انتخابات لبنان التشريعية: خمس دوائر مُرشحة للقب «أم المعارك» وأثقلها وطأة في بيروت و«بعلبك ـ الهرمل»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» ـ رلى موفّق: أضحت الانتخابات التشريعية الشغل الشاغل للبنانيين هذه الأيام، فما اجتمع لبنانيان إلا وكان حديث الانتخابات النيابية ثالثهما. مرحلتها الأولى ستبدأ في دول الاغتراب اللبناني (40 دولة) يومي السابع والعشرين والتاسع والعشرين من الشهر الحالي، على أن تجري مرحلتها الثانية والنهائية داخل لبنان في السادس من الشهر المقبل.
الكل مُتّفق على أن لهذه الدورة الانتخابية نكهة خاصة، فهي المرّة الأولى التي يقترع فيها الناخب اللبناني بموجب قانون انتخابي يعتمد النسبية إلى حدٍ بعيد، وإن كان البعض يرفض هذا التوصيف، فيُطلق عليه تسمية «القانون الهجين» لأنه يُزاوج بين عدّة قوانين انتخابية متناقضة، لكن هناك إجماعاً على أنه خلق «تنافساً عدائياً» ضمن اللائحة الواحدة بفعل «الصوت التفضيلي»، إذ يُجيز القانون للناخب منح صوته لمرشح واحد من اللائحة التي اختارها، بحيث تصبح المعركة ذات شقين، شقّها الأول يتعلق بتأمين اللائحة «الحاصل الانتخابي»، فيما شقّها الثاني يتركز على سعي كل مرشح ضمن اللائحة الواحدة لأن يحظى على أكبر نسبة تصويت لضمان فوزه، وهذا ما دفع وزير الداخلية نهاد المشنوق، المرشح على لائحة الرئيس الحريري في دائرة بيروت الثانية، لِنَعتِه بـ «القانون اللئيم والخبيث».
مهندسو هذا القانون «النسبيّ»، وعلى رأسهم «التيار الوطني الحر» وحزب «القوات اللبنانية» يُفاخرون بأنهم أنجزوا قانوناً انتخابياً قضى على «المحادل الانتخابية» التي كانت قائمة زمن القانون القديم، وسمح للناخب المسيحي التحكّم بوصول غالبية النواب المسيحيين إلى الندوة البرلمانية، وهذا لم يكن متاحاً. فاليد الطولى كانت غالباً للناخب المسلم طبقاً لتقسيمات الدوائر القديمة، وما دائرة «بيروت الأولى» (8 نواب مسيحيين لمناطق الأشرفية، الرميل، المدوّر، الصيفي) إلا مثال حيّ على هذا.
الحماوة الانتخابية لافتة في جميع الدوائر (القانون النسبي قَسّمَ لبنان إلى 15 دائرة انتخابية)، بعضها يشهد تحالفات عجيبة، اختلط فيها حابل الأحزاب المتصارعة بنابل العائلات، لكن هناك خمس دوائر لها رمزية خاصة، تشي بطبيعة الخريطة السياسية المقبلة على الساحة اللبنانية.

عروبة بيروت والنصر الباهت

تلك الدوائر تتمثل، بداية، بدائرة «بيروت الثانية» حيث معقل الزعامة الحريرية، التي صنعها رفيق الحريري (الأب) الآتي من مدينة صيدا والمتجذّر من عائلة فقيرة، متجاوزاً عائلات بيروتية عريقة كعائلتي سلام والصلح. في هذه الدائرة كانت لتيار «المستقبل» الكلمة الفصل، والآن يُكابد زعيمه سعد الحريري (الابن) أمواجاً عاتية في محاولة لانتزاع زعامة بيروت منه، أمواج تمتطيها قوى «الثامن من آذار» وبعض الشخصيات البيروتية الطموحة. هو يُواجه ثماني لوائح (ثلاث منها مؤثرة)، إذ عَمَدَ خصومُه إلى «تفريخ» لوائح منافسة له لتشتيت الصوت البيروتي، ما يُسهّل عملية الاختراق التي تجعل نصره باهتاً.
إذاً معركة الحريري في «بيروت الثانية» هي لتكريس زعامة مستحقة، ولإفشال سعي «الثنائي الشيعي» لإيصال نواب سنّة من بيروت، لأن ذلك يمثل «صفعة انتخابية» تقضّ مضاجعه، وتُشكّل هاجساً له يحاول تجنّبه عبر الدعوات لرفع نسبة التصويت، وقيامه بجولات انتخابية مكثفة في الأحياء البيروتية، إضافة إلى رفع السقف السياسي لمعركة العاصمة التي أضحى عنوانها «عروبة بيروت».

ملامح اختراق في «البيت الشيعي»

ما يجري في بيروت يمكن تعميمه على دائرة «بعلبك ـ الهرمل» بصورة معاكسة، فهذه الدائرة يُهيمن عليها الصوت الشيعي (فيها 10 نواب: 6 شيعة، 2 سنّة، ماروني1 وكاثوليكي1)، إذ تدور معركة انتخابية شرسة يخوضها تيار «المستقبل» و»القوات اللبنانية» بالتحالف مع قوى تمثل حالة «الاعتراض الشيعي»، بهدف انتزاع «حاصل انتخابي» ثالث وربما رابع. فـ «الثنائي الشيعي»، لا بل «حزب الله»، يُسلّم بخسارته مقعدين (مسيحي وسنيّ) بسبب طبيعة القانون، ولكن لا يسلّم بخروج أي مقعد شيعي عن خطه في المنطقة التي تُعرف بـ «جمهورية حزب الله»، وهي أوّل منطقة جاءها الحرس الثوري الإيراني، وتضم ناسا وعسكر ومستودعات سلاح الحزب.
هذا فيما يضع الآخرون نصب أعينهم تحقيق خرق بمقعد شيعي في دائرة لا تزال تركيبتها العشائرية قوية رغم قوة «حزب الله» فيها، وقادرة بالتالي على تسجيل «تمايز ما» عنه. هذا التمايز يُراد منه تسجيل رسالة عن تنامي حالة الاعتراض على أداء «الحزب» ضمن طائفته، لكن في نهاية الأمر يبقى تمايزاً محدوداً، ولا يصل إلى حد رفع صوته اعتراضاً على أنه يأخذ طائفة بأكملها إلى خياراته ومعاركه العقائدية والاستراتيجية في مشروع اشتباك مذهبي بمظلة سياسية وسط استعار المواجهة العربية مع المشروع الإيراني.
فالخرق بمقعد واحد من أصل 27 مقعداً شيعياً، هي مجمل المقاعد الشيعية في البرلمان، لم يعد مسألة سهلة مع القانون النسبي. وما يجعل دائرة بعلبك – الهرمل ذات خصوصية إضافية هي ترشّح المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد، الذي كان «الرجل الأمني الأقوى» في حقبة الوجود السوري ورمزاً من رموز النظام الأمني السوري – اللبناني. وهو ترشيح تبدو بصمات تداعيات ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري جليّة عليه، وقد خلق استفزازاً لدى شرائح واسعة، ما دفع بالأمين العام لـ «تيار المستقبل» أحمد الحريري لاعتبار أن إسقاط جميل السيّد يساوي المقاعد الـ127 الأخرى في البرلمان. هجمة الخصم لاختراق البيئة الشيعية والشعور بوجود نقمة شعبية مكبوتة يمكن التسلل من خلالها، أجبرت الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله، على إبداء استعداده للنزول شخصياً إلى الشارع، متجاوزاً المخاطر الأمنية على شخصه، من أجل منع أي «انزلاقة» انتخابية متوقعة تجعل الخسارة مدوّية.

الأعلام الصفراء في «عرين الموارنة»

وامتداداً لقرار منع خروج أي مقعد شيعي عن «قبضة الثنائي»، كان لا بد من ترتيبات في دائرة كسروان – جبيل التي تضم مقعداً شيعياً في معقل الموارنة الصافي (جبيل 3 نواب: 2 موارنة و1 شيعي، وكسروان 5 موارنة)، ولاسيما أن الحليف السياسي المسيحي المتمثل بـ «التيار العوني» تشوبه حالة من الاهتزاز الذي يعزوه البعض إلى الحسابات الانتخابية لـ «التيار الوطني الحر» في «عرين الموارنة»، فيما يعزوه البعض الآخر إلى الحسابات السياسية لرئيس التيار جبران باسيل المرتبطة بمرحلة ما بعد الانتخابات وبدء انطلاقة العهد الفعلية بعد انبثاق سلطة جديدة في البلاد. إنما أياً تكن الأسباب، فأمام تحفظات باسيل على التحالف مع الحليف الشيعي في الدائرة، الذي أراد أن يرشح مسؤولاً حزبياً أمنيا لا شخصية وسطية تُجير إلى الكتلة العونية، كما كانت الحال في الانتخابات الماضية، والنقزة الفعلية لدى «حزب الله» من أن يُطيح «الصوت التفضيلي» بمرشحه، قرر «الحزب» أن يخوض معركته بالمباشر. هي معركة يُرسل من خلالها رسائل سياسية عدة للداخل والخارج. جلب «الحزب» مرشحين من عائلات مارونية أساسية، وشكّل معهم لائحة مع إدراكهم أن لا حظوظ انتخابية لهم، وأن مهمتهم العمل على تأمين الحاصل الانتخابي للائحة بما يضمن فوز مرشح «الحزب» الذي رفرفت أعلامه الصفراء وشعاره «حزب الله هم الغالبون» في معقل الموارنة. خطوة الحزب تشكل انتصاراً له لجهة جر موارنة كسروان «الأكثر تعصباً لفكرة لبنان المسيحي» إلى الوقوف وراءه وإنجاح مرشحه بما يشكل اعترافاً بدور الحزب الإقليمي وسلاحه وحتى هيمنته!

حرب الرئاسة الأولى

أما معركة الشمال المسيحي (يمثلها 10 نواب: 7 موارنة و3 أرثوذكس وتضم زغرتا، بشري، الكورة، البترون)، أو ما يمكن تسميته بمعركة «الجبابرة الثلاثة» (فرنجية، جعجع، باسيل)، فتحمل ـ بلا شك ـ في طيّاتها نواة معركة رئاسية مُبكرة أو معركة «السباق نحو القصر»، فالثلاثة دخلوا معركة إثبات وجود من خلال هذه الدائرة. سليمان فرنجية يعتبر أن الرئاسة «وصلت إلى فمه» مرّتين، ويريد أن يحافظ على حيثية تُبقيه مرشحاً طبيعياً للانتخابات الرئاسية.
بينما جبران باسيل، الابن المدلل لعَمِّه الرئيس ميشال عون، فيخوض معركته الشرسة على مستوى لبنان كله، للحصول على كتلة وازنة تجعل منه مرشحاً قوياً للرئاسة، وهو بحاجة إلى الفوز خصوصاً بعد خسارتيه المدويتين في الدورتين السابقتين، فإذا كان الفوز حليفه يستطيع عندها المجاهرة بأنه المرشح رقم واحد.
والمعركة تمتد إلى معراب، حيث مقر سمير جعجع رئيس حزب «القوات اللبنانية٬ الذي يحكمه هاجس تكبير حجم كتلته النيابية، متكئاً على «مرحلة ما بعد الجنرال»، ويعتقد أن الحالة العونية تستمد وهجها من عون نفسه وسيخفت هذا الوهج حكماً بعد غيابه، ما يحوّله إلى الزعيم المسيحي الأقوى، مدعوماً بإنجازه لـ «اتفاق معراب» الذي كانت له اليد الطولى بإيصال ميشال عون لمنصب الرئاسة الأولى على أن يكون هو المرشح التالي، حتى أن زوجته النائب ستريدا جعجع أعطت إشارة واضحة حول نيته ـ أي جعجع ـ ليكون مرشح «الجمهورية القوية». هذه الدائرة لها رمزيتها باعتبارها دائرة مسيحية صرفة، و»الديوك» الثلاثة الذين يتنافسون على خطب ودها والفوز بمقاعدها عيونهم شاخصة إلى موقع الرئاسة.

خزان الزعامة السنية

ووقائع التنافس في الشمال المسيحي تنطبق على الشمال المسلم (11 نائباً: 8 سنّة، واحد ماروني وآخر أرثوذكسي ونائب علوي، وتضم مناطق طرابلس ـ المنية ـ الضنية)، لكن هنا المعركة سنية – سنية بامتياز، تتمثل بمعركة الزعامات السنية. في ماضي لبنان، كانت الزعامات السنية تنبع من «العواصم» السنية الثلاث، بيروت وصيدا وطرابلس، وتتنافس مع بعضها البعض على موقع الرئاسة الثالثة. خلال الحرب بدأ هذا الدور يتراجع، ومع انتهائها، أطلت «الحريرية السياسية» التي اختصرت الزعامة السنية الرئيسية بشخص الحريري، وازدادت نظراً إلى عوامل داخلية وخارجية.
اليوم ثمة محاولة لعودة إنعاش مفهوم «الزعامات السنية» ببعدها المناطقي. ويكمن التحدّي الفعلي في طرابلس، العاصمة الثانية بعد بيروت، التي تتحوّل إلى «خزان للزعامة السنية»، من «بيوت سياسية» تاريخية إلى زعامات جديدة. الرئيس نجيب ميقاتي يُعتبر نموذجاً، لقد دخل نادي رؤساء الحكومات مرتين في لحظة احتدام الصراع السوري -الإيراني مع السعودية: الأولى عام 2005 بشكل توافقي والثانية عام 2011 بشكل صدامي بعد إسقاط حكومة الحريري الأولى.
لميقاتي حيثيته في الشارع السنيّ الشمالي ولا سيما الطرابلسي مرتبطة بالبعد الخدماتي الذي توفره «جمعية العزم»، وليس بالبعد السياسي الذي يطبع اللواء المتقاعد أشرف ريفي. فريفي، الذي تَدَثّر، بداية، بالعباءة الحريرية، يسعى اليوم لإعطاء الشرعية لحالة «الاعتراض السني» التي يُمثلها، لتكون موجودة تحت قبّة البرلمان ولو بحجم ضئيل وغير مؤثر، مستثمراً نصره الكبير والمفاجئ في الانتخابات البلدية الأخيرة، الذي تعرّض لبعض الاهتزازات كان آخرها إعلان النائب خالد الضاهر الانشقاق عنه وعودته إلى «بيت الطاعة» الحريريّ.
انتخابات تشريعية تبدو نتائجها في كثير من المناطق منتهية قبل بدئها، لكنها ستشهد معارك سياسية ووجودية لها رمزيتها، وستكون لها انعكاساتها على موازين اللعبة في البلاد.

انتخابات لبنان التشريعية: خمس دوائر مُرشحة للقب «أم المعارك» وأثقلها وطأة في بيروت و«بعلبك ـ الهرمل»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية