انتخابات تونس: هل القادم أعظم؟

حجم الخط
8

في غمرة المشهد المعقد الذي أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس، بمقدور المراقب أن يتلمس جملة من الملاحظات؛ بعضها عياني وراهن ومرتبط بهذه النتائج تحديداً، وبعضها الآخر مُرجأ إلى إشعار زمني قادم، قد يطول أو يقصر.
الملاحظة الأولى هي أنّ الشعب التونسي برهن، بصفة إجمالية تسمح بمقدار آمن من التعميم، على تمتعه بثقافة انتخابية تعددية، تأصلت كما يلوح خلال زمن قياسي، بالمقارنة مع تجارب أخرى على امتداد العالم. وهذه ثقافة كفيلة بتسليح دورات الانتخاب التشريعي القادمة، أو أية انتخابات لاحقة، رئاسية أو بلدية أو نقابية أو مهنية؛ حتى إذا كانت الحصيلة، رغم إيجابياتها الكثيرة، ليست مكتملة على نحو كافٍ يبدد القلق.
ملاحظة ثانية هي أنّ النظام القديم، في شقّه البورقيبي الأعرق، والآخر الذي تولاه الدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي؛ لم يغادر المشهد تماماً، أو بدرجة عالية ضامنة، بدليل ما يحتويه «نداء تونس»، الحزب الأوّل بموجب صندوق الاقتراع، من عناصر كانت قيادية أيام بن علي، وهي اليوم تقود في صفوف الحركة، أو سوف تتبوأ مواقع قيادية مكينة. وإذا صحّ، بالفعل، أنّ قواعد «التجمع الدستوري الديمقراطي»، حزب بن علي المنحلّ، توزعت على غالبية الأحزاب التونسية الجديدة، وهذا أمر طبيعي؛ فإنّ من الصحيح، أيضاً، أنّ «نداء تونس» احتضن العدد الأكبر من تلك الشريحة التي يمكن تصنيفها في خانة «الفلول».
ملاحظة ثالثة هي أنّ اليمين هو الفائز في المحصلة العملية، حتى إذا تباينت عقائده وتوجهاته وخططه، بين ليبرالية «نداء تونس»، أو إسلامية «حركة النهضة»، أو تلاوين يمين الوسط الإصلاحي لدى حزبَيْ «الاتحاد الوطني الحر» و»آفاق تونس»، في المرتبتين الثالثة والرابعة. وهذا مآل تعززة حقيقة النتائج الكارثية لغالبية الأحزاب اليسارية، التي بدا أنّ بعضها لم ينتكس أو يتراجع أو ينهزم، فحسب؛ بل يوشك على الاضمحلال تماماً، والخروج نهائياً من المشهد السياسي والحزبي. وإذْ يعقد البعض شيئاً من الأمل على نوّاب «الجبهة الشعبية»، 15 مقعداً، خاصة في المسائل التي تمسّ حياة المواطنين المعيشية والخدمية تحديداً؛ فإنّ الجبهة سوف تجد نفسها واقعة بين نارين، حين يأزف أوان تشكيل الحكومة: ليبرالية «نداء تونس»، أم… ليبرالية التكنوقراط!
ملاحظة رابعة هي أنّ ترسخ ثقافة انتخابية، خلال هذه الدورة، لا يطمس حقيقة موازية هي أنّ النسبة العامة لإقبال الناخبين كانت أقلّ من نسبتهم في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011؛ وذلك بمعدّل سكاني لافت هو قرابة مليونَيْ ناخب مسجّل امتنعوا، هذه المرّة، عن التوجه إلى صناديق الاقتراع. وإذْ يأخذ المراقب بعين الاعتبار مجموعة التحديات التي تواجه البلاد، وبالتالي الأهمية القصوى لهذا الاستحقاق الانتخابي، فإنّ نسبة العازفين عن التصويت تثير المخاوف وتدعو إلى التأمل في الأسباب.
ملاحظة خامسة، تبرر عنوان هذا العمود، هي تلك التي يفرضها الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي الذي تعيشه تونس اليوم، وآفاق ـ بل يجوز القول: أشباح ـ تطوره إلى مستويات أشدّ ضغطاً على حياة المواطن اليومية: عجز في ميزان المدفوعات بلغ 29.3٪، وعجز في الميزان التجاري قارب 18.2٪، والبطالة 16٪ عموماً و30٪ في صفوف الشباب، والتضخم 6٪. فكيف إذا اضطرت الحكومة القادمة، أياً كانت سيناريوهات تشكيلها، إلى الرضوخ لمطالب البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بصدد رفع الدعم عن السلع الغذائية الرئيسية، مما سينقل الغلاء العام وارتفاع الأسعار إلى معدلات ماراثونية طاحنة.
وهكذا، فليس بإبعاد «النهضة» عن سدّة الحكم، فقط، يمكن لتونس أن تتنفس الصعداء؛ فالقادم يبدو أعظم، وتحدياته أمضّ وأقسى!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية