انتخابات الرئاسة المصرية: مرشح أوحد وسُمعة سيئة تلاحق إعلام السُخرة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم كون انتخابات الرئاسة المصرية ستقام في اذار/مارس المقبل، إلا أن الإعداد لها بدأ منذ فترة طويلة نسبياً، وإن لم يكن بالسرعة التي تعيشها مصر اليوم، خاصة بعد لعبة الترشح الرئاسي التي راح ضحيتها البعض، وفطن لها البعض الآخر فانسحب لإحراج النظام الحاكم حالياً. ويبدو جلياً أن الإعلام المصري يسير في ركب الرئيس الحالي/القادم، بل ويلهث وراء أوامره، دون حتى أن يتحايل بكونه يتمثل بعض الحياد، الأمر لا يحتمل ذلك، فالجميع إما أن يصبح مؤيداً لترشح الرجل لفترة أخرى، أو أن يصبح من أهل (الشر) الواجب قتاله والتخلص منه فوراً بأي طريقة. لك أن تطالع الفضائيات المصرية وتستمع إلى الإذاعة أو تطالع عناوين الصحف عند الباعة، وكذلك لافتات تملأ الشوارع، لترى صورة الرئيس الأوحد في كل مكان، لتبدو انتخابات الرئاسة المصرية، معركة وهمية يخوضها رجل أوحد أمام المرآة.
من خلال ثلاثة كيانات تشكلت نهايات عام 2016، هي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، أصبحت الرقابة على وسائل الإعلام كحلقة مُحكمة لا يمكن الفكاك منها، خاصة وأن رئاسة هذه الكيانات آلت لرجال خدموا بإخلاص الرئيس الأسبق المخلوع، ويعتبرون من رموز نظامه، الذي أعيد تشكيله الآن بشكل أكثر قسوة وفجاجة. وهذه الكيانات لا تعمل إلا من خلال أوامر عليا، تقوم بدورها بتوزيعها على الفضائيات والصحف، ليصبح صوت واحد هو الذي يجب الاستماع إليه، إضافة إلى تجييش القنوات الفضائية، بشكل مباشر أو مُستتر أحياناً ــ التجييش يعني امتلاك بعض القنوات والمشاركة في تمويلها من قِبل المؤسسة العسكرية ــ فالمسؤول العسكري أصبح يحتل كافة المنصات الإعلامية في مصر، لذا لا نسمع ولا نرى سوى الكلمات نفسها في كل وقت. أما مسألة محاربة الخصوم، فالفضائيات كفيلة بها، خاصة وأن أغلبية الشعب لا تستقي معلوماتها إلا من هذه القنوات، من خلال ترويج خطاب إعلامي وحيد، وضد كل مخالف في الرأي لقرارات وآراء ومشروعات القائد المُلهم على الدوام. ولنرى كيف تعامل الإعلام مع فكرة أو محاولة ترشح أحمد شفيق للرئاسة، وقد أطاع الرجل في النهاية وبارك ترشح الرئيس الحالي والقادم، ثم الموقف من خالد علي، كالسخرية والادعاء بالباطل عليه، خاصة بعد تلفيق التهم له. حتى مع انسحابه هو وفريقه لإحراج النظام، بأن المناخ السياسي لا يسمح إلا بـ (استفتاء)، فلا مجال لانتخابات على الإطلاق، اتهمه الإعلام المرئي والمقروء بأنه هرب لأنه واثق من الهزيمة. وفي حالة سامي عنان، والضجة التي صاحبت نية إعلانه الترشح، ربما لأنه يمتلك بعض أوراق الضغط، بخلاف شفيق، من حيث كونه أحد أبناء المؤسسة العسكرية، بدأ إعلام الرئيس في اتهامه بكل الموبقات، وصولاً إلى التلميح بموقفه من أحداث ماسبيرو في تشرين الاول/أكتوبر 2011، رغم كون الرئيس الحالي كان رئيس المخابرات الحربية وقتها!
وهكذا يصبح الملعب خالياً أمام الرئيس، مع تبرير. لم يكتف الإعلام المصري بنار الدنيا التي ستطول المواطن، حالما فكر أو حتى ظن بالاختلاف مع رئيس البلاد والعباد، بل ستنتظره نار الآخرة أيضاً. وهنا يأتي موقف الإعلام الديني، حيث يتم تصوير الأمر كونه فرضاً دينياً لابد من تأديته، حتى ينجو الموطن من العذاب. نرى ذلك في خطب يوم الجمعة المتواترة، والتي تستمع إليها في كل جوامع مصر ــ الخطبة مكتوبة وموزعة على أئمة الجوامع ــ كذلك الاستعانة بشيوخ السلفيين وأعضاء حزب النور، للحديث عن كُفر المعارض أو الذي لم يُشارك في الانتخابات. هذا الإرهاب يمارس بقسوة خاصة على البسطاء، الذين يرون الحياة من خلال منظار ديني.
على الجانب الآخر نجد قنوات المعارضة، والتي تبث من خارج مصر، ومعظم العاملين بها عليهم أحكام تعدى بعضها الثلاثين عاما، ومن خلال هذه القنوات وبرامجها يمكن أن نرى الوجه الآخر لما يحدث في مصر من عزف سيمفونية نشاز تمجد الرئيس الأوحد. في هذه القنوات يجتمع المعارضون، سواء مَن الداخل أو المقيم خارج مصر، والمشاركة هنا تكون إما بالاتصال تلفونياً أو الاستضافة بأحد البرامج. طيف واسع ومتنوع من المعارضين، فلا يقتصر الأمر على السياسيين فقط، وكأننا أمام شعب آخر بجميع فئاته وطوائفه، ليتضح مدى الشكل الكاركتيري للرئيس.
ورغم مناخ المراقبة الشديد والخانق داخل مصر، وتلفيق قضايا الرأي على مَن يقومون بكتابات تعارض الرئيس ونظامه، أصبح فيسبوك مجالاً خصباً للإيقاع بالمعارضين، إلا أن الكثير منهم لم يزل يمتلك الشجاعة ليكتب ما يريد في انتقاد الرئيس ونظامه، كتابة أو نشر لقطات وتعليقات ساخرة على كلماته أو مواقفه من القضايا المطروحة، خاصة القضايا المصيرية كتسليم جزيرتي تيران وصنافير أو مشكلة السد الإثيوبي، لتصبح هذه المصائب فقط هي إنجازات الرجل، التي لم يسبقه إليها أحد.
الإعلام المصري طوال مسيرته لم يشذ عن القاعدة، خاصة بعد انقلاب يوليو 1952. فدائماً وأبداً يسير في ركب النظام السياسي، مروّجاً وداعياً لما يريده. إلا أن اللافت الآن أنه يلعب لعبته بغباء ومباشرة، دون أدنى حرفية إعلامية. لم يكن لدينا في وقت من الأوقات إي إعلام أو أصوت معارضة يُسمَح بسماعها، وما ارتفاع بعض الأصوات إلا لعبة موازنات ومحاولة لامتصاص غضب أو ضغط شعبي، بأن يتمثل هذا الصوت أو ذاك موقف الأغلبية التي تعاني بالفعل. كان هذا شكلاً من أشكال الذكاء وثقة النظام في نفسه. أما الآن فلا مجال ولا مفر من الطاعة وسماع الكلام.

انتخابات الرئاسة المصرية: مرشح أوحد وسُمعة سيئة تلاحق إعلام السُخرة

محمد جاد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية