انتخابات الأردن… «لسنا في السويد»

«لسنا في السويد .. « .. هذا ما قاله لي مسؤول بارز في الحكومة الاردنية وهو يحاول تقليب صفحات دفتر الاقتراع الجديد الملون الذي تم اعتماده ليوم الاقتراع في الانتخابات العامة الشهر المقبل.
وجهة نظر الرجل ان مثل هذا الدفتر سيربك الناخب الأردني الذي لا يقرأ ببساطة وبشكل عام خصوصا في الأطراف عدة صفحات لكي يصل إلى اسم أو صورة مرشحه بين صفحات الدفتر.
على هذا الاساس قد يضيف الدفتر منسوبا جديدا من الارتباك خصوصا وانه يصلح للمجتمعات المتمرسة في العملية الانتخابية والتي تقترع على اساس البرامج الحزبية حيث تتولى الحكم أغلبية برلمانية، وحكومة الظل أقلية معارضة.
الناخب الاردني يذهب إلى صندوق الاقتراع في النسبة الأغلب مشحونا بالهوية المناطقية أو بالتعبير العشائري، الأمر الذي يبرره عمليا انطلاق سلسلة طويلة مما يسمى بالإجماعات العشائرية قبل الانتخابات.
بهذا المعنى يصبح رهان الهيئة المستقلة للإدارة الانتخابات على تطوير ذهنية الاقتراع عند الناخب المحلي أقرب إلى المجازفة من الانتاجية فلا يوجد استعداد لدى ناخبين مشحونين بالهويات الفرعية سواء في المحافظات والأطراف أو حتى في مدن الكثافة السكانية لقضاء الكثير من الوقت في تقليب دفتر الاقتراع الجديد مما يوفر مساحة اضافية من الارتباك حسب الخبراء.
وهو ارتباك قالت الهيئة المستقلة ان إجراءات عملية الاقتراع تعالجه نسبيا عبر رئيس لجنة الانتخاب وأعضاء اللجنة في كل مركز اقتراع الذين تم تدريبهم على كل الحالات والاحتمالات وسيعملون على توفير المساعدة للناخب حتى يفهم الاجراءات والخطوات المطلوبة منه.
مشكلة الانتخابات لا تقف عند حدود الدفتر الذي يعتبره حتى بعض البيروقراطيين صرعة مستحدثة لا مبرر لها في بلد كالأردن ينحاز الناخبون فيه إما لتمثيلهم القبلي والعشائري أو إلى الإخوان المسلمين والمناكفين أو إلى المكونات الإجتماعية القائمة على الأصل والمنبت.
المشكلات تتعدى الدفتر إياه ويبدو أن المستويات العميقة في الدولة غير موحدة حتى اللحظة في قراءة أي من التفصيلات المهمة للعملية الانتخابية وهي نقطة لافتة جدا للنظر ينتج عنها في الموسم الحالي صعوبة الاقتناع بوجود قراءة موحدة في النص سواء للإجراءات الانتخابية أو للنتائج المحتملة حيث يهاجم الإخوان المسلمون بضراوة عملية الانتخابات ويشاركون بكثافة في غالبية الدوائر الانتخابية وحيث تغيب تماما اصوات المشرعين المخضرمين المحسوبين على الدولة والنظام وحيث يتنافس فقط لاعبان في الساحة. هما مركز الثقل العشائري والجهوي، ومركز الثقل الإخواني.
المسألة التي يبدو فيها بعض المسؤولين في حالة مراجعة ذاتية صامتة لها تلك المتعلقة بمبررات ومسوغات غياب العتبة التصويتية عند عملية الفرز وعد الأصوات حيث لا توجد عتبة بمعنى نسبة منصوص عليها بالقانون يمكن أن يعتمد عليها في الحساب ويتوجب على القوائم الوصول لها قبل مشاركتها في المنافسة.
يبدو ان غياب العتبة في حساب الأصوات كان هدفه تجنب فرص قوية للإخوان المسلمين والخوف من تحضيراتهم باعتبارهم الحزب الوحيد القادر على تجاوز العتبة المطلوبة في غالبية الدوائر التي يشارك بها في الانتخاب.
كما يبدو ان غياب العتبة في ذهن من برمج مفاصل النظام الانتخابي كان يهدف إلى توفير هوامش من المناورة والمبادرة للتدخل الرقمي في بعض الأحيان الامر الذي برر الاعتماد على الية اسمها الباقي الأعلى في حساب الاصوات.
اليوم وبعدما استيقظ الجميع يشعر بعض الساسة والمسؤولين ان تغييب العتبة في حساب الأصوات كان اجتهاد خاطئا بالمعنى السياسي والأمني ليس فقط لأن الأخ المسلم كمرشح يستفيد كغيره من نظام الباقي الأعلى وليس فقط لأن عددا كبيرا من مقاعد البرلمان المقبل ستحسم بكسور الأرقام ولكن ايضا لأن الفوز المحتمل لعدد كبير من المرشحين بالأصوات أقل من آخرين لم ينجحوا سينتهي بتجاذبات اجتماعية وصراعات يمكن ان تكون لها تداعيات أمنية وبالتالي مشكلات من كل الأصناف.
الباقي الأعلى فكرة باختصار تقول ضمنيا بفرضية احصائية قوامها ان بعض النواب سيفوزون بالمقاعد رغم أنهم حصلوا على أصوات أقل من أصوات آخرين في نفس الدائرة الانتخابية.
تلك المفارقة الرقمية قد تبرز بقوة في العديد من الدوائر الانتخابية وقد لا تشكل مشكلة عند الناخبين المتميزين بالوعي السياسي لكنها ستفعل عندما يتعلق الامر بالدوائر الانتخابية ذات التعبيرات الفرعية أو الاجتماعية لان بعض الفئات في الجمهور لا يمكن اقناعها بان معيار الباقي الأعلى اياه عادل ومنصف وهو عبارة عن مسطرة طالت الجميع خصوصا بعد ظهور النتائج لأن من يخسر الانتخابات في كل الدوائر عليه ان يبرر هذه الخسارة مرة باتهام السلطة بالتزوير والعبث ومرة بمهاجمة آلية احتساب الأصوات.
تلك قواعد في الحساب الصوتي مطبقة في بعض ديمقراطيات الجوار والغرب وفي امريكا اللاتينية لكن تطبيقها في الحالة الاردنية قد ينطوي على بعض الاستشراق وقد ينتهي بمشكلات غير محسوبة .. ذلك على الأقل ليس رأيي الشخصي بل رأي مسؤولين بارزين في السلطة والإدارة العليا سمعته عدة مرات فيما الاجواء الاجتماعية تزداد سخونة بعد تدشين مرحلة التسجيل للانتخابات وجلوس الجميع بانتظار بيوم العشرين من الشهر المقبل.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

انتخابات الأردن… «لسنا في السويد»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية