كثيراً ما يتردد هذا السؤال على ألسنة الكثيرين من أطيافٍ وخلفياتٍ شتى، أمام مشهد السقوط والتردي المفزعين في مصر، كلٌ لأسبابه، التي قد تتراوح بين غلاء تذكرة وسيلة المواصلات العامة ولقمة العيش، وشح المياه النظيفة، وصولاً إلى القضية الوطنية، التي تشغل الرأي العام الآن، ألا وهي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة السعودية المعروفة باسمها الأشهر «قضية تيران وصنافير».
فبعد حكمٍ قضائي نهائي صادرٍ عن المحكمة الإدارية العليا ببطلان الاتفاقية، أصر النظام ممثلاً في مجلس الشعب، الذي اختيرت أغلبية أعضائه في أروقة أجهزة الأمن والمخابرات بالتحديد، ورئيسه الدكتور علي عبد العال، على تمرير الاتفاقية، بل وأتحفنا الأخير وهو أستاذ القانون الدستوري، بأن اعتبر الحكم والعدم سواء.
جميل.. مدهش تماماً!
ولأن الكثير قيل وسيقال في الأيام المقبلة، وسيجهد الكتاب والمتكلمون والناشطون أنفسهم في البحث في رصيدهم اللغوي، عما يفيد معاني الشعور بالقهر العميق والإهانة الأعمق والغضب والخجل والحزن المؤلم ومترادفاتها، الصادقة تماماً في رأيي، ولما كان أي كلامٍ لن يفي بالغرض، ولن يفت من إصرار النظام على عناده وتصميمه على المضي فيها، ناهيك عن كونه قد يخدش جلد قياداته السميك، فإنني أحيل القارئ إلى مشهد الموافقة على الاتفاقية في ذاك «المجلس» الموقر بقيادة أستاذ القانون المفترض، ليرى بنفسه تلك المهزلة التي لا تليق بمزاد، فهي دون ذلك، ولا تعدو بيعةً في سوق خضروات أو سمك على أفضل تقدير، وتغني عن أي مجهودٍ في البحث عما يصف فيفي.
لكن وراء ضجيج الاعتراض وصياح الغضب، ومن بين كل كوارث نظام الثورة المضادة، فإني أرى أن تلك هي الأخطر على حاضر مصر ومستقبلها، ومستقبل المنطقة في تداعياتها، وأراها دون شك الضربة القاصمة لأي «هزرٍ» كان يُتداول سابقاً عن مشروعيةٍ مفترضة للنظام من الناحية النظرية، وعملياً فإنه سيؤدي إلى تقويض مرتكزاته الشعبية المتضائلة من الناحية الفعلية.
كتابٌ كثيرون يهاجمون وينتقدون ويلفتون النظر ويتهمون النظام بطريقة مواربة بالانجرار إلى الحماقة والضلوع في ترتيبات إقليمية، ويبدون عجبهم من الإصرار، في حين أن الإجابة واضحة، لكنهم إما يتعامون عنها أو لا يريدون الاعتراف بها، كونها لا تنسجم مع موقفهم السابق أو الحالي من الانقلاب، ومنظورهم ومنطلقهم الطبقي في تحليل الأمور والتعامل معها: فوراء الأزمة ودافع الهرولة إفلاس نظام الثورة المضادة، وأزمةٌ شديدة العمق، سياسياً واقتصادياً. أي حلٍ حقيقي يعني تقديم تنازلات شعبية وتغيير انحيازاته الاجتماعية – الاقتصادية، وهو في المجمل على غير استعداد لذلك، بل ودون ذلك بحورٌ من الدماء، كما أثبت لنا دون مواربة في رابعة وما تلاها، من «تصفيةٍ لإرهابيين في اشتباكات». ولما كان النظام وطبقته الحاكمة مفلسين في الحساب النهائي، وقد فرض الظرف عليهما (بما يتضمن من الاحتياج إلى عصاه الأغلظ ) قيادة الأجهل والأغبى، فإن القرارات محكومة بالرعونة والتعسف والتخبط. والشاهد أنه كلما تعمقت أزمة النظام، ازدادت حماقة وطيش تصرفاته، فإذ ما يني يجنح لترسيخ ارتباطه بالمعادلة نفسها التي استهلكها مبارك فاستهلكته وأهلكته، من تكريس وضعه بالرضا الأمريكي والضمان الإسرائيلي والدعم المادي السعودي، ففي الوقت ذاته وأمام الفشل والسخط لا يجد وسيلةً سوى الاعتماد على هذه الدول تحديداً، أي نوع من داوها بالتي كانت هي الداء، وفي المحصلة يجد نفسه (ونحن معه) في دائرةٍ مفرغة من مشهدٍ مبتذلٍ وبذيء للغاية، تغلب عليه غرائز البقاء البدائية (بقاء النظام بالطبع) الجاهلة والغبية التي تُغيب عن صانعي القرار، أي عن السيسي أولاً وأخيراً، التبعات الكارثية، لا على مصر ولكن على نظامه بالأخص (هذا بافتراض حسن النية).
فجملة سياساته تصدع التحالف الذي أوصله للسلطة، ويتآكل دعم الطبقة التي اعتمد عليها، فشرائح كثيرة منها تتأثر بالغلاء، بشكلٍ نسبي بالطبع، بما يضطرها إلى التنازل أو التحايل على بعض احتياجاتها، وفي النهاية تجد نفسها بين خيار الرضا بتدهور أوضاعها ومقدرتها الشرائية، وشبح ثورةٍ أخرى، وهو ما حدا بها لدعم الانقلاب وقائده. وكلما تضاءلت قاعدته الشعبية زاد اللجوء للعنف والاعتماد على ترسيخ دور أجهزة الأمن، كقاعدةٍ لبقاء النظام بهباتٍ عينية، في صورة علاوات أو تضخم دور المؤسسة العسكرية تحديداً في الاقتصاد، كأكبر رأسمالي مستغِل في البلد، وليس أدل على ذلك من حملة اعتقالاتٍ شرسة انطلقت في الأيام الأخيرة.
لقد كانت القضية الوطنية هي الجامع الأكبر للمصريين منذ القرن التاسع عشر، وتحديداً بعد الاحتلال الإنكليزي، ومثلت الهم والعامل الوحيد المشترك بين الحركات التي مثلت شتى أطياف العمل السياسي، والسيسي بتنازله ذلك يضرب هذا المرتكز الوطني الذي أسهم، بل كان العامل الأساسي، في نشوء الوعي والحس القومي المصري الحديث، وبالتالي فلن تتأثر دولة ما بعد الاستقلال فقط، وإنما مشروع الدولة الحديثة برمته، وتكفي مشاهدة الأستاذ دكتور القانون رئيس مجلس النواب وهو يثبت ذلك، وإن مونتسكيو صاحب كتاب «روح القوانين» وصاحب نظرية «الفصل بين السلطات» يتقلب في مضجعه، إذ يرى ابتذال ما نادى به على يد أوباش الديكتاتوريات العسكرية، الذين لم تبق لديهم أبسط قدرة على التمثيل والإبقاء على مخايل ولو باهتة من الدولة الوطنية الحديثة، في ذلك التدافع وتلك الهرولة البائسة والبدائية للغاية من أجل البقاء.
في هذا السياق ذاته، فلا يمكن تفسير أو تناول هذه التنازل المشين، بالاقتصار فقط على عامل الامتنان للمملكة، نظير دعمها ومساعداتها المادية، فقد كان بمقدور السيسي أن يكتشف أن جزءاً آخر من سيناء تابعٌ لها أو ربما أسوان منذ قديم الأزل، لكنها صفقة القرن، والقيمة الاستراتيجية الفريدة للجزيرتين في الأساس وما تمنحانه لمصر من سيطرة على مضيق تيران، شريان الحياة لإسرائيل، الذي تسبب إغلاقه في نشوب حرب يونيو، التي تصدف هذا العام ذكراها الخمسين. نحن لا نعلم التفاصيل الكاملة لهذه الصفقة المشبوهة المريبة، لكنها ككل صفقات أمريكاً، تأتي خصماً من رصيد العرب، بل يدفعون تكاليفها كاملةً على الأغلب. في خطوطها العريضة وفق المتاح، فإن الصفقة ستؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية تماماً وليس مجرد استيعاب إسرائيل، ذلك الكيان الثابت القابض على عنصريته الاستعمارية، وإنما أن تصبح عضواً وطرفاً، بل العضو والطرف بأل التعريف، في تحالفٍ يضم الدول الشرق أوسطية العربية في مجابهة إيران، أو أي عدو آخر محتمل في شرق الكوكب.
إن التنازل سيجرد مصر من تلك الورقة الفاصلة، وسيفقدها جزءاً مهماً من قيمتها الاستراتيجية بموجب اتفاقٍ موقعٍ سيصبح العدول عنه شبه مستحيل، وتعدياً يستوجب الرد.
كل ما سبق سيؤدي إلى تصدعٍ شديد في الهوية والثوابت الشعبية المصرية المتوارثة، وسيثير أسئلةً لا حصر لها ستطال من معنى وقيمة أي قيمة وسيؤدي في نهاية المطاف إلى تحلل وسقوط كثيرٍ من المفاهيم والمبادئ، التي جعلت الحياة الجماعية على هذه الرقعة على شريط النيل ممكنة، وسيضع مصر على طريق عنفٍ يصعب تصور أبعاده ومداه.
سابقةٌ أولى ويتيمة في التاريخ يتنازل فيها بلد عن أرضه طوعاً، وأكاد أجزم بأنها ستكون الأخيرة. بهذا التنازل تخرج إسرائيل الرابح الأكبر وتكمل ما بدأته حرباً منذ خمسين عاماً، بالتنازل السلمي من مصر عن أرضها وسيطرتها على مضيق تيران مكبلةً نفسها وشالةً حركتها ومخلفةً تركةً كارثية للأجيال اللاحقة. ليس لديّ أدنى شك في أننا أمام مشهد انهيار وسقوط النظام، لكن المشكلة أنه بفعل عوامل عديدة قد يطول على بلادته وغبائه ومواته.
والسؤال الذي يحيرني ويقلقني ليس متى نصل القاع وإنما: هل هناك قاع؟
كاتب مصري
د.يحيى مصطفى كامل