انتخابات برلمانية واستحقاق دستوري يهمش الشعب!

الانتخابات البرلمانية المصرية أضحت باعثة على الملل والكآبة.. وأكثر المواطنين في حيرة من أمرها، وقد قيل لهم أن الانتخابات حل وعلاج لأمراض سياسية واقتصادية واجتماعية مزمنة.. ولست ممن يبررون مقاطعة الانتخابات لمجرد أنها طريق الحصول على قبول الغرب وشيعته، والقبول الأهم هو قبول الناس ورضاهم، وقد مروا بفترات كانوا لا يسعون إلى ذلك القبول، وكان بالنسبة لهم جالبا للشرور، فبوصلتهم في ذلك الوقت كانت في اتجاه معاكس لسياسة الغرب تماما!..
وأنبه القارئ الكريم إلى ما كتب على هذه الصفحة في 3/ 12/ 2011 وتناولنا فيه مبكرا إمكانية تصفية الثورة بـ»الديمقراطية»؛ بشروطها المؤمركة والمصهينة، وختمنا القول بأن «الثورة لا تقتلها الديمقراطية مادام هناك شعب يقظ، وثوار مستعدون للتضحية”.… وفي وجود “ميدان التحرير، وكل ميادين الثورة في أنحاء البلاد»!!. وسعينا لوضع اليد على الخلل فيما ذهبنا إليه؛ فكتبنا في 18/ 5/ 2012 «أننا اكتفينا من الديمقراطية بصندوق الانتخابات واستطلاعات الرأي بعيدا عن تغيير العلاقات القائمة بين القوى المالكة والحاكمة والشعب» وأضفنا إذا لم يَطُل التغيير هذه العلاقات المختلة فإن تصفية الثورة بالديمقراطية جار على قدم وساق، والثورات لا تستمر فى حضور الظلم الاجتماعي ووجود التمييز بين الناس..
ولست من بين مدعي الحكمة بأثر رجعي، ولكني من أنصار القراءة الموضوعية للواقع والتعرف على معادلاته وقياس حراكه وأوزان قواه، وأميل لاختبار هذا بين الفينة والأخرى.. وأحيانا أشعر بالضيق حين أتابع أمورا بدت مستعصية على الفهم.. ورأيت بعض العرب في الخارج يشخصنون أحداث مصر ويختزلونها في شخص السيسي، حتى خيل إلى أن مصر أرض بلا شعب، أو شعب بلا عقل؛ وكيف يُرى شعب قام بثورتين في 2011 و2013. على هذا النحو، وتذكرت الصورة التي عملت على ترسيخها الدعاية الصهيو غربية في الأذهان عن فلسطين، وروجت لمقولة فلسطين أرض بلا شعب واليهود كشعب بلا أرض؛ إلى أن وقعت الواقعة وحلت النكبة.
نفس القياس يطبق على الانتخابات البرلمانية، وعلى من يصورونها كأنها مطلوبة لذاتها، وإذا ما تمت سيرفل المصريون في النعيم المقيم، ويُنَزَّل عليهم المن والسلوى من السماء. ولم يلتفت أحد إلى نصوص الدستور الجديد وموقفه من القوى والكتل الاجتماعية والسياسية الأكبر. وأقل وصف له أنه يمثل كارثة مكتملة الأركان؛ لم ترد في دساتير مصر السابقة منذ دستور 1923.
ومن الضروري تسمية الأشياء بأسمائها، فالدستور الحالي يجب أن يطلق عليه «دستور موسى» نسبة إلى عمرو موسى رئيس لجنة الخمسين، التي صاغته، مع كامل الاحترام لباقي الأعضاء التسعة والأربعين.. يذكرني ذلك بقول يعرفه المخضرمون للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل؛ حين اختير عضوا بلجنة المئة التي أعدت المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي الذي انعقد في 14 أيلول/سبتمبر 1968، وكانت برئاسة مؤسس الدبلوماسية المصرية الحديثة الراحل محمود فوزي؛ وصف هيكل وضعه بأنه «العضو المئة في لجنة التسعة والتسعين»، وحين تخلف عن حضور الاجتماعات اتصل به رئيس اللجنة مداعبا: «أريد أن أتحدث إلى العضو المئة في لجنة التسعة والتسعين!»، ويبدو العكس صحيحا مع لجنة موسى!.
وتمكن عمرو موسى في غياب فقهاء الدستور والقانون، وعدم تمرس الأعضاء الجدد، أن يضع دستورا على هواه؛ متصورا أن رئاسته للجنة الخمسين ستصل به لرئاسة البرلمان، فعمل على منح نفسه سلطات واسعة على حساب الممثلين الحقيقيين للشعب؛ في نظام جديد يفترض قيام توازن بين سلطة تنفيذية يمثلها رئيس الدولة، وسلطة تشريعية معقودة للبرلمان، وبدا الهدف كأنه خلق سلطة مناوئة تعوضه خسارة الانتخابات الرئاسية الأولى، وهو في ذلك يعول على خبرته في خدمة القوى الخارجية الممسكة بمفاتيح توجيه السياسات العربية. فكان أول وزير خارجية مصري يزيح الخط الوطني الذي عرفت به الدبلوماسية المصرية أمام زحف التطبيع، وجعل جامعة الدول العربية مرتعا للنفوذ الأمريكي، وسلم مقعد العراق مبكرا لمندوب الاحتلال «بول بريمر»، الذي أرسل بدوره هوشيار زيباري ليمثله ويشغل مقعد العراق المحتل، وكوفئ زيباري بالتعيين وزيرا للخارجية؛ من 2004 إلى 2014. وموسى أول من وافق على «منح» الغاز المصري لتل أبيب، وواحد من رموز التطبيع، ومؤسسي «مجموعة كوبنهاغن» التي انضوت تحت لواء «جمعية القاهرة للسلام».. أي للتطبيع!، وكل هذا وغيره لا يؤهله لوضع دستور وطني في ظروف صعبة تمر بها مصر.
وانتخابات محكومة بـ»دستور موسى» فتأجيلها أفضل من إجرائها، فالكتل الاجتماعية الضخمة والمؤثرة «همشت» بنص هذا الدستور؛ في تحد واضح للتقاليد الوطنية والقومية والأخلاقية؛ المرأة التي تمثل نصف المجتمع صارت «فئة مهمشة» وكذلك الشباب، في بلد تصل فيه نسبة من هم تحت الأربعين 60٪ من السكان، وحتى فلاحو مصر وعمالها اعتبرهم «دستور موسى» فئات مهمشة أيضا، وحين انسحب ممثل العمال احتجاجا لم يعره اهتماما، وتجاهل وزنهما كأكبر قوتين منتجتين، تمثلان أغلبية الشعب الكبرى؛ كل هؤلاء حولهم «دستور موسى»، والأدق تسميته «دستور فرعون»، إلى مهمشين؛ يمَثلون بشكل «ملائم أو مناسب» بنص الدستور!! – وحسب التساهيل – فمن إذن يمثل الشعب في برلمان كهذا؟ وذلك لم يأت عفوا من شخص عرف عنه تلبيته للشروط المطلوبة لتفريغ مصر من قواها المنتجة والحية والفاعلة، وإبقائها عالة بلا وزن أو قوة ترسخ وجودها وتحميه من التقسيم والتفتيت والسقوط.
ولجنة موسى «غير المنتخبة» تجاوزت حدودها؛ حتى ولو كانت منتخبة ما كان لها أن ترتكب تلك الحماقات، ولا أتصور أن هذا غاب عن القوى السياسية المهرولة على الانتخابات، وتتغافل عن ذلك عمدا، تغطية إما على انتهازيتها أو على رفضها للديمقراطية ذاتها، ومنها من يردد مفردات وعبارات مشوهة لعلاقة المواطن بوطنه. فالحوار المجتمعي جاء ليلغي الحوار الوطني.. والتوافق استهدف شطب الوحدة الوطنية، وثقافة الاختلاف لتصادر على فرص الاتفاق.. والتعايش يواجه المواطنة.. والقائمة تطول!.
عاد الفلول وأُغرِقت مصر بالمال السياسي، وما زالت القوى الطائفية والمذهبية في الصدارة؛ بالعنف والمال والصوت الأعلى والجدل البيزنطي، وهي الأكثر تحمسا للانتخابات، بينما فتاوى شيوخها تُجَرّمها وتُحرّمها!. وأموالها مجهولة المصدر؛ مثلها مثل ثروات ملاك الصحف والفضائيات وأصحاب بورصة شراء الأصوات..؟ وينطبق عليها قول الراقصة فيفي عبده وهي تصف ثروتها بالتلال التي لو وقفت عليها لرأت زمبابوي!. واقتصر عمل الجماعات الطائفية والمذهبية على الثأر والانتقام من المجتمع بطوله وعرضه.. بزرعه وضرعه.. ببشره وحجره.. والانتخابات لديها «غزوات» نموذجها «غزوة الصناديق»، التي فتحت أبواب الجحيم التي لم تغلق حتى الآن. ولو لم يكن الفكر الفاشي مهيمنا على عقل هذه الجماعات لسلكت سبيلا آخر.. وأعادت النظر في مواقفها وتداركت أخطاءها واعتذرت عن خطاياها، ولو وظفت ما توفر لها من إمكانيات ومال وبشر في البناء وخدمة الناس بلا تمييز؛ لكان وضعها مختلفا..
وفي محاولة البحث عن مخرج.. نرى أهمية المبادرة إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني جامع؛ يستظل برايات ثورة يناير وأهدافها في: الخبز.. والحرية.. والعدالة الاجتماعية.. والكرامة الإنسانية. ويرفع أعلام ثورة يونيو الداعية للاستقلال الوطني وللانتماء العربي، ولتكن أهدافا يلتقي عليها المؤتمر الوطني المأمول، وعلى هديها تنتخب هيئة تشريعية انتقالية لمدة سنتين أو ثلاثة، أو حتى إنتهاء مدة الرئاسة الحالية، وتكون من بين مهامها وضع مشروع دستور أفضل؛ يعكس القوة والأوزان الحقيقية للقوى والكتل الاجتماعية الكبرى، ولا يتجاهل القوى الأخرى، والاستفتاء عليه قُبيل استحقاق الرئاسة القادم.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية