعدنا عنها لأسباب لا مجال هنا لذكرها، ولكن حسب طه حسين فإن «مستقبل الثقافة في مصر»؛ على سبيل المثال، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بماضيها البعيد وحضورها داخل الفكر الأوروبي منذ تأسيسه في اليونان.

إخفاقات النهضة

من جهة الكاتب العراقي معن الطائي، فلا يمكن الحديث عن الوعي الثقافي الجمعي ومشاريع النهضة الفكرية بمعزل عن سياقاتها وظروفها التاريخية والاجتماعية. فهذه المفاهيم لا تقف معلقة في الفراغ وإنما تحتاج إلى حامل اجتماعي يأخذ على عاتقه مهمة تحويلها إلى واقع معاش وحالة فكرية شاملة تنتج معرفة وأنماطا من السلوك والممارسات الاجتماعية المتسقة معها.
موضحاً أن حركة النهضة والتجديد العربية في نهاية القرن التاسع عشر تزامنت مع جملة من التحولات التاريخية الحاسمة، أدت إلى تغيرات جذرية في بنية تلك المجتمعات وفي موازين القوة والهيمنة التي كانت سائدة في حينها. فما حدث في المجتمعات العربية الحديثة يشابه إلى حد كبير ما حدث في فرنسا في بدايات القرن التاسع عشر وإيطاليا في بدايات القرن العشرين، إذ تنامت قوة البرجوازية الوسطى والصغيرة وتمكنت من الوصول إلى قمة الهرم الاجتماعي، من خلال ثورات ثقافية واجتماعية وسياسية وعسكرية متزامنة. وفي الوطن العربي، قامت تلك الحركات الاجتماعية والسياسية في أعقاب نهضة معرفية واسعة انطلقت من فكرة التجديد والتحديث مع نهايات القرن التاسع عشر، وبذلك أصبحت البرجوازية العربية الوسطى والصغيرة هي الحامل الاجتماعي لمشروع النهضة على صعيد الفكر والثقافة. لقد أفرزت الممارسة التاريخية للحراك الاجتماعي نمطاً من الحكم الديمقراطي المدني في أوروبا، أما في الوطن العربي فقد سادت النظم العسكرية المدعومة من البرجوازية المالية والصناعية، والمتحالفة بدورها مع القوى الصناعية الغربية الكبرى.
ويؤكد الطائي أن فشل مشروع النهضة بمختلف أبعاده وتمثلاته في إنجاز التحول التاريخي نحو مرحلة جديدة من مراحل التطور الحضاري العربي يعكس فشل الحامل الاجتماعي الذي أخذ على عاتقه تحقيق هذا المشروع، بوصفه الدور الحضاري الحاسم الذي كان عليه النهوض به. إذ أصبحت الهيمنة العسكرية هي الوجه الوحيد للبرجوازية العربية التي تمتلك إرادة الفعل والقوة، وتم تهميش جميع شرائح المجتمع الأخرى وإخضاعها، وعلى رأسها الشريحة المثقفة والحاملة لمشروع التنوير، وبذلك عزل مشروع التنوير عن القاعدة الجماهيرية الواسعة، وأفرغ من مضمونه.
ويدعو الطائي النخب المثقفة في العالم العربي لأن تسعى وبجد إلى إخراج نفسها من مأزقها التاريخي، وأن تعمل على الالتحام العضوي بقاعدة شعبية تنتمي للطبقة الاجتماعية التي ترى أن الفكر التقدمي هو السبيل الوحيد أمامها لتحقيق الفاعلية الاجتماعية، ولإثبات ذاتها مادياً وترسيخ وجودها أيديولوجياً. عندها فقط يمكن الحديث عن إمكانية قيام نهضة ثقافية على أساس خطة مستقبلية تستقرئ مفردات ومحددات الواقع وتستشرف المستقبل، ولن تكون مجرد وهم ثقافي ينتاب الشريحة المثقفة وينتهي بها معزولة ومهمشة.

بين المحو والتذكر

يفتتح العراقي عامر عبد زيد حديثه بقول حكيم: الثقـَة مثـل الممحـاة تصبَـح أصغـر وأصغـر بَعـد كِل خَطـأ، إلى أن تختفـي. مضيفاً أنه بين «النسيان- المحو والتذكر» سواء كان قصديا أو غير ذلك، خطاب يحتاج إلى التفكر، فالذاكرة العربية نتيجة فعالية المحو المستمر فإنها تتآكل بشكل محزن اليوم… أما الأمل بالانبعاث الجديد للعدالة الاجتماعية والانتقالية وحالة النفي بين الخطابات الشمولية المتصارعة على السلطة بين السلطات العربية اليمينية العنيفة وبقايا اليسار أو الليبرالية التي أفاقت على أمل إحياء ما كان قد تعرض إلى الحذف من خطابات الحقوق والمشاركة والعدالة بين المكونات الإثنية وحقوق المرأة، كلها تم حذفها في ظل خطابات الأنظمة الشمولية، التي مارست الحذف والنفي، بل التزييف لكل خطابات يوتوبيا النهضة.
ويشير زيد إلى أنه مع الربيع العربي جاءت موجة من الحراك تسعى إلى تذكر ما هو مهمش ومحذوف من تاريخ الذات العربية مع رواد النهضة، وقد أخذت أفكارهم، محاولة إعادة طبعها وتداولها في المواقع المختلفة من أجل استعادتها وإحياء الوجه العقلاني الحقوقي الذي يهتم بالإنسان وحقوقه، ومعها تم إحياء الهويات الفرعية التي تم استيعابها سابقاً في الخطابات الشمولية المتصارعة، اليساري والقومي والإسلامي، فالهويات القومية التي هي الأخرى تعرضت إلى النفي جسدياً وثقافياً، من كرد وتركمان وأمازيغ وأفارقة، أو أي أقلية أخرى، حاولت الخطابات الجديدة أن تضعها داخل التنوع الوطني في ظل دولة ديمقراطية منشودة هي دولة لجميع مواطنيها. وهذا التنوع العرقي المتفاعل حضارياً كان بحد ذاته من أهم أسباب النهضة في الزمن الذهبي لهذه الأمة.
غير أن هذه اليوتوبيا؛ من وجهة نظر زيد، اصطدمت بالآيديولوجيا والتدخل الخارج مثلما زيَّف هذا الأمر النهضة، يزيف اليوم الربيع حتى تحول إلى خريف، إذ انهارت وحدة المنطقة ومعها غاب أي حلم بالوحدة تحت احتراب المكونات وغياب أفق حقيقي للوحدة والنهضة.
ومن الجدير بالذكر أن هناك فرقا بين حركة توحيد الدول العربية والحركة التي تسعى إلى إيجاد دولة إسلامية موحدة. حركة التوحيد العربي تسعى إلى إقامة دولة مدنية، خلافًا لغيرها من الحركات التي تسعى إلى تأسيس دولة دينية تقوم على أساس الشريعة الإسلامية.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية